.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تواجه الطفولة في السودان أزمة بنيوية غير مسبوقة تتجاوز حدود الصراع المسلح التقليدي لتضرب عمق النسيج الاجتماعي والثقافي حيث تحول الملايين من الصغار إلى الضحايا الأكثر هشاشة وسط دوامات النزوح وفقدان الاستقرار النفسي والمعيشي والأمني الشامل والكامل منذ تفجر الأوضاع العسكرية في شهر أبريل من العام قبل الماضي وتأثر قطاعات الحماية والرعاية والتعليم بشكل مباشر ومخيف يهدد بصياغة مستقبل مظلم يسيطر عليه الاضطراب الدائم والانقطاع الجيلي المعرفي.
وحسب تقرير لموقع اندبندنت عربية فإن تقديرات المجلس القومي لرعاية الطفولة تؤكد أن نحو واحد وسبعين في المئة من الأطفال في السودان باتوا عرضة لأخطار متعددة ومتداخلة في ظل موجات النزوح الواسعة وتراجع قدرة الأسر على الصمود والمقاومة الاقتصادية والاجتماعية الشديدة وبين الاستجابات الإنسانية المحدودة للغاية وتعقيدات الواقع الميداني المتشابك تلوح في الأفق أزمة طفولة حادة ومعقدة قد تمتد آثارها المدمرة والعميقة لعقود طويلة قادمة دون حلول تلوح في الأفق القريب.
فاقد تعليمي يهدد البنية المعرفية للمجتمع
ولم يعد التعليم في السودان مجرد حق معطل أو خدمة عامة متوقفة بل تحول إلى حلم مؤجل لجيل كامل يعيش اليوم مجبراً خارج أسوار المدارس والمؤسسات التربوية الرسمية وفي ظل استمرار العمليات العسكرية تتآكل العلاقة العضوية بين الطفل والمعرفة وتتراجع الأولويات التعليمية لتصبح عملية البقاء على قيد الحياة هي الهدف الأسمى والمطلب الوحيد الذي يتقدم على التعلم والتحصيل الأكاديمي والنمو الفكري السليم للصغار في مختلف الولايات المتضررة.
ويؤكد الباحث التربوي صالح ساتي أن المشكلة الحقيقية في السودان اليوم ليست فقط وجود أطفال خارج المنظومة المدرسية بل إن المجتمع يقف أمام جيل كامل فقد الرغبة والعلاقة النفسية والمعنوية مع فكرة التعليم نفسها بسبب الانقطاع الطويل لعامين متتاليين أو أكثر مما يخلق فجوة يصعب ردمها مستقبلاً حيث تكتظ مراكز الإيواء بأطفال في سن العاشرة لا يستطيعون القراءة بطلاقة وفقدوا الدافعية تماماً للتعلم.
ويرى ساتي أن الأرقام المتداولة حول خروج نحو سبعين في المئة من الأطفال في مناطق النزاع المسلح من النظام التعليمي تعكس انهياراً فعلياً وكاملاً في البنية التعليمية الأساسية في السودان حيث تعرضت المدارس للتدمير الممنهج أو تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين بينما نزح المعلمون وتوقفوا عن العمل لغياب الرواتب والموارد مما يجعل محاولات إنشاء مساحات تعليم مؤقتة تصطدم بنقص حاد في الإمكانات.
وينبه الباحث التربوي إلى أن طول فترة الانقطاع يدفع صغار السن في السودان إلى مسارات بديلة خطيرة مثل الدخول المبكر وغير المدروس إلى سوق العمل الشاق أو تحمل مسؤوليات أسرية تفوق طاقتهم البدنية والنفسية مما يجعل العودة إلى مقاعد الدراسة لاحقاً أمراً غاية في الصعوبة والتعقيد وهو ما يعني خسارة سنوات دراسية كاملة وضياع رأس المال البشري المستقبلي للبلاد بشكل تام.
ويقترح ساتي تبني نماذج تعليمية مرنة وغير تقليدية تعتمد بشكل أساسي على المجتمع المحلي والجهود الطوعية وتدمج الدعم النفسي المكثف مع عمليات التعلم الأساسية لأن الطفل الذي عاش تجارب النزوح المريرة وعاين العنف المسلح في السودان لا يمكن أن يعود للتحصيل بذات الأدوات القديمة والتقليدية غافلاً عن حقيقة أن عدم التدخل الفوري والمختلف سينتج جيلاً غير مؤهل تماماً للمشاركة في إعمار بلده.
عمالة الأطفال كبديل قسري للاستمرار الاقتصادي
وتدفع الأزمات الاقتصادية المتفاقمة والخانقة بالأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة للغاية حيث يتحول هؤلاء الصغار من متلقين للرعاية والحماية الأسرية إلى معيلين أساسيين لأسرهم التي أنهكتها الحرب وبين وطأة الحاجة المعيشية اليومية والاستغلال الاقتصادي البشع تضيع معالم الطفولة البريئة في مسارات مهنية قاسية وخطيرة للغاية يصعب الفكاك من حبائلها وتأثيراتها النفسية والجسدية المدمرة على المدى القريب والبعيد.
وفي هذا السياق التحليلي يشير المحلل الاقتصادي عادل علي إلى أن ظاهرة عمالة الأطفال المتفشية في السودان يجب فهمها وقراءتها في سياقها الهيكلي الأوسع كمرآة مباشرة لانهيار الاقتصاد الأسري الشامل حيث فقدت آلاف العائلات مصادر دخلها المستقرة نتيجة النزوح القسري أو توقف الأنشطة التجارية والزراعية والصناعية مما أجبرها على البحث عن أي وسيلة للبقاء والاعتماد الكامل على عرق ودخل أطفالها القصر.
ويتابع علي أن التقديرات الإحصائية الرسمية التي تشير إلى أن نحو أربعة عشر في المئة من الصغار دخلوا سوق العمل تعكس فقط الجزء الظاهر والسطحي من الأزمة الحقيقية بينما الواقع الفعلي في السودان يتجاوز ذلك بكثير لأن أغلب الأطفال يعملون في أنشطة غير رسمية وهامشية لا يتم رصدها في الاستبيانات حيث يملأون الأسواق الشعبية والورش الصناعية والشوارع العامة في ظروف خطرة.
ويعرب المحلل الاقتصادي عن قلقه البالغ من الآثار طويلة المدى لظاهرة العمالة المبكرة والتي تتجاوز الأخطار الجسدية المباشرة كالاصابات والاستغلال لتدخل الطفل في دائرة مغلقة من الفقر البنيوي الممتد عبر الأجيال المتعاقبة مما يعني إعادة إنتاج العوز على نطاق مجتمعي واسع النطاق في السودان وتحويل الأزمة المؤقتة إلى معضلة ديموغرافية واقتصادية مزمنة يصعب علاجها بالوسائل الأمنية أو التشريعية التقليدية السطحية.
ويؤكد علي أنه لا يمكن منطقياً مطالبة أسرة سودانية تعاني من الجوع الحاد والفقر المدقع بمنع طفلها من العمل والنزول للشارع دون تقديم بدائل مادية حقيقية وملموسة مبيناً أن الدعم النقدي المباشر والمستدام للأسر يعتبر خطوة أساسية ومحورية لحل الأزمة بشرط ربطه المباشر بالتعليم والتحاق الأطفال بالمدارس ليكون البقاء في الفصول خياراً مجدياً ومربحاً واقتصادياً للأسرة في ظل هذه الظروف الصعبة والضاغطة.
ويضيف المحلل الاقتصادي أن تفعيل القوانين والتشريعات المحلية لحماية الطفولة يجب أن يتم بشكل مرن ومتوازن يأخذ في الاعتبار الواقع المعيشي الصعب والظروف القهرية التي تمر بها البلاد مع التركيز الكامل على بناء نظام حماية اجتماعية متكامل وشامل وممول جيداً لأن التعامل مع عمالة الأطفال كظاهرة منفصلة ومعزولة لن يجدي نفعاً في ظل الانهيار الشامل الذي يشهده السودان حالياً.
التجنيد القسري واختراق براءة الصغار في النزاعات
وفي بيئة أمنية معقدة يغيب عنها الأمان وتتلاشى فيها سلطة القانون يصبح بعض الأطفال عرضة للانخراط المباشر في دوائر العنف المسلح والمليشيات بحثاً عن الحماية المفقودة أو الانتماء الاجتماعي البديل وهكذا تتلاشى الحدود الفاصلة بين الطفولة والنزاع ويُدفع بالصغار مجبرين إلى أدوار عسكرية وأمنية قاسية تفوق أعمارهم وقدراتهم وتدمر مستقبلهم النفسي والأخلاقي بشكل شبه كامل وسط غياب آليات الرقابة الدولية والمحلية الفاعلة.
ويوضح المتخصص في قضايا النزاعات وحماية الطفولة فارس محمد أن أخطر ما تواجهه المجتمعات في حالات الحروب الممتدة هو تآكل الحدود الطبيعية بين براءة الأطفال ومظاهر العنف المسلح حيث بات الصغار في السودان عرضة للتجنيد المباشر من قبل أطراف الصراع أو استخدامهم في أدوار مساندة وخطيرة مثل التجسس ونقل العتاد والخدمات اللوجستية في خطوط المواجهة الأمامية والملتهبة.
ويستطرد محمد قائلاً إن التقديرات الميدانية تشير إلى أن عشرة في المئة من الأطفال المعرضين للمخاطر يواجهون احتمالات التجنيد الفعلي مما يوضح مدى هشاشة البيئة المحيطة بهم خاصة أولئك الذين فقدوا ذويهم وأسرهم أو يعيشون في مناطق جغرافية نائية تغيب عنها مؤسسات الدولة الرسمية في السودان ليصبحوا صيداً سهلاً للاستقطاب الفكري والمادي بدافع الحاجة الاقتصادية أو البحث عن الأمان والحماية.
ويرى المتخصص في النزاعات أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في آثارها النفسية والاجتماعية العميقة التي تسلب الطفل قدرته المستقبلية على الاندماج مجدداً في الحياة المدنية الطبيعية مؤكداً أن إعادة دمج هؤلاء الضحايا تتطلب برامج تأهيلية معقدة وطويلة الأمد تشمل الدعم النفسي التخصصي المكثف والتعليم التعويضي والرعاية الاجتماعية الشاملة لإزالة رواسب العنف والدمار من مخيلتهم الغضة وسلوكهم اليومي.
ويؤكد محمد من واقع تجربته الميدانية أن الوقاية المبكرة تمثل المفتاح الأساسي لمواجهة المعضلة من خلال توفير بدائل تعليمية جذابة ودعم اقتصادي مباشر للأسر الفقيرة وخلق بيئات مجتمعية آمنة تقلل من فرص انجذاب الصغار للعمل العسكري في السودان مع ضرورة تفعيل دور المجتمع المحلي والقيادات الأهلية في مراقبة الأطفال المعرضين للخطر وتوفير شبكات أمان اجتماعي وثقافي تحميهم من الانزلاق.
ويخلص الخبير في قضايا حماية الأطفال إلى أن الأزمة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بجوهر الصراع السياسي والعسكري القائم بالتالي فإن أي حلول إنسانية أو حقوقية ستظل جزئية وقاصرة ما لم يتم التوصل إلى تسوية سلمية شاملة وواسعة للأوضاع في السودان ومع ذلك لا يمكن للمنظمات الدولية والمحلية الانتظار بل يجب التحرك الفوري لأن كل يوم يتأخر فيه الحل يعني ضياع المزيد من البراءة.
تفكك منظومة الحماية الأسرية والتشظي المجتمعي
ومع تصاعد موجات النزوح الجماعي والتشظي الأسري الحاد يفقد آلاف الأطفال في السودان شبكات الحماية والرعاية الأساسية والجدار الاجتماعي الأول الذي توفره الأسرة الطبيعية المستقرة وفي هذا الفراغ المؤسسي والاجتماعي المخيف تتضاعف هشاشة الصغار ويواجهون أخطاراً مركبة ومتعددة تهدد نموهم النفسي والعقلي والبدني وتجعلهم عرضة للضياع والتشرد والانتهاكات اليومية المستمرة دون وجود رادع قانوني أو إنساني يحميهم في مراكز النزوح العشوائية.
وتؤكد الاختصاصية الاجتماعية ناهد صلاح أن من أصعب وأعقد المشاهد الإنسانية التي تواجه الفرق الميدانية اليوم في السودان هي وضعية الأطفال الذين فقدوا أسرهم وذويهم ليس فقط بسبب الموت والعمليات العسكرية بل نتيجة للتشتت والنزوح الفوضوي والتفكك الأسري القسري حيث يعيش هؤلاء الصغار حالة من الهشاشة المركبة والخطيرة بعد فقدانهم المصدر الأول والأساسي للأمان النفسي والعاطفي والجسدي.
وترى صلاح أن النسب المئوية المرصودة قد تبدو صغيرة في بعض التقارير لكنها في الواقع الفعلي تترجم إلى آلاف الأطفال الذين يواجهون أخطاراً حقيقية ومخيفة تبدأ من الاستغلال الجسدي والاقتصادي وتصل إلى الإهمال الصحي والغذائي التام وفي غياب الأسرة يصبح الطفل في السودان عرضة لكل أشكال الانتهاكات البشعة التي تؤثر بشكل مدمر وعميق على نموه النفسي والاجتماعي السليم وقدرته على التواصل المجتمعي.
وتشير الاختصاصية الاجتماعية إلى أن دور الرعاية والمؤسسات الإيوائية المؤقتة تلعب دوراً مهماً في سد الفراغ لكنها لا تمثل الحل المثالي أو البديل المستدام للأسرة لأنها تعاني في السودان من نقص حاد في الموارد المالية والغذائية والطبية ولا تستطيع بأي حال من الأحوال توفير بيئة عاطفية وإنسانية مستقرة يحتاجها الطفل للنمو السليم بعيداً عن أجواء الثكنات ومراكز اللجوء المكتظة.
وتقترح صلاح التركيز الكامل والمكثف على بدائل الرعاية الأسرية المجتمعية مثل نظام الكفالة المحلية أو الأسر البديلة ودعم العائلات الممتدة كالعمات والخالات والأجداد مادياً واجتماعياً لتمكينهم من احتضان هؤلاء الأطفال الفاقدين للسند وتوفير حلول أكثر استدامة تحافظ على الروابط الاجتماعية والثقافية للطفل في بيئته الأصلية وتحميه من مخاطر الانفصال الكامل والضياع في مجتمعات النزوح الغريبة والمجهولة.
وتختم ناهد صلاح حديثها بالتحذير من أن الاستثمار في حماية الطفولة في السودان وتوسيع خدمات الرعاية الصحية والنفسية العاجلة للأطفال المصابين بصدمات الحرب العميقة ليس مجرد عمل إنساني أو إغاثي اختياري بل هو استثمار استراتيجي ومحوري في استقرار المجتمع وأمنه المستقبلي لأن ترك هؤلاء الصغار دون دعم حقيقي وتأهيل نفسي شامل يعني ببساطة تأجيل انفجار أزمة مجتمعية وأمنية أكبر وأخطر بكثير إلى المستقبل القريب.
















0 تعليق