تخطّي إلى المحتوى
السبت، 19 سبتمبر 2026
أخبار دولية

روسيا في مرحلة ما بعد بوتين والحرب: هل بإمكان موسكو تجاوز إرث الإمبراطورية؟

كتب: adminمنذ ساعة واحدة — 1:20 م

كتبت: دينا يحيي الأدغم.

تطرح الحروب الجارية في أوكرانيا الكثير من التساؤلات التي تتجاوز الجوانب العسكرية والسياسية إلى عمق التواصل الدولي: هل يمكن لروسيا أن تعيد تشكيل علاقاتها مع جيرانها والعالم بما يتلاءم مع وضعها كدولة “طبيعية”، أم أن تاريخها الإمبراطوري سيظل مؤثرًا على رؤيتها لنفسها ودورها على الساحة الدولية؟

الأسئلة الجوهرية

مقال نشر في مجلة “فورين بوليسي” للكاتب ألكسندر جيه موتيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة روتجرز-نيوارك، يستعرض القضايا المرتبطة بالقومية الروسية ومفاهيم العظمة وبنية الدولة وسمات السياسة الخارجية الروسية، ويرى أن المشكلة تجاوزت شخص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتشمل ثقافة سياسية واسعة تعتبر أنه يجب أن تكون روسيا دولة ذات رسالة ومرتبة خاصة، ويعتبر انهيار الاتحاد السوفيتي ضربة قاسمة لهذه الرؤية.

إعادة تعريف “العظمة”

يذكر التحليل أن مفهوم “العظمة الروسية” لم يكن وسيلة دعائية فحسب، بل أصبح جزءًا متأصلًا في كيف تراه الدولة نفسها ووجهات نظرها تجاه الجوار، لقد تحولت العلاقة مع جيرانها إلى هدف استراتيجي يسعى لاستعادة المكانة السابقة بدلاً من مجرد تحقيق الأمن، في هذه السياق، تبرز أوكرانيا كموقع رئيسي حيث لم يعد الصراع مجرد نزاع حدودي، بل أصبح صراعًا حول السيادة والهوية ومكانة روسيا في النظام الأوروبي.

الحقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي

التحليل يشير إلى أن تفكك الاتحاد السوفيتي لم يُنهِ مفاهيم الإمبراطورية في الداخل الروسي، كما يُظهر أن العلاقة مع الجوار لم تُعد تُعتبر مجرد علاقات دولية بل انتهجت روسيا رؤية تتعامل مع الجمهوريات السوفيتية السابقة كجزء من مجال جيوسياسي تتواجد له مصالح خاصة، غير أن النزاع الأوكراني قد أضفى تعقيدًا جديدًا على هذه المعادلة.

أوكرانيا والتحولات الكبرى

وفقًا لتحليل نشر في مارس 2026، فإن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت كجهد لحماية الحدود الغربية، لكنها أدت إلى تعقيدات أضافية حيث عادت أوكرانيا لتصبح أكثر اتحادًا وقد اقترنت مؤسساتها بالمؤسسات الأوروبية، في الوقت ذاته، تغيرت الحدود الغربية الروسية لتكون أكثر احتكاكًا بالتوازنات العسكرية الأوروبية وحلف الناتو.

فهم العمق الاستراتيجي

من المهم فهم مفهوم “العمق الاستراتيجي” لتحقيق فهم دقيق لسياسة روسيا تجاه أوروبا، وفقًا لتحليل كارنيغي، يعكس هذا المفهوم التقاليد التاريخية الروسية التي شهدت غزوات كبرى، حيث كان الهدف من التوسع هو إنشاء مناطق عازلة لحماية الدولة من أي تهديد محتمل.

إعادة تعريف طبيعة الصراع

قد أعادت الحرب الأوكرانية صياغة الصراع الروسي الغربي، حيث أصبح يشمل جوانب متعددة تتجاوز العتاد التقليدي لتشمل تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، إن روسيا تواجه تحديات بيئية عسكرية جديدة تجعل من أهمية “العمق الجغرافي” التقليدي تتراجع.

المسار المستقبلي لروسيا

تحليل “فورين بوليسي” يشير إلى أن التمسك بفكرة العظمة الإمبراطورية قد يعرض روسيا لخطر الاستنزاف، استمرار الصراع يسحب الموارد الاقتصادية والبشرية، بينما بعض التحليلات تقول أن روسيا لا تزال تحتفظ بأهمية جيوسياسية مع قوى مثل الصين والهند، مما يجعل فكرة “الروسية المعزولة” بحاجة إلى إعادة تقييم.

المعضلة الاقتصادية

الحرب كذلك تثير تساؤلات اقتصادية، فعلى الرغم من الضغوط الناجمة عن الاستثمارات وأسعار الفائدة، تبقى النفقات العسكرية عنصرًا محوريًا، إذا استمرت الحرب سيكون هناك تكلفة مستمرة، أما في حال توقفها فقد يتطلب الانتقال نحو اقتصاد طبيعي تكاليف أيضًا.

آثار القيادة المستقبلية

إن شكل المستقبل الروسي مرتبط بشكل كبير بجذور الثقافة السياسية والموقف من القيادات الوافدة، إن كانت الحرب قضية شخصية لبوتين، قد يكون رحيله مفتاح التغيير الجذري، لكن إذا كانت هذه الحرب مرورًا لثقافة إستراتيجية عميقة، فقد لا يكون تغيير القيادة كافيًا.

أوروبا وتغيير ملامح الأمن

الحرب لم تغيّر روسيا فقط، بل أعادت تشكيل أوروبا، حيث زادت من ميزانيات الدفاع وتعيد بناء القدرات العسكرية، مما يؤثر على علاقات التعاون الأوروبي الأمريكي، روسيا، التي سعت لوقف توسع المنظومة الغربية، قد تجد نفسها أمام أوروبا تتجه نحو تعزيز دفاعاتها وقدراتها العسكرية.

التساؤلات بعد بوتين

السؤال الأهم هو: ماذا سيكون حال روسيا بعد بوتين؟ قد تشهد تغييرات تدريجية في العلاقات الأوروبية أو استمرار النهج الحالي، لكن الحسم سيكون في قدرة القيادة المقبلة على الفصل بين روسيا كقوة كبرى وأفكار استعادة الإمبراطورية.

الخلاصة

الحرب الأوكرانية لا تتعلق فقط بالجغرافيا أو الأراضي، بل هي اختبار لطبيعة الكيان الروسي في المستقبل، إذا بقيت الأصول الإمبراطورية جوهر الرواية الروسية، فستبقى العلاقات مع الجوار مليئة بالتوتر، أما إذا استطاعت روسيا إعادة صياغة قوتها عبر النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي، فقد تشهد تحولًا في تاريخها المعاصر، وفي جميع الأحوال، تداعيات هذا التحول لن تظل قاصرة على روسيا وحدها، بل ستؤثر على أمن أوروبا والتوازن الدولي والعلاقات الجيوسياسية العالمية.