.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
أبدأ بالكتابة عن هذه الحكاية البسيطة التى شهدتها فى إجازة العيد بقريتنا، وأعتبرها، رغم بساطتها، ذات دلالة على وجود ثغرات عديدة فى منظومة إنتاج وتوزيع الخبز المدعم على بطاقات التموين للناس، وأن المنظومة تحتاج لتبديل تام وليس مجرد إصلاح. ليت الدعم النقدى، الذى نسمع عن قرب تنفيذه، يصل بشكل عادل للخبز.
مر مفتش التموين على أحد المخابز التى تنتج الخبز المدعم، قبل العيد بيومين تقريبًا، وكان بصحبته قوة من مباحث التموين. وجدوا سيدة بسيطة تتسلم الخبز لآخرين بالاتفاق مع صاحب المخبز. بتفتيش هذه السيدة من قِبل مفتش التموين والقوة المرافقة عثروا معها على ٣٠٠ بطاقة خبز مدعم للأهالى. لم تشفع شهادة الناس، وضمنهم صاحب المخبز، بأن هذه السيدة تقوم بخدمة لمستحقى الخبز مقابل أجر شهرى زهيد. صادروا بطاقات الخبز.. مع تهديد بتحرير قضايا لأصحابها وحرمانهم من حصص الخبز. صودرت البطاقات، لكن نجح الأهالى فى استعادتها باللجوء لكبار المسئولين والمعارف فى المحافظة وفى مديرية التموين.
ما أتوقف عنده هنا ليس هذا النظام الأهلى، فلقد عاينه المحافظون بأنفسهم أكثر من مرة، ولكن أتوقف عند الثغرات العديدة فى منظومة الخبز، وكمية الهدر الكبير فيها، ابتداءً من منظومة التوزيع العشوائية هذه، التى يشارك فيها نساء ورجال بسطاء، وصولًا لبقية المراحل. فشل منظومة توزيع الخبز يؤدى فى النهاية لأن نكون ضمن الأعلى عالميًا فى معدلات استيراد واستهلاك القمح.
نسبة كبيرة من الخبز المدعم تتسرب وتعرف طريقها لمزارع الدواجن والماشية. هذه معلومة مؤكدة ونكررها هنا. دراسة الأفكار المتعلقة بإصلاح الدعم فيما يتعلق برغيف الخبز ينبغى أن تبدأ من معدلات استهلاك القمح الحقيقية فى مصر ومقارنتها بالدول التى تعيش فى ظروف قريبة منّا.
أنا مع استمرار وصول الدعم بشكل أكبر، بل زيادة معدلاته للأسر الفقيرة والمحتاجة، لكن هناك شواهد عديدة على فساد منظومة توزيع الخبز، رغم محاولات الإصلاح العديدة التى شهدتها خلال السنوات الماضية. لدينا هدر عظيم فى منظومة الخبز المدعم فى كل المحافظات.
الحكومة أعلنت على لسان أكثر من مسئول، الأسبوع الماضى، عن أن هناك إنجازًا قد تحقق هذا العام فيما يتعلق بإنتاج القمح المحلى. وزير التموين، الدكتور شريف فاروق، أعلن عن أن إجمالى ما تم توريده للحكومة من القمح المحلى بلغ ٤ ملايين و٣٠٠ ألف طن منذ بدء موسم التوريد فى منتصف أبريل الماضى، وأن الحكومة تستهدف الوصول إلى ٥ ملايين طن بنهاية الموسم، الذى يستمر حتى منتصف أغسطس المقبل.
تصريحات متفائلة وواقعية جدًا، بل قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. لننظر إلى بقية الصورة، فإن وارداتنا من القمح الأجنبى ما زالت مرتفعة للغاية، لكن مع زيادة المساحة المزروعة بالمحصول فى الأراضى القديمة والجديدة، واهتمام القيادة العليا وصولًا لرئيس الجمهورية بزيادة الإنتاج المحلى، فإن هذه الطموحات قابلة للتحقق.
هناك تصريح حكومى آخر متفائل، ملخصه أن مصر تستهدف خفض وارداتها من القمح إلى نحو ١٢ مليونًا ونصف المليون طن فى العام الجارى مقارنة بحوالى ١٣ مليونًا و٢٠٠ ألف طن فى العام الماضى ٢٠٢٥.
بعد استعراض هذه المعلومات والأرقام، ينبغى أن يمتد الأمر لكل السلع والخدمات، وأن ندعم التحول التدريجى من الدعم العينى إلى النقدى، بحيث يحصل المستحق على مبلغ مالى بدلًا من صور الدعم السلعى الحالى، مع تحسين استهداف الأسر الأكثر احتياجًا. والأهم هو ربط قيمة الدعم النقدى بالتضخم، بحيث تزيد قيمة الدعم تلقائيًا مع ارتفاع الأسعار، واستخدام بيانات موحدة ودقيقة وحديثة للمنظومة الجديدة. هناك اتهامات سابقة بحدوث أخطاء كثيرة فى إسقاط الدعم وتعطيل بطاقات التموين وصولًا لبطاقات استحقاق الخبز لعدد كبير من المواطنين بناءً على بيانات ومعلومات وتحريات غير دقيقة أو مغلوطة.
هناك جدية هذه المرة فى التصريحات الحكومية بشأن التحول إلى الدعم النقدى. نلمس دعمًا رئاسيًا، ومن الأغلبية البرلمانية، لهذه الخطوة. المعلومات المتاحة تؤكد أن التحول إلى الدعم النقدى سيبدأ بالتدريج خلال العام المالى الجديد، أى اعتبارًا من يوليو. لننتظر ما ستصل إليه الأمور.
ولكن يبقى التساؤل: هل هناك جرأة وجدية فى التنفيذ أم لا؟ وهل سيتم الأمر بالتدريج أم سيحدث التحول لمرة واحدة؟ من المتوقع أن تواجه هذه الخطوات باعتراضات عديدة. الرأى العام لا يثق غالبًا فى الوعود الحكومية فى كثير من المسائل، ضمنها ترشيد الدعم. أنا من جهتى داعم للتحول، ولكن انطلاقًا من وعود وتعهدات رسمية بتحقيق العدل وعدم التجاوز بحق الفقراء. والمهم عندى أن الميزة الواضحة فى التحول للدعم النقدى ووصوله للخبز المدعم أنه سيقود إلى تراجع استيرادنا للقمح من الخارج.











0 تعليق