Advertisement
وبحسب الموقع: "استغرق الأمر ثلاثين يومًا حتى استوعب سكان تدمر وحشية تنظيم الدولة الإسلامية. فبعد فترة وجيزة من سيطرتهم على المدينة، أعدمت "داعش" علنًا عشرين رجلاً في المدرج الروماني تحت رايتها السوداء، محولةً بذلك أحد أهم المعالم الثقافية في سوريا إلى مسرح للإرهاب. وبمجرد أن رسخت داعش سلطتها بالكامل، تحول الاهتمام إلى الآثار القديمة. إن مدينة تدمر، وهي إحدى أهم مواقع التراث العالمي لليونسكو في سوريا، يُحتفى بها كرمز للتنوع الثقافي والديني الذي كان يميز المنطقة في الماضي. ويعود تاريخ شبكة المعابد والأضرحة والآثار الوثنية إلى ما قبل ظهور الإسلام، مما جعلها هدفاً رئيسياً لأيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية المناهضة للأيقونات؛ وقد دمر المسلحون بعضاً من أبرز معالم تدمر في أعمال دعائية مُنسقة، بينما قاموا بنهب وتهريب آثار أخرى عبر سوق الآثار لتحقيق الربح. كما وتم تفجير قوس النصر الشهير وتحويله إلى عمودين منفردين؛ وفقد معبد بيل قدسه المركزي، الذي أصبح من المستحيل التعرف عليه لولا الجدار المحيط به الذي لا يزال قائماً؛ وشُوهت التماثيل، ونُحتت ملامحها. وخلف الأنقاض تقع واحة عمرها آلاف السنين: مصدر الحياة الذي سمح لمدينة تدمر بالازدهار كمركز تجاري في المقام الأول. كما ولم تسلم مدينة تدمر الحديثة من الوحشية أيضاً؛ فقد دُمرت المنازل والمباني بشكل ممنهج خلال حملات عسكرية متتالية، ثم نُهبت".
وتابع الموقع: "يزعم متحدث باسم اليونسكو أنه تم وضع خارطة طريق لإعادة إعمار تدمر، تشمل أعمال الترميم، وتطوير البنية التحتية للزوار، وتوفير فرص كسب العيش، إضافةً إلى أنشطة الحماية الطارئة المنفذة؛ ومع ذلك، يصف العديد من السكان والمسؤولين فجوة متزايدة الاتساع بين الخطط والواقع. توجد أطر دولية للتعافي، لكن الدعم الفعال والواضح لا يزال محدوداً. إن الأولوية بالنسبة للكثيرين ممن يعملون على إنعاش السياحة ليست إعادة بناء الموقع الأثري، بل استعادة البنية التحتية: إعادة فتح الفنادق والمطاعم ودور الضيافة، وتحسين الطرق، وتوفير الخدمات التي تسمح للناس بالعودة بشكل دائم. بالنسبة للسكان، تُعدّ السياحة من الصناعات القليلة القادرة على إعادة الأموال إلى المدينة والمساهمة في استعادة سبل العيش. بعد سقوط الرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2024، بدأت أعداد الزوار بالتعافي، لكن تجدد عدم الاستقرار الإقليمي عقب حربين اميركيتين إسرائيليتين على إيران أدى إلى تعطيل الرحلات الجوية وإبطاء وتيرة النمو مجدداً".
وأضاف الموقع: "السياحة هي المحرك الاقتصادي الذي يمكن أن يساعد في إعادة الحياة إلى المدينة، وبالنسبة للعديد من سكان تدمر، فإن العمل مع السياح هو كل ما يعرفونه. أما خارج سوريا، فقد أثارت إعادة فتح البلاد جدلاً واسعاً حول "السياحة السوداء" وأخلاقيات زيارة البلدان في أعقاب الصراع، وبالنسبة للمجتمعات التي تحاول إعادة البناء بعد أكثر من عقد من الحرب، يُعدّ جذب الزوار أهم من التساؤل عن دوافعهم للقدوم. "نعم، لقد صادفنا أشخاصاً مهتمين بمناطق الحرب فقط"، هذا ما قاله رامي نوايا من منظمة "المرشدون السوريون". لا يمكن تجاهل الدمار أو تجميله، ولكن لا ينبغي أن يصبح هو القصة الكاملة؛ فلم يُولَ اهتمامٌ كافٍ للتراث الحيّ لتدمر: مجتمعات البدو الذين تنقلوا عبر الصحراء المحيطة بها لأجيال. فبالنسبة للبدو، تبدأ إعادة الإعمار بجعل الأرض التي لوثتها الألغام والذخائر غير المنفجرة صالحةً للسكن من جديد. إن التحدي الذي تواجهه المجتمعات البدوية يعكس مسألة إعادة الإعمار في معظم أنحاء سوريا خارج المراكز الحضرية الرئيسية في حلب ودمشق. ومع محدودية قدرة الدولة وتركيز التمويل الدولي على المناطق التي يعود إليها أعداد كبيرة من الناس، فإن التعافي في المناطق الريفية يعتمد على السكان المحليين الذين يستخدمون مواردهم المحدودة: المدخرات، والأموال من الأقارب في الخارج، والعمل، وفي بعض الأحيان، سلامتهم الشخصية".
وبحسب الموقع: "في تدمر، جعلت تغيرات خطوط المواجهة إزالة الألغام الأرضية عملية معقدة للغاية؛ فقد تناوبت السيطرة على المدينة مرارًا وتكرارًا طوال فترة النزاع. وقال مؤيد النوفلي، نائب مدير البرامج في منظمة هالو، وهي منظمة دولية رائدة في مجال إزالة الألغام في سوريا: "تناوبت السيطرة على المدينة عدة مرات بين جهات فاعلة مختلفة، لكل منها تكتيكات عسكرية وأساليب مختلفة في زرع المتفجرات". وأضاف: "قد يؤدي ذلك إلى تلوث متداخل، يشمل الألغام الأرضية التقليدية، والعبوات الناسفة، والذخائر غير المنفجرة، والذخائر المهملة"؛ وهذا يجعل العملية شاقة ومكلفة. وأوضح النوفلي: "يمثل كل خطر تحديات تقنية مختلفة ويتطلب أساليب إزالة متباينة. وقبل البدء بأي عملية ترميم أو تنمية سياحية أو إعادة تطوير شاملة، لا بد من تحديد المخاطر المتفجرة وإزالتها أولاً". وتأمل المنظمة في تأمين التمويل اللازم خلال الأشهر المقبلة لتوسيع نطاق عملياتها لتشمل مدينة تدمر. وإلى حين اكتمال هذا العمل، لا يملك العديد من السكان خيارًا سوى التعايش مع الخطر. وأكد المسؤولون أن الموقع الأثري والطرق الرئيسية أصبحت آمنة، لكن الأراضي الزراعية والصحراء المحيطة بها تُشكل خطراً آخر. ويعتمد نمط حياة البدو على التنقل بحرية عبر مساحات شاسعة من الأراضي، الكثير منها ملوث بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة".
وختم الموقع: "رغم كونها ساحة معركة خلال الحرب الأهلية السورية، لا تزال تدمر صامدة. فقد نجت المدينة من تنظيم الدولة الإسلامية، ونجت من سنوات الحرب، أما قدرتها على استدامة سكانها من جديد، فتعتمد على التمويل الدولي وعودة السياح الذين يمكنهم تحويل التراث إلى مصدر رزق".




0 تعليق