فكل حديث عن تسويات داخلية او تصعيد تراجع إلى الخلف، مقابل تركيز كامل على مسار المواجهة واحتمالات توسّعها، وعلى مصير الهدنة الهشة التي باتت تشكّل العنوان الوحيد للمرحلة الراهنة.
الضوء اليوم مسلّط بشكل شبه كامل على هذه الهدنة، لا بوصفها نهاية للحرب، بل كاستراحة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة. فمجرد سقوطها لن يعني عودة المواجهات بوتيرة أعنف، بل سيكشف في الوقت نفسه حجم الضعف الذي تعاني منه السلطة اللبنانية. إذ إن أي انهيار للهدنة سيُظهر بوضوح أن الدولة لم تكن تملك القدرة الفعلية على تثبيت وقف إطلاق النار، رغم ما قيل سابقًا عن دورها في التوصل اليه أو رعايته.
في هذا السياق، ستظهر السلطة عاجزة عن التأثير في القرار الأميركي، بعدما رُوّج سابقًا لامتلاكها قنوات ضغط أو تواصل قادرة على حماية الاستقرار. كما سيبرز خلل أعمق يتمثل في محدودية قدرة الدولة على لعب دور تفاوضي حقيقي، خصوصًا أن الوقائع الميدانية تُظهر أن الجهة التي تخوض المواجهة فعليًا وتدير إيقاعها هي"حزب الله"، لا المؤسسات الرسمية.
فالحزب يقاتل من دون موافقة الدولة، وهو الذي يرسم معادلات الاشتباك ويحدد سقوف الردود، ما يجعله اللاعب الأساسي في أي مسار تفاوضي لاحق.
هذا الواقع يفرض قراءة مختلفة لمسار المرحلة المقبلة. فالكلام عن اتفاقات سياسية داخلية أو تسويات شاملة لم يعد منفصلًا عن الأداء الميداني، بل بات مرتبطًا به بشكل مباشر. فسواء توسعت الحرب أم بقيت ضمن حدودها الحالية، فإن النتائج التي ستُفرض على الأرض ستحدد شكل التفاهمات السياسية المقبلة، لا العكس.
ومن هنا، يصبح واضحًا أن أي حل سياسي جدي لن يكون ممكنًا من دون إشراك القوى التي تملك القرار الفعلي في الميدان. فالمعادلات التي تُرسم في الجنوب لا تتوقف عند حدود الجغرافيا اللبنانية، بل تمتد إلى شبكة علاقات إقليمية أوسع، في مقدمتها العلاقة مع إيران التي تُعد عنصرًا أساسيًا في توازنات المواجهة.
الأيام المقبلة قد تكون حاسمة في هذا الاتجاه. فإما أن تصمد الهدنة وتفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد، أو تنهار وتدفع نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالسياسية بشكل كامل.
وفي كلتا الحالتين، يبدو أن مستقبل النقاش السياسي في لبنان سيبقى معلّقًا على إيقاع الميدان، لا على طاولات الحوار التقليدية.













0 تعليق