«أولاد عمر».. واللحظات الفاصلة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

 

تزوج عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، عدة مرات، فى الجاهلية وفى الإسلام، ويحكى «ابن سعد» فى «طبقاته» أن من أشهر زوجاته زينب بنت مظعون بن حبيب، وأنجب منها عبدالله وعبدالرحمن وحفصة، وتزوج من أم كلثوم بنت على بن أبى طالب، وأنجب منها زيد الأكبر ورقية، وأم كلثوم بنت جرول، وأنجبت له زيد الأصغر وعبيدالله، وجميلة بنت ثابت، وأنجبت له عاصم، وأنجب من لهية «أم ولد» عبدالرحمن الأوسط وهو أبوالمجبر، وعبدالرحمن الأصغر وأمه «أم ولد أيضًا»، وأم حكيم بنت الحارث، وأنجبت له فاطمة، وفكيهة «أم ولد»، وأنجبت له زينب، وعاتكة بنت زيد وأنجبت له عياض.

تباينت مسارات أولاد عمر بن الخطاب فى الحياة، واختلفت أسباب شهرتهم بشكل شديد العجب، فمنهم من اشتهر بورعه وزهده وتقواه مثل عبدالله بن عمر، ومنهم من عُرف بعدم التزامه وانسياقه إلى شرب الخمر، مثل عبدالرحمن الأوسط، ومنهم من حضر اسمه بقوة فى العديد من وقائع الفتنة الكبرى، مثل عبيدالله بن عمر.

هذه الأسماء الثلاثة هى الأشهر بين أولاد عمر. وقد ولد عبدالله بن عمر، وهو أكبر الإخوة الثلاثة، مع مشرق نور الإسلام، على وجه التقريب، فقد كان عمره خلال أحداث غزوة الخندق «١٥ سنة»، والغزوة كما تعلم وقعت سنة ٥ هجرية، بعد ١٣ سنة قضاها النبى، صلى الله عليه وسلم، فى مكة. ينقل «ابن سعد» فى «طبقاته» عن عبدالله بن عمر قوله: «عُرضت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردنى، وعُرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردنى، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلنى».

والأرجح أن أولاد عمر الثلاثة كانوا قريبين فى العمر، وأكبرهم عبدالله بن عمر، ثم عبيدالله، ثم عبدالرحمن الأوسط، وقد عاصروا النبى، صلى الله عليه وسلم، وهم أطفال أو فى مدارج الشباب، وكان أقربهم إلى حضرته الكريمة عبدالله بن عمر، فقد أسلم بمكة مع إسلام أبيه عمر بن الخطاب ولم يكن بلغ يومئذ، وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وهناك خاض المعارك مع المسلمين منذ معركة الخندق، وكان النبى، صلى الله عليه وسلم، يصفه بـ«الرجل الصالح». منذ شبابه زهد عبدالله بن عمر فى الدنيا، ولم يتمنَ من الله سوى المغفرة. ينقل «ابن الجوزى»، صاحب كتاب «صفة الصفوة»، عن نافع أنه سمع ابن عمر وهو ساجد بالكعبة يقول: «قد تعلم ما يمنعنى من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك». 

هذا بالنسبة لعبدالله بن عمر، أما شقيقه عبيدالله فكان أكثر اندفاعًا منه وأشد اهتمامًا بالانخراط فى الشأن الإسلامى العام، ولا يرى غضاضة فى أن يكون له دور فى اختيار الخليفة، خصوصًا بعد واقعة اغتيال أبيه عمر بن الخطاب، تلك الحادثة التى أثرت فيه كثيرًا، وحددت انحيازاته السياسية خلال أحداث الفتنة الكبرى. وقد قابل الشقيق الثالث من أولاد عمر- عبدالرحمن- وجه ربه فى خلافة أبيه، فقد جاء إلى مصر فى ولاية عمرو بن العاص، وكان شابًا نزقًا، وقد حدث أن شرب الخمر مع صديق له، ووصل الخبر إلى «عمرو» فأقام عليه حد الله، ولما وصل الخبر إلى عمر بن الخطاب، أمر الوالى بأن يرسل ولده إليه، وعاقبه هو الآخر بالجلد، ويقال إن عبدالرحمن مرض وتوفى بعد هذه الواقعة.

لحظة طعن عمر بن الخطاب على يد أبى لؤلؤة كانت فاصلة فى حياة الشقيقين: عبدالله وعبيدالله، فقد نصح البعض عمر بن الخطاب وهو يحتضر أن يجعل عبدالله بن عمر من ضمن أصحاب الشورى، فرفض واكتفى بالستة، وقال لمن نصحه بذلك: «إن رضى ثلاثة رجلًا وثلاثة رجلًا فحكّموا عبدالله بن عمر».

استمع عبدالله إلى الكلمات الأخيرة لأبيه وشعر بأنها تحمل رسالة تدعوه إلى البعد عن مربع الصراع على الخلافة، أو الاصطفاف مع أى من الأطراف المتصارعة على هذا الموقع. وإذا كان هذا موقف «عبدالله» من طعن أبيه عمر، فقد كان موقف شقيقه «عبيدالله» مختلفًا أشد الاختلاف، فقد أشهر سيفه وجرى نحو أبيه، فرآه يحتضر، سأل عن قاتله فقيل له إنه «لقد قتل أبولؤلؤة نفسه ومات من قبل أن يسأل أو يجيب»، سمع «عبيدالله» من البعض أن «أبا لؤلؤة» كان يقف مع الهرمزان وجفينة- والأخير على الديانة المسيحية- فهرول إليهما وقتل الهرمزان، وقيل إن القتيل نطق بالشهادتين قبل أن يلفظ أنفاسه، وقتل جفينة بعده، ولم يكتفِ بذلك، بل سارع إلى بيت أبى لؤلؤة وقتل ابنته، ويقال إنها كانت مسلمة أيضًا.

يقول «ابن سعد» فى «طبقاته»: «وأراد عبيدالله ألا يترك سبيًا بالمدينة يومئذ إلا قتله، فاجتمع المهاجرون الأولون فأعظموا ما صنع من قتل هؤلاء، واشتدوا عليه وزجروه عن السبى، فقال: والله لأقتلنهم وغيرهم، يُعرّض ببعض المهاجرين، فلم يزل عمرو بن العاص يرفق به حتى دفع إليه سيفه، فأتاه سعد فأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان حتى حجز بينهما الناس».

كان مشهد اغتيال عمر بن الخطاب من المشاهد التى زلزلت الأمة بشكل عام وأولاده بشكل خاص، فقد كانت أول حادثة اغتيال صريحة فى تاريخ الإسلام، وقد وقعت وأولاد عمر بن الخطاب فى ذروة شبابهم وعنفوانهم، وقد عالج عبدالله بن عمر الأمر بما عرف عنه من اتزان وورع، ونظر إلى الواقعة المزلزلة نظرة قدرية، ورأى أن الله تعالى مَنّ على أبيه بالشهادة، ليختتم حياته ختامًا مشرفًا، ربما فكر عبدالله بن عمر على هذا النحو، لكن الأمر اختلف بالنسبة لأخيه الصغير عبيدالله، الذى اشتعل بالغضب، وظهر فى صورة المنتقم الذى يقتل كل من له صلة بالقتيل، ولا يتردد فى مخاصمة من يقف فى طريقه حتى ولو كان سعد بن أبى وقاص. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق