.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تتصدر جمهورية كازاخستان قائمة الدول المرشحة لاستضافة مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب بعدما رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاطع تسليم هذا المخزون إلى روسيا أو الصين عقب اجتماع مطول لمجلس الوزراء الرئاسي في البيت الأبيض أثار تساؤلات عميقة حول مستقبل الملف النووي في ظل تعنت الأطراف الدولية وإصرار واشنطن على إيجاد طرف ثالث يحظى بثقة جماعية لإبعاد "الغبار النووي" عن مناطق الصراع الجيوسياسي المشتعلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحديات أمنية بالغة التعقيد تتطلب حلولاً دبلوماسية مبتكرة وغير تقليدية لتفادي مواجهة شاملة مدمرة، ويسعى المجتمع الدولي جاهداً لتفكيك معضلة التخصيب الإيراني العالي الذي وصل إلى مستويات مقلقة تقرب طهران من عتبة السلاح النووي مما جعل من اختيار وجهة بديلة للمخزون أمراً ملحاً وحتمياً لحفظ الاستقرار الإقليمي، ويمثل التحرك الأميركي الأخير رغبة واضحة في صياغة معادلة أمنية جديدة تضمن نزع فتيل الأزمة النووية دون تقديم تنازلات استراتيجية تؤثر على توازن القوى العالمي في ظل التحالفات الناشئة.
وحسب تقرير موسع نشرته اندبندنت عربية فإن إعلان الرئيس الكازاخستاني قاسم زومارت توكاييف استعداد بلاده لدعم حل الأزمة النووية خلال مباحثاته مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي في أستانا عزز مكانة أستانا كبديل مثالي يمتلك البنية التحتية والخبرة التاريخية اللازمة لإدارة مثل هذه العمليات الحساسة والمعقدة بالتعاون الكامل مع الهيئات الأممية المراقبة لانتشار الأسلحة.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي الكازاخستاني في إطار سياسة حسن النية التي تنتهجها أستانا لتعزيز الأمن والسلم الدوليين وتجنيب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري المستمر الذي يهدد خطوط الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز، ويحظى هذا الاستعداد بترحيب مبدئي في الدوائر الغربية التي تبحث عن مخرج آمن وموثوق يضمن عدم تسرب المواد النووية الحساسة إلى قوى عظمى منافسة قد تستغل الملف لتحقيق مكاسب استراتيجية خاصة بها على حساب الأمن العالمي، مما يجعل من الخيار الكازاخستاني نموذجاً يحتذى به في الدبلوماسية الوقائية متعددة الأطراف.
فيتو أميركي قاطع يقصي روسيا والصين من المعادلة النووية
أحدث تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب صدمة في الأوساط الدبلوماسية عندما عبر عن عدم ارتياحه المطلق لنقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى روسيا أو الصين قاطعاً الطريق أمام أي دور محتمل لهاتين القوتين العظميين في الاتفاق المرتقب.
ويرتكز الرفض الأميركي على مخاوف عميقة تتعلق بالشفافية والسيطرة طويلة الأمد والنفوذ الجيوسياسي المتزايد لبكين وموسكو اللتين ترتبطان بعلاقات استراتيجية متينة مع طهران مما قد يحول المواد النووية إلى ورقة ضغط سياسية جديدة ضد واشنطن وحلفائها، وتفتقر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين حالياً إلى الحد الأدنى من الثقة المتبادلة اللازمة لإبرام ترتيبات أمنية بهذا الحجم والخطورة، لا سيما أن السياسة الخارجية الصينية تركز بشكل أساسي على أمن الطاقة المحلي والاستقرار الاقتصادي وتتحفظ على الدخول في مواجهات مباشرة أو تحمل مسؤوليات أمنية حرجة كضامن نووي لإيران، وهو ما جعل الإدارة الأميركية تستبعد تماماً الفكرة الصينية وتعتبرها غير عملية ولا تخدم مصالح الأمن القومي الأميركي على المدى الطويل.
وعلى الجانب الآخر فإن روسيا ورغم امتلاكها تجربة سابقة ناجحة في التعاون مع إيران عندما نقلت 11 طناً من اليورانيوم المخصب بموجب اتفاق عام 2015 بالإضافة إلى خبرتها التاريخية في معالجة اليورانيوم السوفياتي القديم إلا أن عرضها استبعد تماماً من طاولة المفاوضات الحالية، وتنظر واشنطن بعين الريبة إلى أي مقترح تفاوضي تتقدم به موسكو في ظل الأوضاع الدولية الراهنة وتصر على فرض شروط رقابية صارمة ومختلفة كلياً تتجنب أي لبس أو غموض في القدرات النووية الإيرانية المستقبيلية، وتعتبر الإدارة الأميركية أن نقل المخزون إلى دولة تتمتع بعضوية دائمية في مجلس وتخوض نزاعات جيوسياسية حادة مع الغرب سيعقد عمليات التحقق والمراقبة التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما جعل البحث عن دولة ثالثة محايدة جغرافياً وسياسياً وتتمتع برضا كافة الأطراف المتنازعة خياراً وحيداً لا بديل عنه للمضي قدماً في تفاصيل الاتفاق المحدود المقترح لتمديد وقف إطلاق النار وتخفيف التوترات الإقليمية.
مؤهلات نووية وبنية تحتية فريدة تعزز موقف أستانا الدولي
تتميز دولة كازاخستان بسجل استثنائي فريد في مجال عدم الانتشار النووي منذ تفكك الاتحاد السوفياتي السابق وتخلصها الطوعي والمسؤول من أكبر ترسانة نووية ورثتها آنذاك وانضمامها الفوري لمعاهدة حظر الانتشار مما منحها مصداقية دولية لا مثيل لها، وجعل هذا التاريخ العريق من إدارة المواد النووية بشكل آمن ومسؤول أستانا محط أنظار العالم عند حدوث الأزمات النووية المستعصية حيث تحظى بثقة مطلقة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي اختارتها لتكون المقر الوحيد في العالم للبنك الدولي لليورانيوم منخفض التخصيب.
وتم تدشين هذا البنك عام 2017 ليعمل كمستودع محايد وآمن يضمن تزويد الدول بالوقود النووي للأغراض السلمية ويغنيها عن تطوير تقنيات تخصيب محلية قد تثير الشكوك، وتستعد البلاد لتشييد محطات طاقة نووية جديدة مما يعكس طفرة نوعية في حجم التعاون الفني والتنسيق الأمني المشترك مع المراقبين الدوليين والهيئات الأممية المتخصصة في رصد الأنشطة الذرية.
ولا تقتصر قوة كازاخستان على تاريخها السياسي بل تمتد إلى قدراتها الاقتصادية والصناعية الهائلة حيث تنتج البلاد وحدها نحو 40 في المئة من إجمالي اليورانيوم في العالم مما يجعلها المورد الأكبر واللاعب الأبرز في دورة الوقود النووي العالمية بالكامل، وتوفر هذه المكانة الصناعية المتميزة لأستانا بنية تحتية متطورة ومرافق معملية عملاقة وخبرات بشرية مدربة على أعلى مستوى للتعامل مع المواد المشعة ومعالجتها وتخزينها وفق أدق المعايير الأمنية العالمية، وتتبنى الدولة سياسة خارجية متعددة الأبعاد تتيح لها نسج علاقات متوازنة ومتينة مع القوى الغربية وروسيا والصين ودول الشرق الأوسط على حد سواء، وتمنحها هذه الدبلوماسية المرنة والمحايدة قدرة نادرة على لعب دور الوسيط المقبول والموثوق من جميع أطراف النزاع الدولي مما يزيل كافة الهواجس المتعلقة بالشفافية والرقابة والسيطرة طويلة الأمد التي أفشلت المقترحات السابقة.
عوائد اقتصادية حيوية وروابط تاريخية عميقة تجمع أستانا وطهران
تتسم العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين كازاخستان وإيران بالعمق والتجذر التاريخي والتعاون العملي المستند إلى إرث طريق الحرير المشترك الذي يمتد لقرون طويلة بين البلدين الشقيقين عبر قارة أوراسيا، وتحافظ الدولتان منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما عام 1992 على شراكة ودية ترتكز على التجارة الزراعية والتعاون اللوجستي والمصالح الحدودية المشتركة في حوض بحر قزوين مدفوعة بطموح اقتصادي كبير للوصول بالتبادل التجاري السنوي إلى 3 مليارات دولار، غير أن هذه الديناميكية الاقتصادية شهدت تباطؤاً حاداً في الآونة الأخيرة جراء تصاعد الصراعات العسكرية والتوترات الأمنية في منطقة الخليج العربي والعقبات المصرفية المستمرة الناجمة عن العقوبات الأميركية والدولية المفروضة على طهران، مما أدى إلى تراجع حجم التعاون التجاري الفعلي ليتوقف عند حدود 450 مليون دولار أميركي فقط مما أضر بمصالح المنتجين والمزارعين الكازاخستانيين بشكل مباشر.
لذلك فإن مساهمة كازاخستان في حل العقدة النووية المستعصية ونقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى أراضيها بالتوازي مع رفع العقوبات الأميركية سيوفر لأستانا منفذاً حيوياً واستراتيجياً نحو مياه الخليج العربي الدافئة للتجارة العالمية، وسيتيح هذا الممر البحري الجديد لكازاخستان تصدير منتجاتها الزراعية والحيوانية إلى الأسواق العالمية مباشرة مما يقلل تكاليف الشحن وأوقات النقل ويغنيها عن الطرق الشمالية المزدحمة عبر روسيا المليئة بالمخاطر الجيوسياسية.
كما أن رفع العقوبات سيزيل تماماً مخاطر العقوبات الثانوية عن الشركات الكازاخستانية ويسمح لها بالاستفادة القصوى من البنية التحتية المشتركة وتوسيع نفوذها الاقتصادي، وستشهد الصادرات الزراعية قفزة كبرى حيث تعد إيران تاريخياً وجهة رئيسية للحبوب الكازاخستانية وتستوعب أكثر من 25 في المئة من صادرات القمح و60 في المئة من مبيعات الشعير، وستؤدي إزالة القيود المالية إلى تبسيط المعاملات البنكية وزيادة أرباح المزارعين دون تكاليف باهظة للتأمين وتحويل العملات المعقدة.
شراكة استراتيجية مع واشنطن وتطبيع متطور للعلاقات مع إسرائيل
تتميز العلاقات الثنائية بين كازاخستان والولايات المتحدة بقوة استثنائية يصفها الدبلوماسيون بأنها تمر حالياً في أوج قوتها التاريخية انطلاقاً من شراكة استراتيجية معززة تراعي الجغرافيا السياسية الفريدة لآسيا الوسطى، وتعد الولايات المتحدة المستثمر الأجنبي الأكبر في البلاد باستثمارات مباشرة تجاوزت حاجز 60 مليار دولار أميركي وتعمل في أسواقها أكثر من 600 شركة أميركية عملاقة مثل شيفرون وإكسون موبيل في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات.
وتركز واشنطن حالياً على أستانا كمصدر رئيسي ومأمون للمعادن الحيوية والنادرة والتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية السلمية، ورغم احتفاظ كازاخستان بعلاقاتها التاريخية مع جيرانها في روسيا والصين إلا أنها أصبحت الشريك الأكثر حيوية للسياسة الأميركية في المنطقة وتحظى بدعم قوي لتطوير طرق تجارية بديلة تتجاوز الهيمنة الروسية بالإضافة للتعاون الأمني المستمر في مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار النووي.
وعلى صعيد متصل ترتبط كازاخستان بعلاقات دبلوماسية طبيعية ومستقرة مع إسرائيل تعود إلى فترة تسعينيات القرن الماضي وتميزت بالهدوء والتعاون البناء في المجالات التقنية والعلمية والدفاعية، وشهدت هذه العلاقات قفزة نوعية كبرى عقب موافقة أستانا على الانضمام إلى الميثاق الدبلوماسي لاتفاقات أبراهام في السادس من نوفمبر من عام 2025 موسعة نطاق السلام ليشمل مناطق جديدة خارج الشرق الأوسط.
وتستغل كازاخستان موقعها كدولة محايدة ذات أغلبية مسلمة لتعزيز الحوار بين الأديان والعمل كجسر دبلوماسي يربط إسرائيل بالعالم الإسلامي وتطمح الدولتان لمضاعفة حجم التجارة وتسيير رحلات جوية مباشرة، وتقدم إسرائيل خبراتها التقنية في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأنظمة الدفاعية المتطورة مقابل الحصول على النفط الخام والقمح الكازاخستاني، مما يضمن موافقة تل أبيب الكاملة وعدم إبدائها أي معارضة أو شكوك حول اختيار كازاخستان كجهة نهائية لاستضافة ومعالجة المخزون النووي الإيراني المخصب.
تعقيدات لوجستية وتحديات ميدانية تعترض خريطة الطريق المقترحة
رغم التوافق الدولي العريض حول دور كازاخستان المحوري إلا أن عملية نقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب تواجه تحديات فنية ولوجستية بالغة التعقيد والخطورة على أرض الواقع، وتشير التقارير الدولية إلى أن المراقبين الأمميين لم يتمكنوا من زيارة المنشآت النووية الإيرانية الحساسة منذ ما يقارب عشرة أشهر كاملة مما يثير الغموض حول الوضع الفعلي للمخزون.
وتزيد الأضرار الكبيرة الناجمة عن الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية المشتركة التي استهدفت مجمعي أصفهان ونطنز في يونيو من العام الماضي من صعوبة استخراج ونقل المواد المشعة المخزنة في أنفاق محصنة عميقة تحت الأرض، ووصف خبراء أمنيون سابقون في البنتاغون هذه العملية المرتقبة بأنها ستكون العملية الأكثر تعقيداً وخطورة في تاريخ عمليات إزالة المواد النووية نظراً للمتطلبات اللوجستية الفائقة والمخاطر الأمنية المحدقة بنقل 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة في بيئة غير مستقرة أمنياً.
وفي غضون ذلك تستمر المفاوضات الشاقة خلف الكواليس لصياغة مذكرة تفاهم نهائية تضمن خريطة طريق واضحة للمستقبل وتحدد التزامات كل طرف بشكل دقيق يحسم الخلاف الجوهري، وتصر طهران في تصريحاتها العلنية على رفض التنازل عن منجزاتها النووية أو إظهار الاستسلام للإرادة الأميركية وترغب في تأجيل حسم ملف المخزون ومناقشته بالتفصيل خلال مفاوضات موسعة تستمر لمدة شهرين، وهو ما ترفضه واشنطن بشكل قاطع حيث تتمسك الإدارة الأميركية بضرورة تقديم إيران التزامات فورية وصارمة تضمن عدم السعي لإنتاج سلاح نووي مستقبلاً وتدمير المخزون الحالي أو شحنه فوراً لطرف ثالث موثوق، وإلى أن يتوصل الطرفان لاتفاق شامل ينهي القضايا العالقة يظل الوضع الراهن مرشحاً للانفجار العسكري في أي لحظة مع استمرار الحصار البحري المشدد المفروض على السواحل الإيرانية والإغلاق المتواصل لمضيق هرمز الاستراتيجي.


















0 تعليق