ارحموا جودى.. ولا تتركوا حق هدير

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

فى ولاية تكساس الأمريكية عام 2013 لم يكن حادث الشاب «إيثان كاوتش» مجرد حادث قيادة مميت انتهى فى محكمة، بل تحول إلى واحدة من أكثر القضايا إزعاجًا للضمير العام فى أمريكا، لأن الناس لم تر فيه فقط فتى قاصرًا قاد سيارة وتسبب فى مقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين، بل رأت فيه صورة كاملة لابن الثراء الذى نشأ مدللًا حتى فقد الإحساس بالعواقب.

185.webp

دخلت القضية التاريخ الاجتماعى من باب عبارة صارت شهيرة وقتها، «الثراء المرضى»، وهى الفكرة التى استخدمها الدفاع ليقول إن الفتى لم يتعلم من أسرته معنى الحدود ولا معنى المسئولية، لأن المال والرفاهية والحماية الزائدة صنعت حوله عالمًا لا يعرف فيه أن للخطأ ثمنًا، ولا أن أرواح الآخرين ليست امتدادًا لامتيازاته الشخصية.

من هنا لم يعد «كاوتش» متهمًا وحده، بل طبقة كاملة فى قفص الاتهام، سيارته وبيته وأبواه ومدرسته وطريقة حياته، كل شىء تحول إلى دليل عند الغاضبين على أن العدالة قد تنحنى أمام المال، وأن الفقراء يموتون بينما يجد أبناء الامتيازات مخرجًا من العقاب.

9e75079c44.jpg

استدعاء هذه القصة لا يعنى أبدًا تشبيه «جودى» بإيثان، ولا نسخ حادث أمريكى على واقعة مصرية ما زالت بين يدى التحقيق والقانون، لكنه يعنى أن المجتمعات فى أوقات الأزمات قد تميل إلى تحويل الجريمة من فعل محدد إلى رمز طبقى شامل، وحين يطول إحساس الناس بالتمييز يصبح كل حادث مرآة لغضب أقدم وأعمق من تفاصيله.

فى واقعة «هدير» المعروفة إعلاميًا بقضية بائعة الشاى، نحن أمام مأساة إنسانية كاملة قبل أن نكون أمام نقاش طبقى، شابة كانت فى موضع رزقها بجوار عربة مشروبات فى حدائق الأهرام، ثم انتهت حياتها فى حادث سيارة، وأصيبت أخرى، ووجد قاصران وأب فى دائرة الاتهام والتحقيق، بين قيادة دون ترخيص، وتمكين من القيادة، وتسبب فى الوفاة، وتعريض طفل للخطر.

حق «هدير» لا يجوز أن يذوب فى أى خطاب هادئ عن الرحمة، ولا أن يضعف أمام دعوة الاتزان، لأن امرأة خرجت إلى عملها ولم تعد، وأسرة فقدت ابنتها، ومجتمعًا رأى فى الحادث صورة موجعة لاستهتار لا يمكن التسامح معه حين تكون النتيجة حياة إنسان.

لكن حق «هدير» نفسه لا يحتاج إلى كراهية طبقية كى ينتصر، ولا يحتاج إلى تحويل جودى إلى وحش كامل، ولا إلى اختصار قاصرة فى صورة أو حركة أو لحظة مرتبكة أو تصرف مستفز، ولا إلى تعليق كل غضب الناس من النوادى والسيارات والمدارس الخاصة والامتيازات على رقبة فتاة لم تقل المحكمة بعد كلمتها النهائية فيها.

المأساة أن مصر بدأت فى السنوات الأخيرة تدخل أحيانًا فى خصومة عصبية مع الطبقات بلا معنى عادل، فكل صاحب سيارة صار فى نظر البعض متهمًا بالقسوة، وكل ابن أسرة ميسورة صار مدانًا قبل التحقيق، وكل ضحية من طبقة شعبية صارت شاهدًا جديدًا على حرب اجتماعية لا تنتهى.

هذا المزاج خطر، لأنه يخلط بين رفض النفوذ وكره الناس بسبب شكل حياتهم، وبين المطالبة بالعدالة والرغبة فى الانتقام، وبين محاسبة الفعل ومحاكمة الأصل الاجتماعى، وبين حماية الفقراء وتحويل الغنى نفسه إلى جريمة أخلاقية.

هناك مشكلة حقيقية فى مصر مع الامتياز، وهناك شعور متراكم بأن بعض الأسماء والعلاقات والمكالمات تستطيع أن تفتح أبوابًا لا تفتح لغيرها، وهناك غضب مفهوم من ثقافة ترى أن المال يمنح صاحبه مساحة أوسع للخطأ، لكن مواجهة هذه المشكلة لا تكون بتحويل كل حادث إلى معركة بين طبقة وطبقة، ولا بتصوير الفقير دائمًا ملاكًا، والغنى دائمًا شيطانًا.

القضية فى جوهرها ليست أن جودى تنتمى إلى طبقة بعينها، بل أن سيارة وصلت إلى يد قاصرين لا يملكان حق قيادتها، وأن هناك تهاونًا أسريًا واجتماعيًا فى التعامل مع مفاتيح السيارات، وأن الطريق العام صار أحيانًا مكانًا للتجربة والاستعراض والتعلم العشوائى، وأن حياة الناس فى الشارع قد تصبح تحت رحمة لحظة طيش واحدة.

القضية أيضًا أن الأب أو ولى الأمر الذى يسمح لقاصر بأن يقترب من عجلة القيادة يتحمل مسئولية ثقيلة، لأن السيارة ليست هدية ولا لعبة ولا علامة وجاهة اجتماعية، بل آلة خطيرة متى خرجت من يد المسئولية صارت احتمالًا مفتوحًا للفاجعة.

ارحموا جودى لا تعنى اتركوا حق هدير، بل تعنى اتركوا القانون يعمل بلا صراخ وبلا ابتزاز وبلا انتقام، ارحموا قاصرة من السحل الإلكترونى، ومن تحويلها إلى عنوان لكل ما نكرهه فى الأغنياء، ومن دفن مستقبلها قبل أن يكتمل التحقيق وتصدر الأحكام، وفى المقابل لا ترحموا الخطأ من الحساب، ولا ترحموا الاستهتار من العقوبة.

هدير تحتاج إلى عدالة قوية لا إلى موجة غضب عابرة، تحتاج إلى تحقيق كامل، ومحاكمة عادلة، وعقوبة تناسب الفعل والمسئوليات، ورسالة واضحة تقول إن حياة الناس ليست أقل قيمة من نزوة مراهق أو مجاملة أب أو شعور زائف بالحصانة.

وجودى أيضًا تحتاج إلى محاكمة عادلة لا إلى ذبح معنوى، لأن القاصر يحاسب وفق القانون لا وفق غضب الجماهير، ولأن المجتمع الذى يحمى حق الضحية يجب أن يحمى أيضًا معنى العدالة من التحول إلى ثأر جماعى.
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق