يوسف زيدان ينكر محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة.. وأمير سعودي يرد

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

أثار الروائي والمفكر المصري يوسف زيدان حالة عارمة من الجدل والتحشيد الثقافي في الأوساط العربية والإسلامية، وذلك عقب إطلاقه مجموعة من التصريحات التاريخية والدينية الجريئة التي تمس الموروثات المستقرة حول مكة المكرمة وتاريخها القديم، حيث شكك بشكل مباشر في الروايات السائدة التي تناقلتها الأجيال حول الأحداث التاريخية الكبرى التي سبقت ظهور الإسلام، مما دفع العديد من المتخصصين والمتابعين لفتح نقاشات موسعة حول مصداقية ما ورد في التراث الشعبي.

 أطل يوسف زيدان في مقابلة تليفزيونية موسعة ليعلن أن الرواية الشائعة حول محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة قبل الإسلام لا تمتلك أي أساس تاريخي علمي، واصفاً إياها بأنها مجرد اعتقاد شعبي سائد تمت صياغته لتسكين العقول واستمالة عواطف العوام، مشيراً إلى أن الأصل الحقيقي لهذه القصة مأخوذ بالأساس من الأسفار الأبوكريفية غير القانونية في التراث اليهودي، وتحديداً من قصص حرب المكابيين ضد السلوقيين.

جذور الرواية ونفي الواقعة التاريخية

وأوضح الكاتب يوسف زيدان أن التفاصيل المتعلقة بجيش الفيل مدونة بالكامل في سفر عبري يتكون من ثلاثة أجزاء كان قد عكف على دراسته وتفكيكه وشرحه للجمهور في مناسبات فكرية سابقة، مؤكداً أن شخصية أبرهة المذكورة في الأدبيات تعود في الأصل إلى قديس معروف في الكنيسة الحبشية، نافياً بشكل قاطع وجود أي صلة جغرافية أو معركة حربية تربط هذا القديس أو جيشه بمنطقة مكة المكرمة أو تهامة في تلك الحقبة التاريخية.

واستنكر الباحث يوسف زيدان المنطق الجغرافي والعسكري الذي يدفع جيشاً ضخماً لقطع مسافات هائلة والسير لمدة شهرين كاملين وسط الرمال الحارقة والصحاري القاحلة بهدف هدم بناء وصفه بالبسيط، مذكراً بأن الكعبة في العصور القديمة كانت عبارة عن بناء متواضع للغاية يتعرض للهدم والترميم بين الحين والآخر بفعل العوامل الطبيعية، وأنها لم تكتسب هالتها الحالية من التعظيم والتقديس العالمي إلا مع مجيء الدين الإسلامي لاحقاً وتثبيت أركانه وتشريعاته.

ودعَا المفكر المصري إلى مراجعة شاملة للمفاهيم السائدة وإعادة قراءة التاريخ بعيداً عن العواطف، مستشهداً بأحداث معاصرة شكلت صدمة في العقل الجمعي مثل حادثة جهيمان العتيبي عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين التي شهدت إراقة الدماء داخل الحرم المكي، وهو الأمر الذي وصفه بالمربك عند مقارنته بالنص القرآني الذي يؤكد جعل البيت مثابة للناس وأمناً، مشدداً على ضرورة التفريق بين النصوص الشرعية والأحكام القيمية وبين الوقائع التاريخية الحتمية التي تستوجب الفحص العلمي الدقيق.

ردود أفعال واسعة واعتراضات سياسية وثقافية

وفور بث هذه المقابلة المثيرة للجدل تصدرت منصات التواصل الاجتماعي ردود فعل متباينة كان أبرزها تعليق الأمير السعودي عبد الرحمن بن مساعد، والذي نشر تدوينة مطولة ومفصلة عبر حسابه الرسمي على منصة إكس ليرد بشكل حاد ومباشر على فرضيات يوسف زيدان، معتبراً أن حديث الكاتب يحمل مغالطات شرعية وتاريخية تستوجب التوضيح الفوري والرد العلمي لمنع انتشار الشبهات حول الثوابت والمقدسات الإسلامية التي يؤمن بها الملايين في شتى بقاع الأرض.

وفكك الأمير عبد الرحمن بن مساعد الاستشهاد بحادثة جهيمان مبيناً أن الآية الكريمة التي تنص على جعل البيت مثابة للناس وأمناً لا تتعارض مطلقاً مع وقوع القتال، مستدلاً بآية قرآنية أخرى تنهى عن قتال المشركين عند المسجد الحرام إلا إذا بدأوا بالقتال، مما يثبت شرعاً وتاريخياً أن وقوع القتل والنزاع داخل الحرم أمر وارد الحدوث تاريخياً ولا ينفي صفة الأمن التشريعي، مستنكراً طريقة طرح الكاتب ووصفه لبيت الله الحرام بعبارات تفتقر إلى التوقير والمكانة الدينية الدقيقة.

وتابع الأمير السعودي انتقاده اللاذع للباحث يوسف زيدان متهماً إياه بالبحث الدائم عن إثارة الجدل بأي طريقة ممكنة لكسب الانتباه، ومذكراً المتابعين بسلسلة من الآراء الصادمة التي أطلقها الكاتب في سنوات سابقة وشملت نسف معجزة الإسراء والمعراج من خلال ادعائه أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن الكريم ليس هو الذي يقع في مدينة القدس المحتلة حالياً، بل هو مجرد مسجد صغير كان يقع قديماً في طريق الطائف بداخل الجزيرة العربية.

السجال حول الشخصيات التاريخية والتراث اللغوي

ولم تقتصر انتقادات الأمير عند هذا الحد بل أعاد التذكير بالمواقف الفكرية الصادمة التي تبناها يوسف زيدان تجاه الرموز التاريخية الإسلامية، وفي مقدمتها هجومه الشهير والعلني على القائد صلاح الدين الأيوبي ووصفه له بأنه من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني، وهو الرأي الذي أثار عاصفة من الرفض حينها واعتبره الكثيرون محاولة لتشويه الرموز الوطنية والقومية التي استقرت في الوجدان العربي كأيقونات للتحرر والانتصار العسكري وتحرير المقدسات من الغزاة.

واستعرض الأمير في تدوينته ما اعتبره سقطات لغوية تضرب مصداقية الكاتب في مقتل، مشيراً إلى تفسيره الغريب لقصيدة البردة للشاعر المخضرم كعب بن زهير، حيث ادعى الكاتب أن كلمة متبول في مطلع القصيدة الشهيرة تعني أن قلب الشاعر موضوع في التوابل الحارة، في حين أن المعنى اللغوي الواضح والمتعارف عليه في سياق الغزل العربي يشير إلى القلب السقيم والمريض من شدة العشق، وهو ما يتماشى تماماً مع طبيعة المقدمات الطللية والوجدانية.

واختتم الأمير عبد الرحمن بن مساعد هجومه بوصف الكاتب الساخر بعبارة مؤسف زيدان بدلاً من اسمه الحقيقي مطالباً إياه بالابتعاد عن إثارة القضايا الدينية والتاريخية الحساسة، لتتحول هذه التدوينة إلى مادة خصبة للنقاش بين المؤيدين الذين يرون في أطروحات الكاتب تجديداً مطلوباً وشجاعة فكرية، وبين المعارضين الذين يجدون فيها تعدياً غير مبرر على الثوابت الإسلامية ومحاولة مستمرة لتصدر المشهد الإعلامي عبر تبني آراء شاذة وغريبة تنقصها الدقة والموضوعية العلمية.

أبعاد النقاش الثقافي المستمر في الفضاء الرقمي

وشهدت الأوساط الأكاديمية والثقافية في مصر والعالم العربي انقساماً كبيراً حول هذه التصريحات، حيث اعتبر بعض الباحثين في علم التاريخ والآثار أن تفكيك الروايات التراثية ومقارنتها بالنقوش والوثائق الحبشية والبيزنطية يعد عملاً علمياً مشروعاً يسهم في تنقية التاريخ من الأساطير الإسرائيلية والمرويات الشعبية، مؤكدين أن فحص نصوص المؤرخين الكلاسيكيين مثل بروكوبيوس القيصري لا يقلل من القيمة الروحية للمقدسات الدينية بل يضع الأحداث في سياقها السياسي والجيواستراتيجي الصحيح لصراعات القوى العظمى القديمة.

وفي المقابل شنت مؤسسات دينية وجهات علمية هجوماً مضاداً فندت فيه ادعاءات يوسف زيدان، مشيرة إلى أن سورة الفيل تعد نصاً قرآنياً قطعياً خلد الحادثة وحمايتها الإلهية للكعبة قبل البعثة النبوية، وأن إنكار القصة التاريخية بدعوى تشابهها مع مرويات المكابيين يعد قفزة في الفراغ وتجاهلاً صارخاً للتواتر التاريخي الشفهي والمكتوب الذي أجمعت عليه الأمة الإسلامية والمؤرخون الأوائل، محذرين من خطورة تمييع الحقائق الدينية وتحويلها إلى مجرد قضايا رمزية أو أحكام أخلاقية متغيرة.

واستمر السجال الرقمي عبر منصات التواصل بين آلاف المغردين والمهتمين الذين تداولوا مقاطع الفيديو المجتزأة والكاملة من مقابلة سكاي نيوز العربية، مما يعكس بوضوح عمق الأزمة الثقافية وحالة الحساسية البالغة التي تحيط بنقد الموروث الديني والتاريخي في المجتمعات العربية، حيث يتداخل فيها التقييم العلمي الأكاديمي الصرف مع الغيرة الدينية والتوجهات السياسية، مما يجعل من أي طرح فكري جديد ساحة حرب كلامية مستعرة تتجاوز حدود الغرف المغلقة إلى الفضاء الافتراضي المفتوح.

وتفتح هذه المواجهة المتجددة الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بحدود حرية التعبير والبحث العلمي في مجال الدراسات الإسلامية والتاريخية، ومدى تقبل الرأي العام للمناهج النقدية الحديثة التي تحاول تفكيك البنى التراثية التقليدية، لتبقى ظاهرة التصريحات المثيرة للجدل سمة بارزة في المشهد الثقافي العربي المعاصر، تعيد في كل مرة ترتيب خنادق النقاش وتجبر المؤسسات والنخب على إعادة صياغة حججها ودفاعاتها الفكرية أمام جيل جديد يمتلك أدوات بحثية ومعرفية غير مسبوقة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق