.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
الخميس 28/مايو/2026 - 03:22 م 5/28/2026 3:22:07 PM
لم يكن الفنان الراحل المنتصر بالله مجرد عابر فى مشهد الكوميديا العربية، بل كان ممثلًا يملك شفرة خاصة وخفيفة لكسب القلوب. فى وقت كان فيه الضحك يعتمد أحيانًا على المبالغة الحركية أو الصوتية، اختار هو طريقًا مغايرًا: الذكاء فى التقاط اللحظة، والاعتماد على ملامح وجه صبغتها طبيعة باسمة، ونبرة صوت تتأرجح ببراعة بين الجدية التامة والسخرية المبطنة.
فى العرف الفنى، يُطلق على الممثل الذى يخطف الأنظار من أبطال العمل الأساسيين وصف سارق المشاهد. وكان المنتصر بالله محترفًا فى هذا المضمار، لكن برضا زملائه ومحبتهم. فعندما كان يقف على خشبة المسرح أمام عمالقة مثل فؤاد المهندس أو فريد شوقى، لم يكن يستجدى الضحك عبر إطالة المكوث أو تكرار الجمل. بل كان يدرك متى يصمت، ومتى يمنح الممثل الآخر مساحته، ومتى يتدخل بإيفيه خاطف وموجز يقلب الصالة ضحكًا. هذا الفهم الدقيق للإيقاع المسرحى جعله صمام أمان لأى عمل يشارك فيه؛ فهو القادر على ضخ الحيوية فى النص بمجرد إيماءة أو نظرة عين حائرة.
ورغم تصنيفه فنانًا كوميديًا، فإن نظرة فاحصة على أدوار المنتصر بالله السينمائية والتليفزيونية تكشف عن قدرة درامية رصينة. لم يبتذل موهبته فى أدوار مسطحة، بل كان يمنح الشخصيات الهامشية أبعادًا إنسانية تجعلها مألوفة للمشاهد. ففى السينما، كان يشكل الميزان الذى يخفف من وطأة الأجواء القاتمة فى الأفلام الجادة من غير أن يخل برصانتها. وفى التليفزيون، قدم شخصيات تحرك الأحداث وتضفى عليها نكهة واقعية تشبه بيوتنا وشوارعنا.
إن القيمة الحقيقية للمنتصر بالله تكمن فى أنه لم يحتج إلى البطولة المطلقة ليدخل التاريخ الفنى؛ فقد أثبت عبر مسيرته أن المساحة الإدائية ليست بالكم، بل بالكيف والأثر. وتجسدت فى تجربته تلك المدرسة العفوية التى تعلم الأجيال أن الكوميديا الحقيقية هى التى تنبع من صدق الممثل وتصالحه مع دوره، لتظل ضحكته باقية وصالحة لكل زمان.














0 تعليق