خط جوي معلّق منذ 1985.. كيف أوقفت حادثة "TWA 847" الرحلات المباشرة بين لبنان وأميركا لـ41 عامًا؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
بعد أكثر من أربعة عقود على توقفها، عادت الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة إلى الواجهة، بعدما وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدارته بالسماح لشركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات مباشرة إلى لبنان، في خطوة تعيد فتح ملف ظلّ مجمّدًا منذ عام 1985.

Advertisement


لكن خلف هذا القرار قصة طويلة بدأت في زمن كانت فيه بيروت محطة أساسية على خريطة الطيران العالمي، وانتهت بحادثة أمنية خطيرة دفعت واشنطن إلى تعليق الرحلات المباشرة، لتبقى معلّقة طوال 41 عامًا. فما الذي أوقف هذا الخط الجوي؟ ولماذا بقي هذا المسار الحيوي خارج الخدمة رغم مرور كل هذه السنوات؟

قبل توقف الرحلات المباشرة، كان مطار بيروت الدولي يُعد من أبرز المطارات في المنطقة، مستفيدًا من موقع لبنان الجغرافي الذي جعله نقطة عبور بين أوروبا والشرق الأوسط.

وكانت الرحلات الجوية بين لبنان والولايات المتحدة تشكل رابطًا مهمًا بين البلدين، في ظل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية الواسعة، ووجود جالية لبنانية كبيرة في أميركا. كما كانت بيروت تستقطب شركات طيران عالمية عدة، وتُعتبر مركزًا حيويًا لحركة السفر في المنطقة.

لكن الحرب اللبنانية التي اندلعت عام 1975 بدأت بتغيير هذا الواقع، إذ انعكس تدهور الوضع الأمني على حركة الطيران، وبدأت شركات عدة بإعادة النظر في تشغيل رحلاتها إلى لبنان، إلى أن جاءت حادثة مفصلية قلبت المشهد بالكامل.


حادثة "TWA 847"... الرحلة التي أوقفت التواصل الجوي المباشر
في 14 حزيران عام 1985، كانت طائرة تابعة لشركة "ترانس وورلد إيرلاينز" (TWA) تحمل الرقم 847 في طريقها من أثينا إلى روما، وعلى متنها 153 راكبًا وأفراد طاقمها.

 
لكن الرحلة تحولت خلال دقائق إلى واحدة من أخطر أزمات خطف الطائرات في ذلك الوقت، بعدما سيطر مسلحان على الطائرة وأجبرا قائدها على تغيير مسارها نحو الشرق الأوسط.

هبطت الطائرة في بيروت، حيث بدأت أزمة استمرت 17 يومًا، تنقلت خلالها الطائرة بين بيروت والجزائر قبل أن تعود مجددًا إلى العاصمة اللبنانية. وخلال فترة الاحتجاز، بقي الركاب تحت تهديد السلاح وسط مفاوضات وضغوط دولية واسعة للإفراج عنهم.


 
وكان من بين الركاب عدد من الأميركيين، إضافة إلى أفراد من البحرية الأميركية كانوا عائدين من مهمة تدريبية.

وخلال عملية الخطف، تعرض الجندي الأميركي في البحرية روبرت ستيثم للاعتداء قبل أن يُقتل، ثم أُلقي بجثمانه على مدرج مطار بيروت، في مشهد أثار غضبًا واسعًا في الولايات المتحدة.

 
انتهت الأزمة بعد مفاوضات طويلة، أُطلق خلالها سراح الركاب على مراحل، لكن تداعيات الحادثة تجاوزت مصير الطائرة وركابها. فقد اعتبرت واشنطن أن ما جرى كشف عن مخاطر أمنية كبيرة مرتبطة بالسفر إلى لبنان في ظل الحرب الأهلية وتدهور الوضع الأمني.

وعلى إثر ذلك، اتخذت الولايات المتحدة إجراءات مشددة تجاه الرحلات الجوية إلى لبنان، وأوقفت شركات الطيران الأميركية تشغيل الرحلات المباشرة إلى بيروت، ليبدأ فصل جديد في تاريخ الطيران بين البلدين.


 
من قرار أمني إلى توقف استمر عقودًا

بعد حادثة "TWA 847"، لم يعد توقف الرحلات المباشرة مرتبطًا فقط بالطلب التجاري أو جدوى الخط الجوي، بل أصبح ملفًا أمنيًا وسياسيًا بامتياز.
ومع استمرار الحرب اللبنانية خلال ثمانينيات القرن الماضي، بقيت المخاوف الأميركية مرتفعة، خصوصًا في ظل تكرار حوادث الخطف والهجمات التي استهدفت مصالح أميركية في لبنان والمنطقة.

وبالتالي، اعتمد المسافرون بين لبنان والولايات المتحدة خلال السنوات التالية على الرحلات غير المباشرة عبر محطات أوروبية أو إقليمية، فيما بقيت الرحلات الأميركية المباشرة غائبة عن جدول الرحلات.



محاولات لتخفيف القيود من دون عودة كاملة
على مدى العقود اللاحقة، شهدت العلاقات اللبنانية - الأميركية مراحل عدة من التغيير، كما خففت واشنطن بعض القيود المفروضة على السفر إلى لبنان، إلا أن ذلك لم يؤدِّ إلى إعادة تشغيل الرحلات المباشرة.

ففي التسعينيات، جرت محاولات لتعديل بعض الإجراءات والسماح بترتيبات مرتبطة بالسفر، لكن قرار عودة شركات الطيران الأميركية إلى بيروت بقي مؤجلًا، بسبب استمرار التحفظات الأمنية.

ورغم تحسن وضع مطار بيروت وعودة لبنان تدريجيًا إلى خارطة السفر الإقليمية، بقيت الاعتبارات الأمنية الأميركية العامل الأساسي الذي حال دون إعادة فتح الخط المباشر.


لماذا بقي الخط متوقفًا 41 عامًا؟
لم يكن استمرار تعليق الرحلات نتيجة حادثة واحدة فقط، بل جاء بسبب تراكم عوامل عدة عبر السنوات، أبرزها: استمرار المخاوف الأميركية بشأن أمن الطيران في لبنان، والتحولات السياسية والأمنية، وبقاء الملف مرتبطًا بتقييمات أمنية أميركية دقيقة، وايضًا الحاجة إلى ضمانات قبل السماح لشركات الطيران الأميركية بالعودة.

وهكذا، تحول خط بيروت - الولايات المتحدة من رحلة جوية عادية إلى ملف تتداخل فيه السياسة والأمن والاقتصاد.

اليوم، يعيد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح الباب أمام احتمال عودة الرحلات المباشرة بين البلدين بعد غياب دام أكثر من أربعة عقود. لكن الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ يبقى مرتبطًا باستكمال الإجراءات الأمنية والتقييمات المطلوبة قبل أن تستأنف شركات الطيران الأميركية رحلاتها إلى مطار بيروت.

وبين رحلة "TWA 847" التي غيّرت مسار الطيران بين لبنان والولايات المتحدة، والحديث عن عودة الطائرات الأميركية إلى بيروت، تختصر هذه القصة عقودًا من التحولات التي عاشها لبنان، حيث لم تكن الرحلات الجوية مجرد وسيلة نقل، بل مرآة لعلاقة معقدة بين الأمن والسياسة والاقتصاد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق