.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في مثل هذا اليوم، 30 مايو، تحل ذكرى رحيل الكاتب والشاعر الروسي بوريس باسترناك، أحد أبرز الأسماء التي تركت أثرًا عميقًا في الأدب العالمي خلال القرن العشرين، بعدما ارتبط اسمه برواية «دكتور جيفاجو»، العمل الأدبي الذي فتح أمامه أبواب العالمية، وفي الوقت نفسه جلب له عزلة سياسية وثقافية داخل وطنه، بسبب ما اعتُبر انتقادًا مباشرًا للنظام السوفيتي.
رحل باسترناك عام 1960 عن عمر ناهز السبعين عامًا، بعد مسيرة أدبية وشعرية ثرية، ترك خلالها إرثًا من القصائد والترجمات والروايات، غير أن «دكتور جيفاجو» ظلت العمل الأبرز في حياته، والرواية التي تحولت إلى قضية سياسية وأيديولوجية تجاوزت حدود الأدب.
ولد بوريس باسترناك عام 1890 في بيئة ثقافية وفنية بمدينة موسكو، حيث نشأ وسط أسرة مثقفة؛ فوالده كان رسامًا معروفًا، ووالدته عازفة بيانو، وهو ما أسهم في تشكيل حسه الإبداعي المبكر.
وبرغم دراسته للفلسفة، اتجه إلى الأدب والشعر، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز شعراء روسيا الحديثة، قبل أن ينتقل إلى كتابة الرواية.

لكن التحول الأكبر في حياته جاء مع كتابته رواية دكتور جيفاجو، التي تناولت مصير الإنسان الروسي خلال سنوات الثورة البلشفية والحرب الأهلية السوفيتية، من خلال شخصية الطبيب والشاعر يوري جيفاجو، الذي يجد نفسه عالقًا بين الحب والفقد والتحولات السياسية العنيفة.
لم تكن الرواية مجرد عمل أدبي رومانسي أو تاريخي، بل حملت رؤية نقدية عميقة تجاه النظام الشيوعي، وطرحت أسئلة عن الحرية الفردية ومصير الإنسان في مواجهة الأيديولوجيا والسلطة. ولهذا السبب، لم تجد الرواية ناشرًا يوافق على إصدارها داخل الاتحاد السوفيتي، بعدما اعتُبرت مخالفة للخطاب الثقافي الرسمي.
وفي واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الأدب الحديث، هُرّبت مخطوطة «دكتور جيفاجو» خارج الحدود السوفيتية إلى إيطاليا، حيث نُشرت للمرة الأولى عام 1957، لتثير عاصفة من ردود الفعل المتناقضة؛ ففي الوقت الذي استقبلها الغرب بوصفها تحفة أدبية وإنسانية كبرى، قوبلت داخل الاتحاد السوفيتي بحملة هجوم واسعة، رغم أن كثيرًا من منتقديها لم يطلعوا عليها أصلًا.
وسرعان ما تحولت الرواية إلى مادة للصراع الثقافي والسياسي خلال سنوات الحرب الباردة، حيث رأت المؤسسات الثقافية الغربية في العمل شهادة أدبية على أزمة الإنسان تحت الأنظمة الشمولية، بينما تعاملت معها السلطات السوفيتية بوصفها نصًا معاديًا للدولة.
وفي عام 1958، تُوّج باسترناك بجائزة جائزة نوبل في الأدب تقديرًا لإسهاماته الأدبية، خاصة «دكتور جيفاجو»، غير أن الجائزة تحولت إلى أزمة جديدة في حياته.
فبعد حملة ضغوط وانتقادات عنيفة من السلطات السوفيتية، واتهامات بالخيانة والتواطؤ مع الغرب، اضطر الكاتب إلى رفض الجائزة، رغم امتنانه العلني لها، خوفًا من النفي أو فقدان حقه في البقاء داخل بلاده.
ودفع باسترناك ثمنًا إنسانيًا باهظًا بعد ذلك، إذ عاش سنواته الأخيرة في عزلة نسبية، وتعرض لحملات تشويه وانتقادات مستمرة، قبل أن يرحل في 30 مايو 1960.
ولم يحضر جنازته سوى عدد محدود من المقربين والمعجبين الأوفياء، في مشهد بدا وكأنه امتداد للعزلة التي فُرضت عليه في سنواته الأخيرة.
لكن الزمن أعاد الاعتبار تدريجيًا للكاتب وروايته؛ ففي عام 1987، ومع انطلاق سياسات الإصلاح المعروفة باسم البيريسترويكا والجلاسنوست داخل الاتحاد السوفيتي، نُشرت «دكتور جيفاجو» رسميًا للمرة الأولى في وطنها الأم، بعد عقود من الحظر، لتتحول من رواية ممنوعة إلى أحد كلاسيكيات الأدب الروسي والعالمي.
ولم تتوقف شهرة العمل عند حدود الأدب، إذ تحولت الرواية عام 1965 إلى الفيلم الملحمي الشهير “دكتور زيفاجو” للمخرج ديفيد لين، بطولة عمر الشريف وجولي كريستي، مع موسيقى تصويرية وضعها الموسيقار موريس جار؛ وحقق الفيلم نجاحًا عالميًا كبيرًا، حاصدًا خمس جوائز أوسكار، كما أصبح أحد أكثر الأفلام نجاحًا في تاريخ شباك التذاكر العالمي.
















0 تعليق