.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
بعد تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية ووصولها إلى طريق شبه مسدود، عاد شبح الحرب ليخيم مجددًا فوق منطقة الخليج، فى مشهد يبدو وكأن جميع المسارات السياسية والعسكرية تقود إلى نقطة واحدة، مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران. المنطقة اليوم لا تعيش حالة استقرار حقيقى، بقدر ما تقف فوق هدنة هشة معلقة فوق نار قابلة للاشتعال فى أى لحظة.
هذه المعادلة لم تعد قابلة للاستمرار طويلًا، إذ إن حالة «اللا حرب واللا سلم» تحمل فى داخلها بذور الانفجار، خاصة مع تصاعد الاستفزازات العسكرية وتراجع فرص الحلول الدبلوماسية.
ومع مرور الوقت، قد تصبح كُلفة الحرب بالنسبة للطرفين أقل من كُلفة استمرار التوتر المفتوح دون حسم، وهو ما يفسر التحركات العسكرية المتسارعة خلال الأيام الأخيرة.
وفى مؤشر على عودة التصعيد، شنت الولايات المتحدة للمرة الثانية خلال أسبوع واحد هجمات على أهداف داخل إيران، مؤكدة أن الضربات جاءت «دفاعًا عن النفس»، واستهدفت الغارات الأمريكية موقعًا عسكريًا فى بندر عباس، قالت القيادة المركزية الأمريكية إنه كان يستخدم لتشغيل طائرات مُسيرة هجومية إيرانية تهدد الملاحة فى مضيق هرمز.
وبحسب الرواية الأمريكية، فإن القوات الأمريكية أسقطت أربع طائرات مسيرة هجومية، بينما كانت محطة التحكم الأرضية المستهدفة تستعد لإطلاق طائرة خامسة. غير أن طهران اعتبرت الهجوم «عدوانًا مباشرًا»، وهو ما دفع الحرس الثورى الإيرانى إلى الإعلان عن استهداف قاعدة جوية أمريكية قال إنها انطلقت منها العملية العسكرية ضد بندر عباس، متوعدًا بـ«رد حاسم» على أى هجوم جديد.
هذا التصعيد العسكرى ترافق مع تصعيد سياسى وإعلامى متبادل، إذ أدان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائى «العدوان العسكرى الأمريكى»، معتبرًا أن ما جرى يمثل انتهاكًا للسيادة الإيرانية وتصعيدًا خطيرًا يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وفى المقابل، بدأت الأطراف الإقليمية تتابع التطورات بقلق متزايد، خاصة بعد إعلان الكويت عن اعتراض صاروخ باليستى أطلقته إيران باتجاه أراضيها، فى تطور يعكس اتساع دائرة التصعيد خارج حدود المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.
وأكدت القوات الكويتية نجاحها فى اعتراض الصاروخ دون وقوع خسائر، فيما سارعت الخارجية الكويتية إلى إدانة الهجوم، واصفة إياه بأنه «تصعيد خطير وانتهاك صارخ لسيادة الدولة وأمنها وتهديد مباشر لحياة المدنيين».
ويكشف هذا التطور عن مرحلة أكثر حساسية فى الأزمة، إذ لم تعد التوترات مقتصرة على تبادل الرسائل العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بل بدأت تمتد إلى دول الخليج، ما يعزز المخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة إقليمية مفتوحة قد تتجاوز حسابات الطرفين وتضع أمن الخليج بأكمله أمام اختبار غير مسبوق.
ومع اتساع دائرة التوتر، تبدو احتمالات العودة إلى العمل العسكرى أكثر واقعية من أى وقت مضى، وإن كان ذلك بصورة تدريجية وليست عبر حرب شاملة منذ اللحظة الأولى.
السيناريو الأقرب يتمثل فى تصعيد متدرج يبدأ بضربات محدودة وردود محسوبة، ثم يتوسع مع كل عملية انتقامية جديدة، وصولًا إلى استهداف منشآت الطاقة وخطوط الملاحة فى الخليج، وهو السيناريو الأخطر عالميًا بسبب تأثيره المباشر على أسواق النفط والتجارة الدولية.
وفى هذا السياق، جاءت التصريحات الأمريكية الأخيرة لتعكس حجم التوتر المتصاعد، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء، حين أكد أن «لا أحد سيسيطر على مضيق هرمز»، ملمحًا إلى إمكانية استهداف سلطنة عمان إذا ما اتخذت موقفًا يعرقل الرؤية الأمريكية لإدارة الممر المائى الاستراتيجى.
وقال ترامب: «هذه مياه دولية، وعلى عُمان أن تتصرف مثل أى دولة أخرى، وإلا فسنضطر إلى قصفها»، فى تصريح أثار جدلًا واسعًا بالنظر إلى طبيعة العلاقات العسكرية والاقتصادية الممتدة بين واشنطن ومسقط منذ عقود، كما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن حدود التصعيد الأمريكى فى المنطقة.
وفى مواجهة هذه الرسائل الأمريكية، شدد الحرس الثورى الإيرانى على أن عبور مضيق هرمز يتطلب «تصريحًا وتنسيقًا مع القوات البحرية الإيرانية»، فى رسالة واضحة تؤكد تمسك طهران بسيطرتها الأمنية على المضيق، الذى يمثل أحد أهم شرايين الطاقة فى العالم.
ورغم النبرة التصعيدية المتبادلة، لا تزال الدبلوماسية تتحرك فى الخلفية، وإن بصورة حذرة ومتناقضة. فقد أبدى ترامب تفاؤلًا عندما قال إن اتفاق السلام مع إيران «تم التفاوض عليه إلى حد كبير»، لكنه عاد وأكد فى الوقت نفسه أنه «غير راضٍ» عن المقترحات الإيرانية الأخيرة، ما يعكس حجم التعقيد الذى ما زال يحيط بالمفاوضات.
وجاءت هذه التصريحات بعد تقارير بثها التليفزيون الإيرانى تحدثت عن مسودة اتفاق مزعومة تشمل إعادة فتح مضيق هرمز وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، وهى التقارير التى سارع البيت الأبيض إلى نفيها، واصفًا إياها بأنها «مُختلقَة بالكامل».
ورغم الحديث عن إحراز تقدم فى المفاوضات خلال الأيام الماضية، فإن المؤشرات الحالية توحى بأن فرص الاتفاق لا تزال بعيدة، خاصة مع تحذير طهران من أن الاتفاق «ليس وشيكًا»، بالتزامن مع تصريحات ترامب التى أكد فيها أنه طلب من فريقه التفاوضى «عدم التسرع» فى إبرام أى تفاهم مع الإيرانيين.
إن أى خطأ فى الحسابات العسكرية قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها، خصوصًا مع تزايد الحديث داخل دوائر القرار الأمريكية عن احتمالات تنفيذ عمليات برية محدودة تستهدف الجزر الإيرانية الحساسة مثل خرج وقشم، فى محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة على طهران.
وفى ظل هذا المشهد المعقد والمتسارع، تبدو المنطقة وكأنها تقف فوق حافة انفجار كبير، حيث لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران مجرد احتمال سياسى بعيد، بل سيناريو يتقدم تدريجيًا مع كل ضربة عسكرية وكل تعثر دبلوماسى جديد.
وبينما تتصاعد المواجهة السياسية والعسكرية بين واشنطن وطهران، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الهشاشة، حيث باتت أى شرارة قادرة على إشعال مواجهة تتجاوز حدود الخليج إلى الشرق الأوسط بأكمله.
التصعيد المتبادل لم يعد مجرد رسائل ضغط وتحذير، بل تحول إلى اختبار مفتوح لإرادة الطرفين وحدود قدرتهما على فرض معادلات جديدة بالقوة.
وفى ظل تراجع فرص التسوية واتساع دائرة التوتر، يبقى الشرق الأوسط معلقًا بين لحظة انفجار قد تُعيد تشكيل موازين القوى فى المنطقة، أو تسوية اضطرارية تُفرض تحت ضغط النار قبل فوات الأوان.









0 تعليق