Advertisement
توقيت لا يحتمل التأجيل
غير أن هذه الزيارة تكتسب أهميتها من تزامنها مع استحقاقات متشابكة: اقتراب نهاية ولاية قوات “اليونيفيل” في الجنوب، واستمرار الخروقات الإسرائيلية رغم توقيع الاتفاق الإطار، إلى جانب أزمة اقتصادية ومالية بنيوية لم تجد بعد طريقها إلى الحل الشامل. في هذا السياق، لا يذهب الرئيس عون إلى البيت الأبيض بصفته ضيفاً بروتوكولياً، بل بصفته رئيساً يحمل معه ملفاً وطنياً متكاملاً يريد ترجمته إلى التزامات أميركية واضحة، بعدما بات الداخل اللبناني بأمسّ الحاجة إلى ما يُطمئنه على أن مسار التفاوض الذي اختارته الدولة لم يكن رهاناً خاسراً وبعدما ارتفعت اصوات كثيرة تشكك بامكانية التنفيذ وصولا الى رفض المفاوضات المباشرة وفق ما عبر عنه مراراً الرئيس نبيه بري بدقة ولباقة ، وحزب الله بحدة وبأسلوب تخاطب غير مألوف ومقبول مع رئيس الدولة .
الانسحاب الإسرائيلي: الشرط الذي لا مساومة عليه
ويتصدّر ملف الانسحاب الإسرائيلي الكامل من النقاط اللبنانية المحتلة في الجنوب أولويات الرئيس عون في لقائه مع نظيره الأميركي. ف"اتفاق الإطار" الذي وُقّع في واشنطن حمل بنوداً تتعلق بترتيبات أمنية وانتقالية، لكن استمرار الوجود الإسرائيلي في نقاط معينة، إلى جانب الخروقات الجوية والبرية المتكررة، يُبقي على شعور عميق لدى اللبنانيين بأن الاتفاق لم يُترجم بعد إلى واقع ملموس. سيسعى الرئيس عون إلى انتزاع التزام أميركي صريح وواضح بجدول زمني للانسحاب، باعتباره الترجمة العملية لاتفاق واشنطن نفسه، ولأنّ أي تلكؤ في هذا الملف سيُقوّض شرعية الخيار التفاوضي الذي راهنت عليه رئاسة الجمهورية. وبديهي أن يتشدد الرئيس عون في الطلب من نظيره الاميركي الضغط على إسرائيل للانسحاب من البلدات والقرى التي احتلتها لاسيما وان الدولة العبرية لا تزال تماطل وتخترع الحجج لعدم الانسحاب ولا تخجل في القول صراحة انها تنوي البقاء في الجنوب وقت غير محدد .وفي هذا السياق لا يمكن للرئيس عون ان يتساهل في هذه المسألة الدقيقة والتي تجعل صدقية اهداف المفاوضات المباشرة على المحك .
الجيش : الضامن الوحيد الذي يستحق الدعم
الملف الثاني الذي لا يقل إلحاحاً هو دعم الجيش ، الذي يُصرّ الرئيس عون على تظهيره باعتباره الضامن الشرعي الوحيد للأمن على كامل الأراضي اللبنانية. فبعد الجهد الذي بذله الجيش في نشر عناصره جنوب الليطاني وضبط السلاح غير الشرعي، بات من الطبيعي أن يطلب الرئيس عون من إدارة ترامب ترجمة الثقة السياسية بالمؤسسة العسكرية إلى دعم مادي ولوجستي وتدريبي فعلي، يُمكّن الجيش من الاضطلاع بمهامه الجديدة في المناطق التجريبية المتفق عليها، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الداعمة التي لم تُقابلها دوماً مساعدات كافية على الأرض وهو أمر يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى جدية الادارة الأميركية على تقوية الجيش فعلياً وتزويده بمعدات وتجهيزات متقدمة لن تجاري حتما ما تقدمه لإسرائيل ؛ والرئيس عون الذي تسلم قيادة الجيش ثماني سنوات يعرف جيدا ان " الكرم " الاميركي على الجيش لم يكن يوما بمقدار
" الحكي " الذي يصدر عن الادارة الاميركية التي لا تزال تحجب دعمها الفعلي - لا الكلامي - عن انعقاد المؤتمر الدولي لدعم الجيش والقوى الامنية اللبنانية الذي يعمل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على عقده بعد تأجيله مرتين حتى الان . ولا شك ان الحساسية القائمة بين الولايات المتحدة وفرنسا واحدة من اسباب برودة واشنطن حيال دعم مؤتمر باريس ؛ فضلا عن تعطيل الدور الفرنسي في لجنة الميكانيزم التي انبثقت عن اتفاق وقف الأعمال العدائية في العام ٢٠٢٤ .
الاقتصاد اللبناني: البعد الذي لا يقل أهمية عن الأمن
إلى ذلك ، لا يمكن فصل الاستقرار الأمني عن الانهيار الاقتصادي الذي يعصف بلبنان منذ سنوات. لذلك سيحمل الرئيس عون معه الى البيت الأبيض يوم الثلثاء ، ملف الدعم الاقتصادي والمالي، من تسهيل وصول المساعدات الدولية إلى فتح الباب أمام استثمارات أميركية مباشرة، مروراً بدعم واشنطن لأي خطة إصلاحية يقدّمها لبنان أمام صندوق النقد الدولي والمانحين الدوليين. فاستقرار الجبهة الجنوبية وحده لن يكفي لإعادة بناء ثقة اللبنانيين بدولتهم، ما لم يُترجم إلى انفراج اقتصادي ملموس يخفف من معاناة المواطنين اليومية. وفي هذا السياق سيطرح عون على ترامب ضرورة اشتراك شركات النفط الأميركية الكبرى في استثمار الحقول النفطية في الجنوب والتي يجمع الخبراء على انها تتضمن مواد غازية ونفطية لن يُفرج عنها إلا بقرار سياسي رفيع المستوى يحمل توقيع الرئيس ترامب " يزيح" شركة "توتال" الفرنسية عن المسرح النفطي اللبناني لتكون احدى الشركات الأميركية الكبرى البديل !
ما ينتظره لبنان من ترامب: غطاء سياسي لا مجرد كلام
يبقى العنصر الأكثر حساسية في هذه الزيارة هو الحاجة إلى أن يخرج الرئيس عون من لقائه بترامب حاملاً “شيئاً ملموساً” يُقدَّم للرأي العام اللبناني، لا مجرد بيان مشترك عن “الشراكة الراسخة” بين البلدين. فالرئيس عون يواجه في الداخل انتقادات متصاعدة، لا سيما من أوساط ترى في خيار التفاوض مع إسرائيل مساراً محفوفاً بالمخاطر وقد يفضي إلى تنازلات غير متكافئة. وإذا لم يحصل على التزام أميركي واضح بشأن الانسحاب، أو تعهد فعلي بدعم الجيش والاقتصاد، فإن معارضي هذا الخيار الذين ينتظرونه " على الكوع "سيجدون في “الزيارة بلا حصيلة” ذخيرة إضافية لتوجيه سهامهم نحو الرئاسة، وربما نحو مبدأ التفاوض بحدّ ذاته.
من هنا، فإن ما يحتاجه الرئيس عون ليس فقط الترحيب البروتوكولي في البيت الأبيض، بل “تحصيناً سياسياً” حقيقياً يمنحه إياه الرئيس ترامب، سواء عبر التزام مكتوب بجدول زمني للانسحاب، أو حزمة مساعدات عسكرية واقتصادية معلنة، أو حتى موقف أميركي صريح يُلزم إسرائيل بوقف الخروقات. فمثل هذا “الشيء الملموس” هو وحده الكفيل بأن يحوّل الزيارة من محطة دبلوماسية عابرة إلى نقطة تحوّل تُعيد شحن الثقة الداخلية بخيار الدولة اللبنانية في إدارة هذا الملف الشائك، وتمنح الرئيس عون هامش مناورة أوسع في مواجهة من يشككون بجدوى المسار التفاوضي الذي اختطّته رئاسة الجمهورية منذ توليه سدة الرئاسة.
في المحصلة، تبقى زيارة واشنطن اختباراً حقيقياً لمدى جدية الشراكة الأميركية اللبنانية المعلنة، وفرصة تاريخية لترجمة الكلام الدبلوماسي إلى التزامات عملية تصبّ في مصلحة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، واذا كانت الحصيلة مجرد كلام من ترامب لا يستطيع عون صرفه عملياً ، فان الانعكاسات السلبية للقمة اللبنانية -الاميركية ستكون في الداخل اللبناني اكبر من إيجابيات التقاط صورة مع ترامب في البيت الأبيض !!



0 تعليق