يحمل الصحافي في لبنان كاميرته وميكروفونه، ويدخل إلى أماكن قد يتجنبها كثيرون، سعيًا لنقل الحقيقة كما هي بالصوت والصورة.
لكن هذه المهمة لا تمر دائمًا بسلام، إذ يجد عدد من الإعلاميين أنفسهم في مواجهة شتائم وتهديدات وأحيانًا اعتداءات، فقط لأنهم يؤدون عملهم الميداني. فالإعلام ليس مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية ودور أساسي في نقل الوقائع ووضع الرأي العام أمام ما يجري على الأرض.
ومع ذلك، تتحول الكاميرا في بعض الأحيان إلى هدف مباشر، ويصبح الصحافي عرضة للطرد أو المنع أو حتى الاعتداء الجسدي والاستهداف الناري المباشر، خلال محاولته توثيق الأحداث. وخلال الفترة الأخيرة، تكررت هذه المشاهد في أكثر من منطقة لبنانية.
ففي بلدة دبين، تعرّض الإعلاميون لطف الله ضاهر وكرم الله ضاهر وروجيه نهرا وربيع ضاهر للضرب والشتائم، إضافة إلى تحطيم سياراتهم، أثناء جولة ميدانية لتوثيق حجم الدمار وعودة الأهالي إلى البلدة.
كما أُجبرت مراسلة قناة الـ LBCI يارا ضرغام على وقف البث المباشر خلال تغطيتها في منطقة الضاحية الجنوبية، فيما طُرد الإعلامي طارق مروة وزميلته زهراء شرف الدين من بلدة جديدة مرجعيون في أثناء قيامهما بعملهما الميداني، فما الّذي حصل؟
وقف بث مباشر في الضاحية الجنوبية
تروي يارا ضرغام، في حديث لـ"لبنان 24"، تفاصيل ما حصل معها خلال تغطية في الضاحية الجنوبية، موضحة أن للإعلاميين الحق عادةً في التصوير في الأماكن العامة وإجراء مقابلات مع من يوافق على ذلك.
وتشير إلى أنه خلال التغطيات في المنطقة، جرت العادة على التنسيق مع العلاقات العامة في حزب الله لتسهيل عمل الفرق الإعلامية، وذلك لأسباب ترتبط بالترتيبات الأمنية وسلامة الفريق، على حد قولهم.
وتوضح أنها كانت تتواجد في المكان لإعداد تقرير إنساني عن عائلة عادت إلى منزلها، من دون أي خلفية سياسية، وقد جرى التصوير بعد موافقة العائلة على إجراء مقابلة داخل المنزل.
وخلال البث المباشر، تم تصوير الفريق الإعلامي من قبل أحد الأشخاص وإرسال الصورة إلى آخرين، ما أدى إلى وصول نحو خمسة شبان إلى المكان.
وبحسب روايتها، طلب أحدهم إطفاء الكاميرا، فيما حاول آخر إيقاف المصوّر، قبل أن يتبين لهم أن البث مباشر، فتوقفت الأمور عند هذا الحد.
وأوضحت ضرغام أنّها، احترامًا للضيف ولتجنّب تحويل القصة الإنسانية إلى إشكال على الهواء، قررت إنهاء الرسالة المباشرة.
ولفتت إلى أنّ الضيف نفسه بدا متفاجئًا وخائفًا عليهم أكثر مما هو خائف من الموقف، وأبدى استغرابه من منع التصوير رغم موافقته.
وتختم بالإشارة إلى أنه جرى لاحقًا التواصل مع المعنيين في المكان، ومن ثم مع العلاقات العامة في حزب الله، التي واكبت الفريق الإعلامي وساهمت في استكمال العمل بشكل طبيعي.
شتائم وتحطيم معدات في الخيام
من جهته، يروي الإعلامي طارق مروة، العامل في وكالة Viory وصاحب قناة "النبطية"، لـ"لبنان 24"، تفاصيل ما تعرّض له في بلدة الخيام جنوبًا.
وأوضح أنه كان برفقة زميلته زهراء شرف الدين في بلدة الخيام لإعداد تقرير ميداني، وحاولا التقاط صورة عامة للبلدة من منطقة تُعرف باسم "ستوديو 9"، وهي مساحة مفتوحة كان يقف فيها الإعلاميون خلال الحرب.
وأضاف أن بحوزتهما إذنًا مسبقًا من الجيش يسمح لهما بالتواجد في المكان، إلا أن رجلًا حضر برفقة شخص آخر وبدأ بالاعتداء عليهما لفظيًا، مستخدمًا الشتائم والإهانات، قبل أن يُقدم على تكسير الحامل الثلاثي للكاميرا.
وبحسب مروة، كان الرجل يصرخ قائلاً: "ماذا تفعلون في منطقتنا؟ من سمح لكم بالدخول؟ أنتم ممنوعون من دخول هذه المنطقة". وأضاف أنهما حاولا تهدئته وإبلاغه بأنهما سيغادران، إلا أن المعتدي أقدم أيضًا على تكسير هاتف زميلته.
وأشار مروة إلى أن الرجل لاحقهما أثناء المغادرة، ولاحظ صورة الشهيد الإعلامي علي شعيب المعلقة داخل السيارة، فقام بشتمه وتمزيق صورته، قبل أن يغادرا المكان.
وفي هذا السياق، طالب مروة بضرورة عدم التعامل بحساسية مفرطة مع عمل الصحافيين، مؤكدًا أن لبنان لا يجب أن يتحوّل إلى مناطق مغلقة أو خاضعة لحساسيات طائفية، وأن للصحافي الحق الكامل في ممارسة عمله بحرية.
كما أكّد أنّ الجهة الوحيدة المخوّلة التعامل مع الصحافيين أو طلب هوياتهم هي القوى الأمنية والسلطات الشرعية، والتي يحق لها اتخاذ الإجراءات المناسبة عند وجود أي مخالفة.
بسام أبو زيد: بعض الجهات في الساحة اللبنانية تتعامل مع الإعلامي كخصم
بدوره، اعتبر رئيس نادي الصحافة الإعلامي بسام أبو زيد، في حديث لـ"لبنان 24"، أن ما يحصل من اعتداءات جسدية ولفظية للإعلاميين لا يمكن اعتباره مجرد تجاوزات فردية.
وأكّد أن نادي الصحافة يرفض أي اعتداء على أي صحافي أو إعلامي أثناء قيامه بعمله الميداني، مشددًا على أن هذه الحوادث مرفوضة ومدانة ويجب ألا تتكرر.
وأضاف أن بعض الجهات في الساحة اللبنانية تتعامل مع الإعلامي كخصم، بحيث تُصنَّف أي وسيلة إعلامية لا تنسجم مع توجهاتها السياسية كعدو، ما يبرر، بالنسبة إليها، الاعتداء على الصحافيين أو التضييق على عملهم.
وأشار إلى أن المطلوب من القوى الأمنية أن تتعامل بحزم مع هذه الاعتداءات، وأن تعمل على ملاحقة المعتدين ومحاسبتهم، إلى جانب تعزيز ثقافة احترام الرأي الآخر وعدم مواجهة الاختلاف بالعنف أو التخوين أو الشتائم، معتبرًا أن المشكلة لا ترتبط بالقوانين في لبنان، بل بثقافة عدم تقبل الآخر، وهو ما ينعكس مباشرة على حرية العمل الإعلامي في لبنان.
وختم أبو زيد بدعوة الصحافيين إلى توخي الحذر وتجنب أي مواجهة مباشرة في مثل هذه الحالات، محذرًا من أن المخاطر قد تتطور إلى اعتداءات أخطر أو حتى إلى إطلاق نار وقتل.
في الخلاصة، لا يُعدّ العمل الميداني للصحافيين والإعلاميين في لبنان مهمة سهلة، بل تحمل مخاطر متعدّدة بين الترهيب والتضييق و"أدوات القمع" وأساليب الضغط المختلفة. فإلى متى سيستمر هذا الواقع، ويظل الإعلامي مضطرًا لمواجهة هذه التحديات أثناء أداء رسالته والى ان يدفع حياته احيانا ثمن هذا الواجب؟








0 تعليق