.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في فلسفة القانون الجنائي، تختلف الجريمة التي تقع وليدة اللحظة والانفعال عن تلك التي تُطبخ على نار هادئة، المشرع المصري يرى في الجاني الذي يُعمل عقله، ويخطط، ويدبر، ثم ينفذ جريمته بدم بارد، خطورة إجرامية لا يمكن تقويمها، ولذلك كان حبل المشنقة هو القصاص العادل والوحيد لمثل هذه الجرائم.
نظرًا لأن عقوبة الإعدام هي العقوبة القصوى، فإن تطبيقها في حالات القتل العمد يتطلب شروطًا يقينية صارمة.
نستعرض في هذا التقرير تفكيكًا لظرف "سبق الإصرار" والضمانات الإجرائية لتنفيذ الحكم.
ماهية سبق الإصرار والترصد
نصت المادة (230) من قانون العقوبات صراحة على أن كل من قتل نفسًا عمدًا مع سبق الإصرار أو الترصد يُعاقب بالإعدام، وسبق الإصرار قانونًا (حسب المادة 231) هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جناية القتل. ويشترط لتحققه توافر عنصرين متلازمين:
العنصر الزمني: أن يمر وقت كافٍ بين العزم على القتل وتنفيذه، يسمح للجاني بالتفكير ومراجعة نفسه.
العنصر النفسي: وهو الأهم، ويعني أن الجاني فكّر في الجريمة ورتب لها في حالة من الهدوء والروية، بعيدًا عن ثورة الغضب أو الاستفزاز اللحظي، فإذا غاب هذا الهدوء النفسي (كأن يقتل شخصًا في مشاجرة وليدة اللحظة)، سقط ظرف سبق الإصرار وتحولت الجريمة لقتل عمد بسيط (عقوبته السجن المؤبد أو المشدد).
وغالبًا ما يقترن سبق الإصرار بظرف الترصد (المادة 232)، وهو تربص الإنسان لشخص في جهة أو جهات كثيرة مدة من الزمن (طويلة كانت أو قصيرة) ليتوصل إلى قتله.
الترصد يمثل الجانب المادي والمكاني للخطة الإجرامية؛ حيث يختار الجاني مكان الجريمة وزمانها ليفاجئ الضحية ويحرمها من أي فرصة للمقاومة أو الدفاع عن النفس، وهو ما يعكس خسة ودناءة في التنفيذ.
كيف تثبت المحكمة "سبق الإصرار"؟
باعتبار أن سبق الإصرار حالة ذهنية ونفسية تستتر في وجدان الجاني، تعتمد محاكم الجنايات على استنباطه من القرائن المادية والظروف المحيطة بالحادث، ومنها:
إعداد السلاح المستخدم وتجهيزه مسبقًا قبل الواقعة بوقت طويل.
استدراج المجني عليه بحيلة إلى مكان ناءٍ أو خالٍ من المارة.
وجود خلافات سابقة، وانتقام مبيت، وتهديدات مسجلة بين الجاني والضحية.
تعدد الضربات وتوجيهها لمقاتل الضحية (كالرأس أو القلب) بطريقة وحشية تنم عن تصميم أكيد ومسبق على إزهاق الروح.
ولأن الإعدام عقوبة تسلب الحياة ولا يمكن تداركها، أحاطها المشرع المصري بـ سياج فولاذي من الضمانات القانونية الفريدة قبل وبعد صدورها.
الضمانات الإجرائية قبل النطق بـ "الإعدام"
لا يجوز لمحكمة الجنايات النطق بحكم الإعدام إلا بعد إحالة أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه الشرعي، والأهم من ذلك، يجب أن يصدر الحكم بإجماع آراء قضاة المحكمة الثلاثة، فإذا اعترض قاضٍ واحد، تسقط العقوبة.
وكضمانة إضافية للمحكوم عليه، حتى وإن لم يطعن الجاني بنفسه، تُلزم النيابة العامة بعرض القضية تلقائيًا على محكمة النقض (أعلى محكمة جنائية في مصر) لمراجعة الحكم والتأكد من خلوه من أي عوار إجرائي أو خطأ في تطبيق القانون.
بعد تأييد محكمة النقض للحكم ليصبح باتًا ونهائيًا، لا يُنفذ الإعدام مباشرة، بل تُرفع الأوراق إلى رئيس الجمهورية للتصديق عليه، حيث يملك الرئيس بموجب الدستور حق العفو عن العقوبة أو إبدالها خلال 14 يومًا.
وإذا لم يصدر قرار بالعفو، يُنفذ الحكم داخل أسوار السجن بحضور النيابة العامة، وطبيب السجن، وواعظ ديني.

















0 تعليق