فقد استقبل اللبنانيون سنتهم الجديدة بطرق مختلفة، كل واحد منهم على طريقته الخاصة، ومن بينها الجلوس ساعات طويلة أمام شاشات التلفزة لكي يستمعوا إلى ما يقوله هذا المنجمّ أو ذاك الضارب بالرمل أو حتى ذاك القارئ بالفنجان، مفتشين عن سبب إضافي لترسيخ ما يعتقدونه صحيحًا، وهو أن ما ستحمله الأيام الآتية سيكون أفضل مما سبقها، باستثناء أهل الجنوب، الذين لا يزالون خارج أراضيهم وبيوتهم، وبالتحديد أهالي القرى الحدودية المتاخمة، التي لم يبقَ منها سوى أثر بعد عين. هم وحدهم لا يحتاجون إلى البصّارين لكي يعرفوا مصيرهم. هم مع كثيرين من اللبنانيين لم يشعروا بفرحة المناسبة، وهم القلقون أكثر من غيرهم عمّا تحمله إليهم السنة الجديدة من تطورات ومفاجآت غير مطمئنة، خصوصًا أن الصواريخ الإسرائيلية، التي لا تزال تلاحقهم حيثما اتجهوا وتهدّدهم ببئس المصير.
أهل الجنوب الطيبون هم أكثر الناس الذين تعاطفوا مع أهل غزة الحزينة، ولكنهم في الوقت ذاته اكتشفوا مع غيرهم من اللبنانيين أن فتح جبهتهم الجنوبية لم يخفّف عن أهل فلسطين ما لا يزالون يتعرّضون له من مجازر وتشريد، ولم يقتنعوا بأن "حرب الاسناد" قد ردعت إسرائيل، ولم تستطع أن تضع حدًّا لغطرسته ولإجرامه. وهم يعلمون أيضًا أن الحرب على غزة طويلة وقاسية، ويعلمون أيضًا وأيضًا أن الأمور في الجنوب آيلة إلى تطورات دراماتيكية، خصوصًا إذا سقطت المساعي الدولية أمام إصرار من في يدهم مفتاح الحل والربط على ربط مصير الجنوب وغيره من الاستحقاقات بما يُخطّط لمستقبل المنطقة من مشاريع تغييرية لخارطتها السياسية وحتى الجغرافية، والتي بدأت تلوح مظاهرها في سوريا وامتدادًا إلى اليمن ومن دون إغفال خطورة ما يجري في الداخل الإيراني.
كثرت الآمال البديهية في أن تكون بداية السنة الجديدة منطلقًا لبدء مسار الانفراجات، بدءًا من الجنوب، وصولًا إلى إيجاد حل دائم ومستديم لموضوع حصرية السلاح، لكن هذه الامنيات لا تزال أسيرة واقع لا يسمح بأكثر من تفاؤل مؤقت لن يدوم سوى للحظات، وذلك في ضوء التصريحات المتكررة للأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم وغيره من المسؤولين القياديين في "الحزب" من أن هذه الحصرية محصورة فقط في جنوب نهر الليطاني. أمّا في شماله، ولاحقًا في كل لبنان، فموضوع غير وارد في قاموس "حارة حريك"، التي لا تزال تراهن على عامل الوقت.
فالواقع المرير الذي يعيشه اللبنانيون أثبت أنه أقوى بكثير من آمال عابرة. فالألغام الكثيرة لا تزال تحول دون حصول أي توقعات متفائلة حيال نجاح المساعي الديبلوماسية الهادفة إلى تأمين مرور آمن للبنان نتيجة التهديدات الإسرائيلية، خصوصًا أن الآمال تبدو ضئيلة بإمكانية أي انفراج وشيك بعد اللقاء الأخير بين ترامب ونتنياهو في فلوريدا، على رغم تطمينات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بأن لا حرب وشيكة على لبنان.
فاللبنانيون ما زالوا يعلّلون النفس بأن واشنطن لا تزال قادرة على الإمساك باليد الإسرائيلية ومنعها من اختراق الساحة اللبنانية بحرب تقول عنها تل أبيب بأنها ستكون أشدّ قساوة من أي حرب سابقة. ولا يتردّد بعض المقرّبين من مواقع القرار في لبنان من إبداء خشيتهم من لجوء بعض جهات غير لبنانية إلى توتير الأجواء الجنوبية. وقد يكون لهذه الجهات مصلحة في أن تخرج الأمور على الساحة الجنوبية عن السيطرة في توقيت غير بريء، خصوصًا أن ما يُخطّط له انطلاقًا من الجنوب يتزامن مع انتهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش في جنوب الليطاني، ومع بدء الحديث عن حلول قوات دولية مكان قوات "اليونيفيل".
واللافت أنه كان للجنوب حصّة الأسد في توقعات البصارين والعرافين ليلة رأس السنة، حيث أجمعوا على أن مختلف المناطق الجنوبية ستشهد خلال العام الحالي حركة استثمارية داخلية وخارجية استثنائية.
وعلى رغم أن هذه التوقعات غير منطقية إلاّ أن اللبنانيين المتمسكين بأي بارقة أمل يتمنون عكس ما يُقال عن صدق المنجمين لكي يصبح هذا القول ممزوجًا بالأمنيات "صدق المنجمون ولو كذبوا. "













0 تعليق