.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
شاعت كلمة غسل الأموال بصورة كبيرة عقب القبض على صبري نخنوخ وآخرون في القضايا المتعلقة بهم والمتداولة في الأيام الأخيرة وأثارت جدلًا واسعًا، ووفق الدكتور حسين المقداد، استاذ ورئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة حلوان، هذه العملية المعقدة، المعروفة بغسل الأموال، ليست مجرد حيلة مالية، بل هي الوقود الحركي الذي يضمن استمرار شبكات الإرهاب والفساد، فكيف واجه المشرع المصري هذا الأخطبوط؟ وما هي الثغرات التكنولوجية التي يتسلل منها أباطرة الجريمة؟ هو ما يشرحه لنا «المقداد» في هذا الملف.
غسل الأموال جريمة مستقلة بذاتها
قال المقداد، في تصريحات لـ"الدستور"، إن القانون رقم 80 لسنة 2002م نظر بشأن مكافحة غسل الأموال، والمُعدل في 28 يوليو عام 2022م، إلى غسل الأموال بوصفها جناية مستقلة بذاتها عن الجريمة الأصلية التي قد تقترن بها؛ مثل: تهريب الآثار، أو الاتجار بالسلاح والمخدرات، والتي تُولد ما يُعرف بالكاش القذر، ومن ثم فإن غسل الأموال هو السلوك اللاحق الذي يستهدف إخفاء أو تمويه حقيقة هذه الأموال وإظهارها في ثوب مشروع.
وقد حسم المشرع هذه التفرقة صراحة، ولم يشترط صدور حكم بالإدانة في الجريمة الأصلية لإثبات المصدر غير المشروع للأموال، وهو ما يمنح جهات التحقيق مرونة هائلة؛ إذ يكفي لتوجيه الاتهام إثبات عدم وجود مصدر مشروع ومتناسب للأموال مع طبيعة النشاط الذي يباشره صاحبها، دون التعويل على إدانة المتهم في قضية المخدرات أو السلاح الأساسية.
شرح أستاذ القانون عملية غسل الأموال التي تمر بثلاث مراحل دقيقة، يتداخل فيها الواقع المادي بالواقع الافتراضي، وذلك على النحو التالي الإيداع والتوظيف Placement؛ وهي المرحلة الأصعب، حيث يحمل تاجر المخدرات تلالًا من العملات الورقية (الكاش) ويسعى لإدخالها في النظام المالي دون لفت انتباه السلطات، وتتم هذه المرحلة عبر تجزئة المبالغ أو ضخها في مشروعات واجهة تعتمد على السيولة النقدية اليومية الكثيفة كالمطاعم الكبرى، أو المعارض، أو الكافيهات.
والتمويه والتغطية Layering؛ وهنا تبدأ عملية تضليل أجهزة الأمن عبر خلق طبقات معقدة من العمليات المالية؛ حيث يُنقل المال من بنك إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، وتُشترى به أسهم، أو تُجرى تحويلات إلكترونية متلاحقة لإعماء خيط التتبع الجنائي.
ثم الدمج Integration؛ وهي المرحلة النهائية؛ حيث تعود الأموال إلى الاقتصاد مجددًا كأموال نظيفة تمامًا، ويظهر تاجر السلاح أو المخدرات في صورة رجل أعمال شريف يمتلك صكوكًا وعقارات فاخرة وفنادق، ويستطيع العيش برفاهية تحت مظلة قانونية زائفة.
غسل الأموال استغل المحافظ الرقمية
وأوضح المقداد، أنه مع الثورة التكنولوجية لم يعد الغاسلون بحاجة إلى حقائب دبلوماسية مليئة بالأموال؛ بل استبدلوها بالمحافظ الرقمية؛ إذ تشهد ساحة الجريمة اليوم اعتمادًا شرسًا على العملات المشفرة Cryptocurrencies، وتحديدًا تلك التي تمنح خصوصية مطلقة، مستغلين ما يُعرف بخلاطات العملات Crypto Mixers التي تمزج أموالًا من مصادر مختلفة لقطع خيط التتبع.
تابع: بالتوازي مع ذلك، تظل الشركات الوهمية Shell Companies المؤسسة في الملاذات الضريبية الآمنة وراء البحار، أداة تقليدية-حديثة يعاد إنتاجها رقميًا، وهي ليست سوى أوراقًا رسمية بلا مقرات أو موظفين، وتُستخدم فقط لفتح حسابات بنكية تمر عبرها تحويلات بمليارات الدولارات تحت ستار فواتير استيراد وتصدير وهمية، أما محليًا، فيظل القطاع العقاري وتجارة المعادن النفيسة والذهب من أبرز القطاعات التقليدية المستغلة كغطاء، نظرًا لسهولة تسييل هذه الأصول وتحويلها إلى قيم نقدية يصعب إثبات قيمتها الحقيقية وقت الشراء.
الردع الجنائي الحاسم في القانون المصري
وأضاف أستاذ القانون، أنه لم يقف المشرع المصري مكتوف الأيدي أمام تطور هذه الأساليب؛ بل فرض عقوبات تُعد من الأشد في المنظومة التشريعية لضرب هذه الجرائم في مقتل (وتحديدًا تجفيف منابعها المالية)، وهو ما يبدو جليًا في العقوبات التي تضمنها القانون، وأبرزها ما يلي: تنص المادة (14) من القانون على أن: يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز سبع سنوات وبغرامة تعادل مثلى الأموال محل الجريمة، كل من ارتكب أو شرع في ارتكاب جريمة غسل الأموال المنصوص عليها في المادة (۲) من هذا القانون.
وتستثنى هذه الجريمة من تطبيق أحكام الفقرة الثانية من المادة (۳۲) من قانون العقوبات.
مادة (14مكررًا) على أن: يحكم بمصادرة الأموال أو الأصول المضبوطة والمتحصلات الناتجة عن جريمة غسل الأموال أو الجريمة الأصلية، عند مخالفة حكم المادة (2) من هذا القانون، وتشمل المصادرة ما يأتي:
1 – الأموال أو الأصول المغسولة.
2 – المتحصلات، بما في ذلك الدخل أو المنافع الأخرى المتأتية من هذه المتحصلات.
فإذا اختلطت المتحصلات بأموال اكتسبت من مصادر مشروعة، فيصادر منها ما يعادل القيمة المقدرة لها أو للوسائط المستخدمة أو التي أعدت لاستخدامها في جرائم غسل الأموال أو الجرائم الأصلية.
يحكم بغرامة إضافية تعادل قيمة الأموال أو الأصول في حالة تعذر ضبطها أو في حالة التصرف فيها إلى الغير حسن النية.
مادة (14مكررًا / 1) على أن: يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن المبلغ المالي محل الجريمة ولا تزيد على أربعة أمثال ذلك المبلغ، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من خالف أيًا من أحكام المادة (12) من هذا القانون.
وفي جميع الأحوال، تضبط المبالغ والأشياء محل الدعوى ويحكم بمصادرتها، فإن لم تضبط حكم بغرامة إضافية تعادل قيمتها.
مادة (15): يُعاقب بالحبس والغرامة التى لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يخالف أيًا من أحكام المواد أرقام (8، 9، 11) من هذا القانون.
مادة (15 مكررًا): يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة أو بغرامة لا تقل عن مبلغ مائة ألف جنيه ولا تجاوز مبلغ ثلاثمائة ألف جنيه كل من خالف أحكام المادة 9 مكررًا 1 من هذا القانون.
مادة (16): فى الأحوال التى ترتكب فيها الجريمة بواسطة شخص اعتبارى يعاقب المسئول عن الإدارة الفعلية لهذا الشخص الاعتبارى بالعقوبات ذاتها المقررة عن الأفعال التى تُرتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون إذا ثبت عمله بها وكانت الجريمة قد وقعت بسبب إخلاله بواجبات وظيفته.
ويُعاقب الشخص الاعتبارى بغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسة ملايين جنيه، ويكون مسئولًا بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من عقوبات مالية وتعويضات إذا كانت الجريمة التى وقعت بالمخالفة لأحكام هذا القانون قد اُرتكبت من أحد العاملين به باسمه ولصالحه، ويجوز للمحكمة أن تقضى بمنع الشخص الاعتبارى من مزاولة نشاطه لمدة محددة أو بإلغاء الترخيص الممنوح له بمزاولة النشاط. وتأمر المحكمة فى الحكم الصادر بالإدانة بنشر الحكم على نفقة الشخص الاعتبارى فى جريدتين يوميتين واسعتى الانتشار.
البنوك كخط دفاع أول: كيف تسقط أقنعة الجريمة؟
شرح المقداد، أنه في جريمة غسل الأموال يمثل القطاع المصرفي رأس الحربة في المواجهة الأمنية؛ إذ تلزم القوانين المصرية والدولية البنوك بتطبيق صارم لقواعد اعرف عميلك KYC، ولا تكتفي البنوك بالبيانات الورقية، بل تراقب سلوك الحسابات عبر حواسب ذكية ترصد مؤشرات الاشتباه، ومن أهمها:
- حدوث تضخم مفاجئ وسريع في حساب عميل لا تتناسب حركة أمواله مع طبيعة مهنته أو راتبه المثبت؛
- قيام العميل بإيداعات نقدية متكررة بمبالغ تقل شعرة واحدة عن الحد القانوني الذي يتطلب تقديم مستندات (وهو تكتيك يُعرف بالتجزئة)؛
- حسابات تظل راكدة لسنوات، ثم فجأة تتدفق إليها ملايين من الخارج وتُسحب نقديًا في ذات اليوم.
فعند رصد هذه المؤشرات، يتحرك البنك فورًا بإرسال إخطار اشتباه سري للغاية إلى وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بالبنك المركزي المصري، المنشأة بموجب المادة 3 من القانون سالف الذكر، وتتولى هذه الوحدة الاستخباراتية فحص حركة الحسابات، وتتبع خيوطها، وإذا تأكدت الشبهة، يتم إحالة الملف كاملًا للنيابة العامة لاتخاذ إجراءات التحفظ والمنع من التصرف والتحقيق الجنائي.
غسل الأموال كوقود سام للإرهاب
وأكد المقداد، أن تتبع أموال الجريمة يثبت دائمًا حقيقة واحدة قوامها أن غسل الأموال وتأمين السلاح والإرهاب هم وجوه لعملة واحدة؛ فالجماعات المتطرفة لا تستطيع شراء المتفجرات أو تجنيد الأفراد دون غطاء مالي آمن، ومن هنا، جاء قانون مكافحة الإرهاب المصري رقم 94 لسنة 2015م ليتكامل بجدارة مع قانون غسل الأموال؛ حيث أفرد المشرع في المادة (12) منه عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لكل من جمع أو تلقى أو حاز أو أمد أو نقل أو وفر أموالًا أو أسلحة لإرهابي أو لعمل إرهابي، وجاءت المادة (13) لتجرِّم وتجفف أي محاولة لغسل هذه الأموال أو إخفاء طبيعتها لصالح تلك التنظيمات، معتبرة توفير المأوى المالي للجريمة الإرهابية بمثابة اشتراك أصلي في الدم المستباح.
التحديات العابرة للحدود وحتمية التعاون الدولي
وأشار المقداد إلى أنه الأموال السائلة قادرة على عبور حدود الدول في ثوانٍ معدودة عبر ضغطة زر، فإن المواجهة المحلية لا تكفي، بل يتعين أن تأخذ طابعًا دوليًا مشتركًا، لذا، ترتبط مصر بشبكة تعاون دولي وثيقة، تبدأ من التزامها بمعايير مجموعة العمل المالي FATF، مرورًا بعضويتها في مجموعة إيجمونت لتبادل المعلومات بين وحدات التحريات المالية عالميًا، وصولًا لتبادل الإنابات القضائية الدولية لتجميد الحسابات المهربة للخارج. ومع ذلك، تظل المواجهة محفوفة بالعديد من التحديات؛ لعل أبرزها اتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي (والذي يعمل بعيدًا عن أعين الدولة)، وظهور تطبيقات التمويل اللامركزي DeFi التي تتيح الاقتراض والتحويل دون وسيط مصرفي، مما يفرض على الأجهزة الرقابية ضرورة التطوير المستمر لأدواتها التكنولوجية ومواكبة الذكاء الاصطناعي الجنائي.
الخطر الداهم على الأمن القومي
وشدد المقداد أن غسل الأموال ليست جريمة بلا ضحايا كما يظن البعض؛ بل هو وباء يضرب الاقتصاد الوطني في مقتل؛ إذ يؤدي إلى التضخم المصطنع (وذلك عبر رفع أسعار العقارات والسلع لمستويات فلكية نتيجة ضخ الكاش القذر أو غير المشروع)، ويشوه مناخ الاستثمار الشرعي؛ إذ لا يمكن للمستثمر النزيه أن ينافس مُغسلًا يقبل بالخسارة لمجرد شرعنة أمواله، وعليه، فإن محاصرة غسل الأموال، بنصوص القانون الحازمة ويقظة القطاع المصرفي، ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل هي معركة وجودية لحماية أمن الوطن، واستقرار مجتمعه، وضمان ألا تتحول دماء الأبرياء وأموال السموم إلى قصور واستثمارات تدنس شرف الاقتصاد القومي.
إقرأ أيضا:
غسل الأموال.. كيف تتحول "الفلوس الحرام" إلى ثروة مشروعة؟
الدولة تتحفظ على مليار جنيه من قضايا غسل الأموال
خزائن وودائع وعقارات.. تفاصيل قرار تجميد أرصدة صبري نخنوخ وزوجته













0 تعليق