الشرق الأوسط وإدارة المخاطر: صراع الممرات وتحديات التوازن الإقليمي

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

يشهد الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من السيولة الاستراتيجية، حيث تتداخل الحروب التقليدية مع الصراعات غير المباشرة، وتتقاطع الحسابات الإقليمية مع تنافس القوى الدولية الكبرى على النفوذ والمصالح. وقد كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وتداعياتها عن حجم التحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، ليس فقط بسبب احتمالات التصعيد العسكري، وإنما أيضاً نتيجة ما أفرزته من إعادة تشكيل للتحالفات، وتصاعد الاستقطاب الإقليمي، وارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية. كما أظهرت هذه الحرب أن أي مواجهة واسعة في الشرق الأوسط لم تعد تقتصر آثارها على حدود الدول المنخرطة فيها، بل تمتد سريعاً إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.

فقد أسفرت العمليات العسكرية عن إلحاق أضرار بالغه بالقدرات العسكرية الإيرانية، من دون أن تؤدي إلى إسقاط النظام أو إنهاء الجدل المرتبط بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب او بامكاناتها الصاروخيه كما أدت التطورات العسكرية وما رافقها من تهديدات للملاحة البحرية إلى تصاعد المخاوف بشأن أمن مضيق هرمز واستقرار إمدادات الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية الشاملة فاختيار الأهداف لا يمكن أن يعوض غياب الاستراتيجية

وفي هذا السياق، يجب ان تمثل إدارة المخاطر أولوية استراتيجية لدول المنطقة، خصوصاً في ظل اتساع نطاق التدخلات الخارجية السياسية والعسكرية، وتزايد ارتباط الأزمات الإقليمية بحسابات التنافس الدولي. فالشرق الأوسط لم يعد مجرد مسرح لصراعات محلية أو خلافات ثنائية بين دول الجوار، بل تحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، في ظل التنافس الأمريكي–الروسي–الصيني، إلى جانب أدوار  لبعض القوي الاقليميه، التي تسعى بدورها إلى توسيع مجالات تأثيرها السياسي والعسكري والاقتصادي.

وقد اتخذت هذه التدخلات أشكالاً متعددة، تبدأ من الوجود العسكري المباشر والقواعد الأجنبية والانتشار البحري ولا تنتهي عند حدود الدعم السياسي والمالي والعسكري لقوى محلية وإقليمية متصارعة. كما ساهمت سياسة المحاور والتحالفات المتنافسة في تعميق الانقسامات داخل عدد من الدول العربية، وتحويل بعض النزاعات الداخلية إلى ساحات صراع بالوكالة، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع المصالح الدولية بصورة معقدة. وفي كثير من الأحيان، أصبحت بعض الأزمات تستمر ليس بسبب قوة الأطراف المحلية فحسب، وإنما نتيجة ارتباطها بتوازنات دولية وإقليمية تجعل تسويتها أكثر صعوبة.

وقد أدى ذلك إلى إضعاف مفهوم الدولة الوطنية في عدد من بلدان المنطقة، حيث تراجعت قدرة بعض الحكومات على احتكار أدوات القوة والسيطرة على المجال الأمني، في مقابل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة والميليشيات العابرة للحدود. كما أسهمت التدخلات الخارجية في إعادة تشكيل أولويات الصراعات، بحيث لم تعد بعض الحروب تدور فقط حول قضايا داخلية، بل أصبحت مرتبطة بصراعات النفوذ والطاقة والممرات البحرية والتوازنات العسكرية الإقليمية. وهو ما أدى إلى إطالة أمد النزاعات، واستنزاف الموارد الاقتصادية، وتعميق الأزمات الإنسانية والهجرات القسرية، فضلاً عن تصاعد مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب السلاح.

ومن هنا، فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه دول الشرق الأوسط لم يعد يقتصر على احتواء الأزمات القائمة أو التوصل إلى ترتيبات تهدئة مؤقتة، وإنما يمتد إلى منع تحول تلك الأزمات إلى صراعات إقليمية شاملة يصعب التحكم في تداعياتها. فالتشابك القائم بين الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية يجعل أي انفجار واسع في المنطقة قادراً على تهديد أمن الطاقة العالمي، وتعطيل التجارة الدولية، وخلق موجات جديدة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط نفسه.

وتأتي قضية أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب في قلب معادلة إدارة المخاطر الإقليمية. فهاتان المنطقتان تمثلان شرياناً حيوياً لتدفق النفط والغاز والتجارة العالمية، وأي اضطراب فيهما ينعكس فوراً على الاقتصاد الدولي. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الممرات البحرية لم تعد مجرد نقاط للعبور، بل تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجية تستخدمها القوى الإقليمية في سياقات الصراع والردع المتبادل. ومن هنا، فإن السماح لأي طرف منفرد بفرض هيمنته على تلك الممرات من شأنه أن يخل بالتوازن الإقليمي ويفتح الباب أمام مواجهات عسكرية متكررة. ولذلك، تبدو الحاجة ملحة لبناء ترتيبات أمنية جماعية تضمن حرية الملاحة وتحول دون عسكرة الممرات البحرية أو استخدامها كورقة ابتزاز سياسي.

ويرتبط بذلك تحدٍ آخر لا يقل خطورة، يتمثل في حماية شبكات ومنشآت تصدير البترول والغاز ومحطات تحلية مياه البحر. فالبنية التحتية للطاقة والمياه أصبحت هدفاً رئيسياً في الحروب الحديثة، سواء عبر الهجمات العسكرية المباشرة أو الهجمات السيبرانية. كما أن اعتماد عدد من دول الخليج على تحلية مياه البحر يجعل أي استهداف لهذه المنشآت تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي والأمن الإنساني، وليس فقط للاقتصاد الوطني. ومن ثم، فإن إدارة المخاطر تتطلب تطوير منظومات دفاع مشتركة، وتعزيز التعاون الإقليمي في مجالات الأمن البحري وأمن الطاقة والأمن السيبراني، بما يقلل من قدرة الفاعلين الإقليميين وغير الإقليميين على استغلال نقاط الضعف الاستراتيجية.

ولا تقتصر تداعيات المخاطر الإقليمية على الجوانب الأمنية والعسكرية فحسب، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والتنموية. فاستمرار التوترات والصراعات ينعكس سلباً على تدفقات الاستثمار الأجنبي، ويرفع تكاليف التأمين والشحن البحري، ويؤثر في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. كما يؤدي عدم الاستقرار إلى استنزاف الموارد المالية للدول وتوجيهها نحو الإنفاق الدفاعي والأمني على حساب خطط التنمية والبنية التحتية والخدمات العامة. ومن ثم، فإن تعزيز الاستقرار الإقليمي يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام وتحسين مستويات المعيشة في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، تبرز قضية التوازن الإقليمي باعتبارها إحدى القضايا المركزية في مستقبل الشرق الأوسط. فهناك إدراك متزايد لدى عدد من القوى الإقليمية بأن التحولات الراهنة قد تؤدي إلى ترسيخ هيمنة استراتيجيه إسرائيليه طويل الأمد، سواء من خلال التفوق العسكري أو عبر إعادة تشكيل التحالفات السياسية والأمنية في المنطقة. وتثير هذه المخاوف تساؤلات بشأن مستقبل موازين القوى الإقليمية واحتمالات تصاعد الاستقطاب وسباقات التسلح. كما أن غياب تسوية عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية يزيد من صعوبة بناء نظام إقليمي مستقر، ويُبقي احتمالات التوتر والانفجار قائمة في أي وقت.

وفي الوقت نفسه، تعكس هشاشة الأوضاع في غزة والسودان وسوريا وليبيا حجم التحديات التي تواجه مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة. فوقف إطلاق النار في غزة ما يزال هشاً وقابلاً للانهيار في ظل غياب أفق سياسي واضح، بينما تستمر الحرب في السودان في تهديد وحدة الدولة ومؤسساتها، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي. أما في سوريا وليبيا، فإن استمرار الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية وتعدد مراكز القوة المسلحة يجعل احتمالات الاستقرار الكامل محدودة في المدى المنظور بما قد يحول هاتين الساحتين إلى مصدر دائم للمخاطر الأمنية والهجرات غير الشرعية وانتشار الجماعات المسلحة.

وإلى جانب هذه الملفات، يبقى الخلاف المصري–الإثيوبي بشأن سد النهضة نموذجاً واضحاً للتحديات المرتبطة بأمن الموارد الاستراتيجية في الشرق الأوسط وإفريقيا. فالقضية لا تتعلق فقط بتوزيع المياه، وإنما ترتبط أيضاً بمفهوم الأمن القومي وحق الدول في الحفاظ على مواردها الحيوية، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ضرورة لتجنب انتقال الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة.

‎وتشير خبرة العقود الأخيرة إلى أن التدخلات الخارجية السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط نادراً ما نجحت في تحقيق الأهداف التي أُعلنت عند انطلاقها. ففي كثير من الحالات، أسهمت هذه التدخلات في تعقيد الأزمات بدلاً من احتوائها، وأدت إلى إطالة أمد الصراعات وتفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف الاستقرار الإقليمي. كما ترتبت عليها تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية باهظة، لم تقتصر على دول المنطقة وشعوبها، بل امتدت أيضاً إلى القوى المتدخلة نفسها، التي وجدت أن نتائج التدخل كثيراً ما جاءت مغايرة لحساباتها الأولية وأقل من أهدافها المعلنة. ومن ثم، فإن التجارب المتراكمة تؤكد أن فرض الترتيبات السياسية أو الأمنية من الخارج لا يوفر بديلاً مستداماً عن الحلول التي تنبع من التوافقات الوطنية والإقليمية، وأن إدارة المخاطر في الشرق الأوسط تظل أكثر ارتباطاً ببناء التوازنات وتعزيز مؤسسات الدولة والحوار السياسي، منها بالاعتماد على أدوات القوة العسكرية الخارجيه


وفي ضوء هذه التحديات، يبدو أن مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط سيظل مرتبطاً بقدرة دول المنطقة على تطوير مقاربة جماعية لإدارة المخاطر، تقوم على حماية التوازنات الإقليمية، ومنع الهيمنة، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، وإعادة الاعتبار للحلول السياسية والدبلوماسية. فغياب هذه المقاربة يعني بقاء المنطقة رهينة لدورات متكررة من الصراع وعدم الاستقرار، بما يهدد ليس فقط أمن الشرق الأوسط، وإنما أيضاً اساس  النظام الدولي بأسره.

 

السفير عمرو حلمي 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق