توظيف الخلافات.. إيران تزرع الفتنة بين ترامب ونتنياهو لإضعاف التحالف الأمريكي الإسرائيلي

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

تشهد الساحة السياسية الدولية تصدعات غير مسبوقة في التحالف التاريخي بين واشنطن وتل أبيب تزامنا مع مساعي إنهاء الحرب، حيث برزت نقاط الاختلاف العميقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التعامل مع إيران، وهو ما يشكل تحولا دراماتيكيا يخدم مصالح طهران بالدرجة الأولى، لتجد القيادة في طهران نفسها أمام فرصة ذهبية لتعميق هذا الشرخ الاستراتيجي وتوظيفه لصالحها في خضم صراع معقد ومستمر.

وبحسب تقرير لموقع صحيفة التلغراف البريطانية في مقال رأي لكبير معلقي الشؤون الخارجية ديفيد بلير، فإنه على الرغم من تبادل الضربات الانتقامية والقصف العنيف بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وطهران من جهة أخرى، إلا أن القادة في طهران يشعرون برضا كبير تجاه تطور استراتيجي واحد يتمثل في نجاح مساعيهم لزرع بذور الفتنة بين الحليفين، مما يضعف الجبهة الموحدة التي طالما واجهت هذا النفوذ المتنامي في المنطقة.

ويرى الكاتب والمحللون أن النظام في طهران تلاعب ببراعة ملحوظة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليقوم الأخير بممارسة ضغوط هائلة وحث رئيس الوزراء الإسرائيلي على عدم توجيه ضربات عسكرية واسعة النطاق، وذلك بمجرد أن لاحت في الأفق إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي أو ما يعرف بصفقة كبرى لإنهاء هذه الحرب الطاحنة التي اندلعت شرارتها قبل أكثر من مئة يوم عقب اغتيال شخصيات قيادية بارزة ومؤثرة.

وقد تجلى هذا الخلاف الحاد بين الحليفين بشكل واضح يوم الاثنين الماضي، عندما أصر نتنياهو على المضي قدما في خططه العسكرية لقصف معاقل التحالف في لبنان، وهو ما أثار حفيظة ترامب الذي سارع للاتصال بنتنياهو في مكالمة هاتفية وصفت بالغاضبة، طالبا منه صراحة الامتناع عن الرد العسكري على إطلاق إيران لصواريخ باليستية مكثفة باتجاه الأراضي الإسرائيلية ليلة الأحد الماضي في تصعيد خطير ومقلق.

حسابات ترامب السياسية ومساعي إنهاء الحرب

ويعتقد ترامب وفقا للمعلومات المتداولة أنه لا ينبغي السماح لأي تطور عسكري بأن يعرقل جهود التوصل إلى اتفاق سلام شامل، حيث يسعى الرئيس الأمريكي بكل ثقله لترتيب أوراقه الدبلوماسية بما يتيح له إعلان النصر والانسحاب بشرف من هذه الحرب التي أشعلها، لاسيما مع اقتراب مواعيد سياسية حاسمة وجولات مفاوضات مرتقبة تشمل قوى عالمية أخرى، وهو ما يفسر رغبته الملحة في تبريد كل الجبهات المشتعلة.

وقد أدرك قادة طهران هذه الرغبة الأمريكية الجامحة في الخروج من المستنقع العسكري، ونجحوا عبر قنوات دبلوماسية معقدة في إقناع إدارة ترامب بأن إبرام مثل هذا الاتفاق التاريخي مع إيران لا يزال في متناول اليد، شريطة كبح جماح الاندفاع الإسرائيلي ووقف العمليات التصعيدية التي قد تنسف أي فرصة للحوار، مما جعل واشنطن تميل أكثر نحو تغليب لغة الدبلوماسية وتقديم مقترحات كبرى قد تعيد رسم الخريطة.

وتشير تقارير استخباراتية حديثة إلى أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في تقديم بوادر حسن نية، من بينها رفع بعض القيود البحرية وتخفيف الحصار في ممرات استراتيجية، تمهيدا لانطلاق مفاوضات جدية قد يشارك فيها مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى، وهو ما يعكس تحولا جوهريا في الاستراتيجية الأمريكية التي باتت تفضل احتواء الأزمة بدلا من التصعيد المفتوح الذي قد يجر المنطقة بأسرها إلى دمار شامل يصعب تداركه أو السيطرة عليه.

مأزق نتنياهو الانتخابي والعقيدة العسكرية الإسرائيلية

لكن الموقف يبدو مختلفا تماما بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه ضغوطا داخلية هائلة وانتخابات حاسمة ومصيرية مقررة في نهاية شهر أكتوبر المقبل، مما يجعله غير مستعد على الإطلاق للاستجابة لمطالب حليفه ترامب بضبط النفس، إذ أن أي تراجع أو إظهار للضعف في هذا التوقيت الحساس قد يكلفه مستقبله السياسي ويؤدي إلى انهيار ائتلافه الحاكم أمام غضب الشارع الإسرائيلي المترقب بشغف لأي تحرك.

ولا يستطيع نتنياهو تحت أي ظرف التخلي عن الركيزة الأساسية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، وهي العقيدة التي تنص بوضوح على ضرورة توجيه رد سريع وساحق ومدمر ضد أي تجاوز أمني أو هجوم يطال عمق إسرائيل، فالتغاضي عن الهجمات الصاروخية الباليستية سيعتبر كسرا لخطوط حمراء تاريخية، وسيؤدي حتما إلى تآكل قوة الردع التي تعتمد عليها تل أبيب في مواجهة خصومها الإقليميين وعلى رأسهم الفصائل المسلحة المناهضة لها.

ونتيجة لهذا التعنت والالتزام الصارم بالعقيدة الدفاعية، تحدت الطائرات الإسرائيلية الرغبة الأمريكية ونفذت صباح الاثنين الماضي هجوما واسعا ردا على الرشقات الصاروخية التي أطلقت ليلة الأحد، حيث استهدفت المقاتلات مجمع ماهشهر للبتروكيماويات الحيوي الواقع في محافظة خوزستان، في خطوة تصعيدية خطيرة تحمل رسائل مزدوجة لواشنطن وقيادة إيران على حد سواء، وتؤكد استقلالية القرار العسكري الإسرائيلي في المسائل الحساسة التي تمس أمنها القومي المباشر والحيوي.

ويظهر هذا القرار الجريء باستهداف البنية التحتية الحساسة لقطاع الطاقة أن الرد الإسرائيلي لم يكن مجرد استعراض عسكري رمزي أو هجوم محدود لحفظ ماء الوجه، بل كان ضربة مدروسة تستهدف العمود الفقري للاقتصاد القومي بهدف شل القدرات المالية التي تمول العمليات العسكرية للفصائل الموالية لطهران، وهو ما ينذر بتحويل مسار الصراع نحو حرب اقتصادية وبنية تحتية قد تتسع رقعتها لتشمل منشآت أكثر حيوية وتأثيرا.

تصاعد التوتر ومعادلة الردع المتبادل

ولطالما اعتبرت القيادة في إيران أي هجوم يستهدف منشآتها النفطية أو البتروكيماوية بمثابة تصعيد خطير وتجاوز لكل الخطوط الحمراء التي تستدعي ردا عسكريا مباشرا، وهو التقييم الذي دفعها سابقا إلى إطلاق موجات من الهجمات الصاروخية الانتقامية ضد مواقع إسرائيلية، قبل أن تعلن يوم الاثنين عن قرار تكتيكي بوقف هجماتها العسكرية مؤقتا، مشترطة لالتزامها بهذا التوقف عدم شن إسرائيل أي غارات جوية جديدة على الأراضي اللبنانية.

وتعتبر هذه الهدنة المشروطة بمثابة اختبار حقيقي للنوايا ومناورة سياسية تهدف إلى رمي الكرة في الملعب الإسرائيلي، ففي حال اختارت تل أبيب مواصلة ضرباتها ضد قواعد حلفاء طهران في لبنان، فإن القيادة الإيرانية ستعتبر ذلك مبررا كافيا لاستئناف هجماتها الصاروخية بوتيرة أشد، وهو ما يضع نتنياهو أمام خيارات معقدة تتأرجح بين تلبية مطالب أمنه القومي وتجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تخرج تماما عن السيطرة.

وقد أثار هذا المشهد المعقد تساؤلات جوهرية طرحها المقال حول الخطوة التالية التي سيتخذها نتنياهو، وهل سيخضع في النهاية لنداءات ترامب المتكررة لضبط النفس وإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي، أم أنه سيضرب عرض الحائط بكل التحذيرات الأمريكية ويرد بالمثل على أي تحرشات عسكرية قادمة، مفضلا الاحتكام إلى لغة النار لفرض واقع جديد يخدم أجندته الانتخابية ويرضي طموحات قاعدته الشعبية اليمينية المتشددة والمطالبة بالرد العنيف.

مستقبل التحالف وخطر الانزلاق نحو الهاوية

ويجيب الكاتب والمحلل السياسي ديفيد بلير باستنتاج متشائم، مشيرا إلى أن نتنياهو إذا قرر التصرف وفقا لغرائزه السياسية والتزاما بعقيدة بلاده الدفاعية الصارمة، فإن دوامة إراقة الدماء ستعود للدوران بسرعة مرعبة، وسيتلاشى أي أمل في إبرام صفقة سلام وشيكة مع إيران، مما قد يشعل جبهات نائمة ويدفع المنطقة بأسرها نحو حافة الهاوية في ظل غياب أي ضامن دولي قادر على فرض تسوية عادلة وشاملة ومستدامة.

وفي حال وقوع هذا السيناريو الكارثي، سيخاطر الرئيس ترامب بأن يجد نفسه مجرد متفرج عاجز عن التأثير في مجريات صراع دام كان هو من أشعل شرارته الأولى قبل نحو مئة يوم، لتتحول مساعيه الدبلوماسية إلى حبر على ورق، وتتبخر أحلامه في استثمار هذا الملف لتحقيق مكاسب سياسية داخلية أو دولية، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى نفوذ واشنطن الحقيقي على حلفائها الاستراتيجيين في الشرق الأوسط.

وستكشف الأيام القليلة القادمة بشكل جلي ما إذا كان ترامب محقاً ومقنعاً في زعمه المتكرر بأنه لا يزال يتحكم بقوة في قرارات نتنياهو الاستراتيجية، أم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد تجاوز مرحلة الوصاية الأمريكية وبات يتصرف كفاعل مستقل تحركه هواجس البقاء في السلطة، وهو ما سيحدد في النهاية مصير التوترات الحالية ويرسم ملامح الخريطة الجيوسياسية الجديدة في ظل توازنات قوى إقليمية هشة ومتقلبة للغاية.

ويظل العامل الحاسم في هذه المعادلة المعقدة هو مدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على احتواء التداعيات الخطيرة لأي خطأ في الحسابات، فمع استمرار تدفق الأسلحة وتصاعد الخطاب العدائي من كافة الجهات، يبدو المشهد قابلا للانفجار في أي لحظة، لتصبح الدبلوماسية الهادئة الخيار الوحيد لتجنب حرب مدمرة لا تخدم سوى أطراف تسعى لتعزيز نفوذها على أنقاض دول المنطقة التي أنهكتها الصراعات السياسية والعسكرية المستمرة منذ عقود.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق