من بنت جبيل الى الطيبة.. مَنْ يتقدم؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
مَنْ يتابع المشهد الميداني في جنوب لبنان يلاحظ أن الصورة باتت أكثر تعقيدًا مما توحي به البيانات العسكرية أو التسريبات الإعلامية. فالمعركة لم تعد مجرد تقدم على محور واحد، بل تحولت إلى شبكة من الاشتباكات المتداخلة التي تفرض على الجيش الإسرائيلي إعادة حساباته بشكل شبه يومي.

في هذا السياق، يظهر تركيز واضح على مدينة بنت جبيل، التي تُعد هدفًا أساسيًا ضمن خطة تهدف إلى السيطرة عليها وربط أجزاء الشريط العازل الذي تسعى إسرائيل إلى إنشائه على طول الحدود، بحيث يتحول إلى نطاق متصل يحقق لها عمقًا أمنيًا إضافيًا.

غير أن هذا الطموح يواجه، في المقابل، تحديات ميدانية متزايدة. فالمعركة داخل بنت جبيل لا تبدو سهلة، بل تستنزف قدرات كبيرة وتفرض ضغطًا متواصلًا على القوات المتقدمة.

ومع مرور الأيام، بدأت مؤشرات تعب واضحة تظهر على سير العملية البرية، ما فتح الباب أمام الحديث عن أزمة حقيقية قد تهدد مجمل هذه العملية إذا استمرت بالوتيرة نفسها.
هذا الأمر لم يعد مجرد تقدير نظري، بل بدأ ينعكس في حركة القوات على الأرض وفي طبيعة الانتشار العسكري في عدد من البلدات.

وخلال الأيام الأخيرة، وبعد سلسلة تقارير تحدثت عن تراجع محدود للقوات الإسرائيلية في القطاع الغربي، تقاطعت معلومات متعددة حول انسحابات وُصفت بالجدية من مناطق مثل القنيطرة، ولاحقًا ظهرت معطيات إضافية تشير إلى انسحاب مماثل من دير سريان، وصولًا إلى قلب بلدة الطيبة. هذه التحركات أثارت نقاشًا واسعًا بين المراقبين العسكريين حول خلفياتها الحقيقية، وما إذا كانت مرتبطة بتكتيك مرحلي أم تعكس ضغطًا ميدانيًا فعليًا.
بعض القراءات يذهب إلى تفسير هذه الانسحابات ضمن إطار ما يُعرف بعمليات الاستنزاف، حيث تتعرض القوات المتقدمة لضغط متواصل يجبرها على إعادة التموضع أو تقليص انتشارها في نقاط معينة.

ووفق هذا التفسير، فإن ما يجري ليس تراجعًا استراتيجيًا بقدر ما هو نتيجة طبيعية لتراكم الخسائر والضغط الناري المستمر، ما يدفع إلى إعادة ترتيب الخطوط الخلفية وتحصينها قبل أي تقدم إضافي.

في المقابل، يرى آخرون أن معركة بنت جبيل تحديدًا فرضت واقعًا مختلفًا، إذ تطلبت سحب وحدات من مناطق أخرى لدعم خط التقدم داخل المدينة، وهو ما انعكس على شكل انسحابات أو تخفيف للوجود العسكري في بلدات محيطة.

ووفق هذا الرأي، فإن بنت جبيل تحولت إلى نقطة استنزاف مركزية تستقطب الجزء الأكبر من الجهد العسكري، ما يحدّ من القدرة على فتح جبهات متزامنة بفاعلية عالية.

يبدو أن الطموح الإسرائيلي بخوض معركة عميقة وحاسمة في جنوب لبنان بدأ يصطدم بواقع ميداني معقد ومكلف. فكل خطوة إلى الأمام تحتاج إلى موارد إضافية ووقت أطول، بينما تتزايد الضغوط على القوات في أكثر من محور. ومع استمرار هذا المشهد، يتضح أن الطريق نحو تحقيق أهداف واسعة في العمق الجنوبي لم يعد كما كان مخططًا له، بل أصبح محفوفًا بعقبات قد تدفع إلى مراجعة شاملة لطبيعة العملية البرية وحدودها.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق