لا شكّ في أن الحبر الأعظم قداسة البابا لاوون الرابع عشر، وقبل مجيئه إلى لبنان في زيارة "سلام وأمل"، قد انكبّ على قراءة الارشاد الرسولي، مستندًا إلى ما تجمّع لدى دوائر الفاتيكان المعنية مباشرة بهذا الارشاد، تفسيرًا وتطبيقًا، من وثائق وتقارير، وذلك بهدف حث جميع اللبنانيين، وبالأخص المسيحيين منهم، على العمل لتطبيق ما لم يُطبّق منه، وتفعيل ما تمّ تطبيقه، خصوصًا أن الوضع في لبنان لم يتغيّر منذ صدور هذا الارشاد حتى اليوم، أي بعد ثمانية وعشرين سنة، شهد خلالها لبنان محطات أساسية وجوهرية في تاريخ صراعه مع الخارج، حيث انسحب الجيش الإسرائيلي من أراضيه سنة 2000، وخرج الجيش السوري سنة 2005 على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقيام "ثورة الأرز"، إضافة إلى حرب تموز والحرب الأخيرة بعدما قرّر "حزب الله" مساندة فلسطينيي قطاع غزة على أثر عملية "طوفان الأقصى"، والجدل السياسي القائم اليوم على "حصرية السلاح" ووقف إسرائيل اعتداءاتها اليومية، في ظل خشية كثيرين من عدم التوافق على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري.
كل هذه الأمور يدركها قداسة البابا، ويعرف تمام المعرفة مشاكل لبنان، الصغير منها والكبير، ويعرف أن الارشاد الرسولي، الذي وضع في العام 1997 لا يزال صالحًا بروحيته الكلية لهذا الزمن، وبالأخصّ أن أزمات لبنان تتوالد وتتناسخ من رحم أزمات المنطقة المتداخلة والمتشعبة، والتي يتأثّر بها لبنان تأثيرًا مباشرًا.
فمنذ صدور الإرشاد الرسولي الخاص بلبنان في التسعينيات، بدا وكأن الكنيسة تُهدي هذا البلد وثيقة يتشابك فيها البعد الروحي مع الرؤية الوطنية، وتلتقي فيها الكنيسة مع الدولة على أرض مشتركة، أي تعزيز الإنسان، وتثبيت العيش المشترك، وترسيخ الدولة القادرة على حماية الجميع. إلاّ أن المسافة بين النصّ والواقع لم تكن يومًا قصيرة، ولا سهلة.
فالإرشاد شدّد على الشراكة المسيحية – الإسلامية باعتبارها رسالة لبنان.
وعلى رغم كل الهزات، بقيت هذه الصيغة صامدة نسبيًا. وما زالت المؤسسات الدستورية قائمة على التوازنات، وما زال الخطاب الوطني، أقّله في الظاهر، يُصرّ على العيش الواحد. هذا التطبيق يبقى نسبيًا، لكنه موجود.
فماذا تحقق من خطوات في هذا المجال؟
- توسّع القطاع التربوي والاستشفائي والخدماتي للكنيسة، على رغم الضغوطات الاقتصادية، مع تسجيل بعض التراجع في مستوى هذه الخدمات وبغياب المبادرات الإنسانية.
- ازداد الحضور الكنسي في الدفاع عن الفئات الضعيفة، ولو بوتيرة خجولة في كثير من الأحيان.
- بقيت الأبرشيات والرهبانيات أحد الأعمدة المتبقية للخدمات الاجتماعية، ولكنها تبقى غير كافية مع هذا الكمّ الهائل من حاجة الناس إلى الكثير من الاهتمام والرعاية.
وعلى رغم التراجع الكبير، بقيت الكنيسة على خطّ ثابت في الدفاع عن المشاركة السياسية المتوازنة للمسيحيين، وهو بند أساسي في الإرشاد. فهذا الجزء من هذا البند طُبّق عبر استمرار الحضور المسيحي في المؤسسات، لكن الفاعلية بقيت ضعيفة بفعل الانقسامات الداخلية.
في المقابل فإن ما لم يُطبّق من الارشاد الرسولي هو أكبر بكثير مما طًبّق، أقّله بالنسبة إلى الدولة القادرة والقانون الواحد، إذ شدّد هذا الارشاد على أن لا قيامة للبنان من دون دولة واحدة وسلطة واحدة، وسلاح واحد. فهذا الواقع هو اليوم أكثر حدّة من أي وقت مضى، إذ أن الدولة تبدو أضعف، وذلك نظرًا إلى أن الازدواجية في القرار العسكري والأمني قد أصبحت أمرًا واقعًا.
أمّا لجهة مكافحة الفساد والزبائنية فقد دعا الارشاد إلى "تنقية الحياة العامة" وإعلاء قيم الشفافية. لكن ما حصل هو العكس تمامًا، حيث أن الفساد قد استشرى أكثر من ذي قبل، والقضاء. لا يزال يجاهد حتى يستقّل عن التأثيرات السياسية، فيما تحوّل النظام الإداري إلى شبكة محاصصات لا حدود لها.
وفيما دعا الإرشاد إلى ترسيخ الشباب اللبناني في أرضه ومنحه فرصًا تليق بكرامته وعيشه اللائق نرى أن لبنان يشهد اليوم أكبر موجة هجرة منذ الحرب، وبالأخص في صفوف الشباب، الذين لا يجدون بارقة أمل في مستقبل غامض ومجهول.
أمّا الحديث عن المصالحة الداخلية بين المسيحيين فحدّث ولا حرج وكأن هذا الارشاد بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات غير موجود، وهو الذي دعاهم إلى تجاوز انقساماتهم التاريخية. لكن ما هو حاصل على أرض الواقع مغاير كليًا عن مضمون ما دعا إليه الارشاد. فالتفكك السياسي إلى مزيد التجذّر في النفوس، والتنافس الانتخابي، الذي يُفترض أن يكون صحيًّا وطبيعيًا، بدأ يتحوّل إلى حالة مرضية خطيرة، مع غياب لرؤية سياسية موحدة تجاه المستقبل، إذ أن كل طرف "يغني على ليلاه".
ففي ظل هذا الواقع المأزوم والمرير نسأل ما هو المطلوب اليوم لتطبيق الإرشاد الرسولي، نصًّا وروحًا؟
ليس المطلوب استحضار الوثيقة كماضي جميل، بل كخارطة طريق قابلة للعيش. ولعلّ أهم ما ينبغي فعله:
أولًا، إعادة الاعتبار للدولة، وذلك عبر المساهمة الفعلية بسط سيادة الدولة وحدها من خلال توحيد المرجعية العسكرية، والعمل على إصلاح القضاء وإبعاده عن الضغوط السياسية.
ثانيًا، إجراء مصالحة سياسية – كنسية – مجتمعية داخل البيئة المسيحية، إذ أن الإرشاد ليس وثيقة روحية فقط، بل وثيقة مصالحة، وبالتالي فإنه من المستحيل تطبيقه في ظلّ الانقسام المسيحي العميق. فالمطلوب أولًا وأخيرًا مصالحة مسيحية – مسيحية كمقدمة لمصالحة لبنانية – لبنانية.
ثالثًا، صياغة عقد اجتماعي اقتصادي جديد في ضوء ما دعا إليه الارشاد لناحية بناء اقتصاد يحترم الإنسان، وهذا الأمر يجب أن يُترجم من خلال إعادة بناء المدرسة الوطنية على أسس متينة وراسخة، وحماية المستشفيات. من المضاربات غير الشرعية والقانونية، وإطلاق خطة نهوض تنتقل من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، ومواجهة الهجرة عبر مشروع وطني للشباب، مع توفير فرص عمل لهم، والافساح في المجال لمشاركتهم الفعلية في الحياة السياسية.
رابعًا، التزام رجال السياسة بروح الوثيقة، إذ أنها ليست ملك الكنيسة وحدها، بل هي خطاب موجّه إلى الدولة والسياسيين فإذا لم يقتنع أهل السلطة بروحه، فلن يُطبّق من الارشاد أي شيء، ويبقى حبرًا على ورق.
ولأن لبنان اليوم يقف في لحظة تشبه تلك التي صدرت فيها الوثيقة، فقد يكون الوقت مناسبًا لإعادتها إلى الطاولة لا كذكرى، بل كبرنامج إنقاذ وطني.
Advertisement
فمنذ صدور الإرشاد الرسولي الخاص بلبنان في التسعينيات، بدا وكأن الكنيسة تُهدي هذا البلد وثيقة يتشابك فيها البعد الروحي مع الرؤية الوطنية، وتلتقي فيها الكنيسة مع الدولة على أرض مشتركة، أي تعزيز الإنسان، وتثبيت العيش المشترك، وترسيخ الدولة القادرة على حماية الجميع. إلاّ أن المسافة بين النصّ والواقع لم تكن يومًا قصيرة، ولا سهلة.
فالإرشاد شدّد على الشراكة المسيحية – الإسلامية باعتبارها رسالة لبنان.
وعلى رغم كل الهزات، بقيت هذه الصيغة صامدة نسبيًا. وما زالت المؤسسات الدستورية قائمة على التوازنات، وما زال الخطاب الوطني، أقّله في الظاهر، يُصرّ على العيش الواحد. هذا التطبيق يبقى نسبيًا، لكنه موجود.
فماذا تحقق من خطوات في هذا المجال؟
- توسّع القطاع التربوي والاستشفائي والخدماتي للكنيسة، على رغم الضغوطات الاقتصادية، مع تسجيل بعض التراجع في مستوى هذه الخدمات وبغياب المبادرات الإنسانية.
- ازداد الحضور الكنسي في الدفاع عن الفئات الضعيفة، ولو بوتيرة خجولة في كثير من الأحيان.
- بقيت الأبرشيات والرهبانيات أحد الأعمدة المتبقية للخدمات الاجتماعية، ولكنها تبقى غير كافية مع هذا الكمّ الهائل من حاجة الناس إلى الكثير من الاهتمام والرعاية.
وعلى رغم التراجع الكبير، بقيت الكنيسة على خطّ ثابت في الدفاع عن المشاركة السياسية المتوازنة للمسيحيين، وهو بند أساسي في الإرشاد. فهذا الجزء من هذا البند طُبّق عبر استمرار الحضور المسيحي في المؤسسات، لكن الفاعلية بقيت ضعيفة بفعل الانقسامات الداخلية.
في المقابل فإن ما لم يُطبّق من الارشاد الرسولي هو أكبر بكثير مما طًبّق، أقّله بالنسبة إلى الدولة القادرة والقانون الواحد، إذ شدّد هذا الارشاد على أن لا قيامة للبنان من دون دولة واحدة وسلطة واحدة، وسلاح واحد. فهذا الواقع هو اليوم أكثر حدّة من أي وقت مضى، إذ أن الدولة تبدو أضعف، وذلك نظرًا إلى أن الازدواجية في القرار العسكري والأمني قد أصبحت أمرًا واقعًا.
أمّا لجهة مكافحة الفساد والزبائنية فقد دعا الارشاد إلى "تنقية الحياة العامة" وإعلاء قيم الشفافية. لكن ما حصل هو العكس تمامًا، حيث أن الفساد قد استشرى أكثر من ذي قبل، والقضاء. لا يزال يجاهد حتى يستقّل عن التأثيرات السياسية، فيما تحوّل النظام الإداري إلى شبكة محاصصات لا حدود لها.
وفيما دعا الإرشاد إلى ترسيخ الشباب اللبناني في أرضه ومنحه فرصًا تليق بكرامته وعيشه اللائق نرى أن لبنان يشهد اليوم أكبر موجة هجرة منذ الحرب، وبالأخص في صفوف الشباب، الذين لا يجدون بارقة أمل في مستقبل غامض ومجهول.
أمّا الحديث عن المصالحة الداخلية بين المسيحيين فحدّث ولا حرج وكأن هذا الارشاد بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات غير موجود، وهو الذي دعاهم إلى تجاوز انقساماتهم التاريخية. لكن ما هو حاصل على أرض الواقع مغاير كليًا عن مضمون ما دعا إليه الارشاد. فالتفكك السياسي إلى مزيد التجذّر في النفوس، والتنافس الانتخابي، الذي يُفترض أن يكون صحيًّا وطبيعيًا، بدأ يتحوّل إلى حالة مرضية خطيرة، مع غياب لرؤية سياسية موحدة تجاه المستقبل، إذ أن كل طرف "يغني على ليلاه".
ففي ظل هذا الواقع المأزوم والمرير نسأل ما هو المطلوب اليوم لتطبيق الإرشاد الرسولي، نصًّا وروحًا؟
ليس المطلوب استحضار الوثيقة كماضي جميل، بل كخارطة طريق قابلة للعيش. ولعلّ أهم ما ينبغي فعله:
أولًا، إعادة الاعتبار للدولة، وذلك عبر المساهمة الفعلية بسط سيادة الدولة وحدها من خلال توحيد المرجعية العسكرية، والعمل على إصلاح القضاء وإبعاده عن الضغوط السياسية.
ثانيًا، إجراء مصالحة سياسية – كنسية – مجتمعية داخل البيئة المسيحية، إذ أن الإرشاد ليس وثيقة روحية فقط، بل وثيقة مصالحة، وبالتالي فإنه من المستحيل تطبيقه في ظلّ الانقسام المسيحي العميق. فالمطلوب أولًا وأخيرًا مصالحة مسيحية – مسيحية كمقدمة لمصالحة لبنانية – لبنانية.
ثالثًا، صياغة عقد اجتماعي اقتصادي جديد في ضوء ما دعا إليه الارشاد لناحية بناء اقتصاد يحترم الإنسان، وهذا الأمر يجب أن يُترجم من خلال إعادة بناء المدرسة الوطنية على أسس متينة وراسخة، وحماية المستشفيات. من المضاربات غير الشرعية والقانونية، وإطلاق خطة نهوض تنتقل من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، ومواجهة الهجرة عبر مشروع وطني للشباب، مع توفير فرص عمل لهم، والافساح في المجال لمشاركتهم الفعلية في الحياة السياسية.
رابعًا، التزام رجال السياسة بروح الوثيقة، إذ أنها ليست ملك الكنيسة وحدها، بل هي خطاب موجّه إلى الدولة والسياسيين فإذا لم يقتنع أهل السلطة بروحه، فلن يُطبّق من الارشاد أي شيء، ويبقى حبرًا على ورق.
ولأن لبنان اليوم يقف في لحظة تشبه تلك التي صدرت فيها الوثيقة، فقد يكون الوقت مناسبًا لإعادتها إلى الطاولة لا كذكرى، بل كبرنامج إنقاذ وطني.








0 تعليق