مرضى السرطان يشتهون "جرس النجاة"

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
خلف كل رقم من أرقام الإصابات بمرض السرطان، تختبئ رحلة عذاب شاقة تبدأ من المسبّبات اليومية المحيطة بالمواطن، بدءاً من السموم المستنشقة في الهواء، والمأكول في الغذاء، وصولاً إلى الارتفاع الحاد في نسب التدخين الذي بات يفتك بالصحة العامة.
ويُخصص شهر حزيران، عالمياً للاحتفال بالناجين من السرطان ورحلة التعافي، ورفع الوعي المجتمعي، ودعم المحاربين من خلال مشاركة قصص الكفاح، بالإضافة إلى تأكيد أهمية الدعم النفسي والجسدي والتشجيع على الفحص المبكر؛ إلا أنه وبدلاً من أن يقرع المرضى في لبنان "جرس النجاة" إعلاناً لانتصارهم على المرض، يرتفع الصوت اليوم لقرع "جرس الإنذار"  حول واقع صحي وبيئي مأزوم يرزح تحت وطأة الانهيار، ويزيد من عمق المأساة الإنسانية.

Advertisement


كيف يسرق السرطان أعمار اللبنانيين؟

وتأتي شهادة الحياة التي ترويها السيدة نهى عبر "لبنان٢٤"وهي مريضة تتابع علاجها من سرطان الثدي، لتعكس حجم الاستنزاف النفسي والاجتماعي الذي يطال المريض وعائلته معاً. وتقول إن "لحظة اكتشاف الإصابة كانت أشبه بتوقف الزمن بالنسبة لها ولعائلتها، إذ انطفأت فجأة كل الخطط والأحلام المرتبطة بالمستقبل، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من البحث عن الأمان المفقود. وتشير إلى أن السرطان لا ينهك الجسد وحده، فهو يسلب البيت سكينته، ويدفع أفراد العائلة إلى العيش في حالة دائمة من الترقب والخوف".
وتؤكد أن "الإصابة بالسرطان في ظل الانهيار الاقتصادي تعني خوض صراع يومي قاسٍ بين كلفة العلاج والاحتياجات الأساسية للأسرة. فمع تراجع قيمة الرواتب، أصبح تأمين الفيتامينات الداعمة، والغذاء الصحي المناسب، وحتى كلفة التنقل إلى مركز العلاج، عبئاً معيشياً يرهق العائلة ويستنزف قدرتها على الاحتمال".

تحديات مرضى السرطان

وفي سياق متصل، أوضح رئيس جمعية "بربارة نصار" لدعم مرضى السرطان، هاني نصّار، في حديث عبر "لبنان ٢٤"، أن آخر إحصاء للسجل الوطني للسرطان في وزارة الصحة يعود لعام 2024، ومعتبراً أن الأرقام المسجّلة التي تشير إلى 16 ألف حالة جديدة للبالغين و300 حالة للأطفال قد تكون غير واقعية. وحذّر من تدني مستوى أعمار المصابين ولا سيما لدى النساء، في 23 و24 و25 سنة بسرطان الثدي، من دون وجود تفسير دقيق حتى الآن لهذا الازدياد، مشدداً على ضرورة إجراء الفحوصات الدورية. وفيما تتركز أبرز الإصابات في سرطانات الثدي، الرئة، الكولون، والبروستات، رأى نصار أن لبنان يتقدم بشكل كبير في سرطان المثانة، وقد يكون الأول عالمياً في هذا المجال.


كما انتقد نصّار، غياب أي خطوات جدية من قبل الدولة، ففصّل المسببات البيئية والصحية بدءاً من غياب القرار الرسمي لتنفيذ قانون منع التدخين في الأماكن العامة، رغم أن 70% من الشعب اللبناني مدخن، والتدخين هو العامل الأساسي للإصابة. كما تطرق إلى التلوث المائي والزراعي الناتج عن الاستخدام العشوائي للرشوش والمبيدات للمزروعات، بالإضافة إلى تصريف المواد الكيماوية للمصانع والمجاري الصحية مباشرة في بعض الأنهر ولاسيما الليطاني، وصولاً إلى تلوث الهواء الناتج عن انتشار حوالى 9 آلاف مولّد كهربائي في بيروت تعمل جميعها من دون فلاتر، معتبراً العاصمة مجرد مثال بسيط؛ فكيف يكون الحال في باقي المناطق والمدن الكبرى التي تغيب عنها الرقابة تماماً، هذا فضلاً عن التلوث الكارثي والخطير الناتج عن ظروف الحرب الراهنة وما تخلفه من سموم وانبعاثات كيمائية خطيرة.

أما في ما يخص واقع العلاجات والأدوية بين المكننة والجهات الضامنة، فقد اعتبر نصّار أن الوضع اليوم أفضل من السابق بفضل اعتماد المكننة التي خففت من الهدر، السرقات، والفساد، مستدركاً بأن نسبة تأمين الدواء لم تصل إلى 100%، حيث تُرفض ملفات 6% من المرضى حسب وزارة الصحة بسبب التشدد في المعايير الطبية.
وبشأن جودة الأدوية المستوردة حالياً من الصين وإيران والهند، أوضح أنها ليست سيئة ولكن بعضها أقل جودة وفعالية من أدوية أخرى. وفي الوقت نفسه، انتقد الجهات الضامنة التي ما زالت تعتبر أن وزارة الصحة هي المسؤولة الوحيدة عن تأمين الدواء، كاشفاً أن الضمان الاجتماعي ليس لديه حتى الآن أي خطة لتأمين أو دفع أدوية السرطان التي تفوق قيمتها 200 دولار والتي تتولى الوزارة تأمينها، أما الأدوية التي يقل سعرها عن 200 دولار، فإما تؤمنها الوزارة أو يدفع الضمان بين 80 إلى 95% منها بناءً على أرخص سعر دواء (جينيريك)، وهو ما اعتبره نصار إجراءً غير مجدٍ ولا يخفف الفاتورة الفعلية عن المريض.

وعن أزمة الفحوصات الدورية والأعباء المادية التي تسبق العلاج، أكد نصّار أن وزارة الصحة لا تغطي غالبية الفحوصات الدورية مثل فحوصات الدم، الـ Scan، والـ IRM. ورغم إمكانية إجرائها بسعر أقل في بعض المستشفيات الحكومية، أو وجود تسعيرة مقطوعة من الضمان لبعض الفحوصات، إلا أن الفروقات المالية الكبيرة تقع دائماً على عاتق المريض. وأعطى مثالاً على ذلك بأن مريضة سرطان الثدي تضطر لدفع حوالي 2000 دولار على نفقتها الخاصة لإجراء الفحوصات التشخيصية الضرورية كالخزعة والـ PET Scan لتتمكن لاحقاً من بدء العلاج الفعلي على حساب وزارة الصحة.

كما أوضح نصّار طبيعة العلاقة بين الجمعية والوزارة وأزمة انقطاع الأدوية المتكررة، مشيراً إلى أن وزارة الصحة تقدم دعماً معنوياً لجمعية "بربارة نصار" من دون أي دعم مادي، بينما تدعم الوزارة المريض مباشرة عبر تغطية تكلفة العلاج، حيث لا يتبقى على المريض سوى مبلغ ضئيل يتحمل كلفته. ورغم ذلك، تبرز أزمة مستمرة في توافر الأدوية بسبب تأخر الشحن أحياناً والضغط الكبير على طيران الشرق الأوسط، ولا سيما في فترة الحرب، مما يخلق فترة انتظار قاسية تترك المرضى بلا علاج، أو تجبرهم على شراء الأدوية على نفقتهم الخاصة، وهو ما يُعد أمراً شبه تعجيزي بسبب التكلفة العالية جداً.

إن الانتقال الأهم يكمن في الخروج من عقلية إدارة الأزمات اليومية إلى تبني خطط استراتيجية شاملة، تُحوّل الواقع الصحي من حالة استنزاف دائم إلى منظومة حماية تضمن كرامة المريض وحقه في الحياة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق