حين بصم نجيب محفوظ على محضر التحقيق.. اللحظة التي اعتبرها يوسف القعيد «قمة المأساة»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

لم تكن طعنة السكين التي استهدفت الأديب العالمي نجيب محفوظ عام 1994 هي المشهد الأكثر قسوة في محاولة اغتياله، بل ربما كانت اللحظة التي اضطر فيها صاحب جائزة نوبل إلى أن يبصم بإصبعه على محضر التحقيق، بعدما فقد القدرة على تحريك يده اليمنى التي كتبت عشرات الروايات والقصص وأهدت الأدب العربي أول جائزة نوبل في تاريخه.

هذه اللحظة الإنسانية المؤلمة يستعيدها الكاتب والروائي يوسف القعيد في كتابه «نجيب محفوظ.. إن حكى: ثرثرة محفوظية على النيل»، من خلال فصل بعنوان «محاولة الاغتيال الفاشلة»، كاشفًا تفاصيل الساعات الأولى التي أعقبت نجاته من سكين الإرهاب، وكيف تحولت بصمة الأديب الكبير إلى رمز يتجاوز الواقعة القانونية ليعكس مأساة ثقافية وحضارية كاملة.

يروي القعيد أن نجيب محفوظ نقل إلى المستشفى يوم 12 أكتوبر 1994 عقب تعرضه للاعتداء الدموي أمام منزله، وخضع لعملية جراحية دقيقة استغرقت أكثر من أربع ساعات، وبعد أيام قليلة من العلاج، رأى الأطباء أن حالته الصحية تسمح بالاستماع إلى أقواله، فانتقل رئيس نيابة أمن الدولة العليا إلى المستشفى لتسجيل شهادته حول الحادث،  ورغم وجوده داخل غرفة العناية المركزة، أصر محفوظ على الوقوف لتحية رئيس النيابة عند دخوله، كما أصر على الجلوس طوال فترة التحقيق التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات، وكان الدكتور يحيى سلامة، رئيس الفريق الطبي المعالج، حاضرًا طوال التحقيق للتأكد من أن حالة الأديب الكبير الصحية تسمح باستكماله دون مضاعفات.

وخلال التحقيق، احتلت رواية «أولاد حارتنا» مساحة واسعة من الأسئلة، باعتبارها العمل الذي استند إليه المتطرفون في حملتهم ضد محفوظ، غير أن الأديب الكبير تعامل مع الأمر بهدوء كامل، معتبرًا أن من حق المحقق أن يسأله عن الرواية، ومن واجبه أن يجيب عن كل ما يتعلق بها.

لكن اللحظة التي توقفت عندها ذاكرة يوسف القعيد طويلًا جاءت مع انتهاء التحقيق وضرورة التوقيع على المحضر، فقد كانت اليد اليمنى التي حملت القلم لعقود طويلة عاجزة عن الحركة بسبب الإصابة التي تعرض لها في رقبته وأثرت على أعصاب ذراعه.

وعندما سأل القعيد نجيب محفوظ عن كيفية توقيعه على أقواله، جاءت الإجابة بسيطة وموجعة في الوقت نفسه: «لقد بصمت بإصبعي».

ويصف القعيد وقع هذه الكلمات عليه بأنه كان صادمًا، فالرجل الذي ارتبط اسمه بالكتابة والإبداع وجد نفسه مضطرًا إلى استخدام البصمة بدلًا من التوقيع، وأوضح محفوظ له أن الموظف المختص أحضر «الختامة»، وغمس إصبعه فيها، ثم قام بالبصم على صفحات محضر التحقيق صفحة بعد أخرى، لأن القانون يقتضي إثبات أقواله بصورة رسمية.

ورغم أن محفوظ تعامل مع الأمر بعقلانية، مؤكدًا أنه يفهم الإجراءات القانونية بحكم عمله الحكومي السابق، فإن القعيد رأى في تلك البصمة دلالة تتجاوز حدود الواقعة الفردية، فقد استعاد مشاهد من الريف المصري حين كانت البصمة ترتبط بالأمية، قبل أن ينتشر التعليم ويصبح التوقيع بالقلم عنوانًا للمعرفة والكرامة الشخصية.

ومن هنا اعتبر أن اضطرار نجيب محفوظ إلى البصم لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل كان رمزًا لمأساة أكبر؛ مأساة مجتمع سمح للتطرف بأن يعتدي على أحد أهم رموزه الثقافية، وأن يشل اليد التي كتبت «الثلاثية» و«زقاق المدق» و«الحرافيش» وغيرها من الأعمال التي صنعت وجدان أجيال كاملة.

ويكشف الكتاب كذلك جانبًا آخر من أجواء التحقيق والمحاكمة، حين جرى استدعاء رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى داخل قاعة المحكمة، فقد استند أحد المحامين إلى عبارة قالها محفوظ لزوجته بعد إفاقته من الجراحة، إذ قال مازحًا: «ما دمت قد نجوت من القتل، إذن فالجبلاوي راضٍ عني».

ويؤكد القعيد أن محفوظ أوضح له لاحقًا أنه قال العبارة على سبيل الدعابة والسخرية من التأويلات التي ربطت بين شخصية «الجبلاوي» وبعض التفسيرات الدينية للرواية، لكن العبارة انتزعت من سياقها الإنساني والفني، واستخدمت داخل المحكمة بوصفها دليلًا على تأويلات لا علاقة لها بالمقصد الحقيقي لكاتبها.

ويذهب يوسف القعيد إلى أن ما تعرض له نجيب محفوظ لم يكن اعتداءً على شخصه فقط، بل كان اعتداءً على الثقافة العربية ذاتها، فالسكين التي استهدفت جسده كانت تستهدف في الحقيقة قيمة الإبداع وحرية الفكر، بينما جاءت البصمة لتصبح الشاهد الأكثر إيلامًا على نتائج ذلك المناخ الذي سمح للكراهية بأن تتحول إلى فعل دموي.

ويختتم القعيد تأمله في تلك الواقعة بالتأكيد على أن صورة نجيب محفوظ وهو يبصم على أوراق التحقيق ستظل واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن تلك المرحلة من التاريخ العربي الحديث، فبينما كان العالم يحتفي بالأديب المصري ويمنحه جائزة نوبل تقديرًا لإبداعه، كان هو يواجه في بلده محاولة اغتيال انتهت بشلل يده اليمنى واضطراره إلى البصم بدلًا من التوقيع، وتحولت البصمة، في نظر يوسف القعيد، من إجراء قانوني عابر إلى رمز تاريخي مكثف، فإذا كانت الطعنة هي الجريمة التي كادت تودي بحياة نجيب محفوظ، فإن البصمة كانت «قمة المأساة»، لأنها جسدت الثمن الذي يمكن أن يدفعه المثقف عندما يصبح هدفًا للتطرف والعنف.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق