.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
ليست المقالات الجادة تلك التي تُقرأ ثم تُطوى، بل هي التي تُقلق القارئ من نفسه قبل أن تُقلقه من غيره، وتترك في ذهنه أثر السؤال أكثر مما تترك فيه راحة الجواب، ولا خير في رأي لا يوقظ في النفس سؤالًا، أو يزعزع فيها مسلّمة، أو يفتح لها بابًا إلى إعادة النظر، فالفكرة الحقيقية لا تأتي لتُقرِّر، بل لتُزعزع، ولا تدخل العقل من باب التصديق أولًا، بل من باب الصدمة التي تُجبره على إعادة النظر فيما ظنّه محسومًا.
ومن هذا الباب بالذات، دخلتُ إلى مقال الكاتبة والإعلامية الدكتورة هند جاد المنشور في جريدة الدستور تحت عنوان: "قانون الأسرة الجديد.. ضد فقه العقلية الذكورية المتسلطة والمتخلية" بتاريخ الخميس 21 مايو 2026؛ عنوانٌ لا يمر على الذهن مرورًا عابرًا، بل يقف أمامه كمن يُعلن منذ البداية طبيعة المعركة قبل أن تُروى تفاصيلها، ويضع القارئ في قلب الاستقطاب قبل أن يمنحه فرصة التمهّل أو التأمل، لأنه بطبيعة الحال يطرق بابًا شديد الحساسية في بنية المجتمع.. باب الأسرة، ذلك الكيان الذي إذا استقام، استقامت معه أركان المجتمع كله، وإذا اضطرب اضطربت معه سائر المعاني.
ولا أخفي أنني تابعت الدكتورة هند جاد بعض كتاباتها وآرائها، وقد قرأت لها في مواضع أخرى إشارات ذات بُعد إنساني وثقافي رفيع، حتى إنها وصفت مصر بأنها نبض التاريخ وذاكرة الحضارة، بلدها التي تفتح أبوابها وشوارعها لكل ضيوف العالم بكل ثقافاتهم، وأنها مزيج بين طفلة كانت تكتب خواطرها في دفاتر صغيرة، وامرأة تصوغ كلماتها كمن ينقش ملامح لا تُنسى. وليس هذا الوصف عندي إلا دلالة على حسٍّ أدبي وثقافة ترى الإنسان قبل أن ترى الشعارات.
ومع ذلك، فإن المقال الذي بين أيدينا لا يمكن أن يُقرأ بوصفه مجرد رأي عابر في إصلاح قانوني، بل هو خطاب كامل، تتداخل فيه الرؤية الاجتماعية بالتصور الحقوقي، وتعلو فيه نبرة المواجهة أكثر مما يعلو فيه ميزان التوازن. وهو ما يجعل القارئ، مهما كان موقفه، يقف أمامه وقفة المتأمل لا المتلقي.
وما دفعني إلى هذا التعقيب ليس مضمون الدعوة إلى تطوير قانون الأسرة، فذلك أمر لا يختلف عليه عاقل يرى الواقع بعين الإنصاف، وإنما الذي استوقفني حقًا هو العنوان، بما يحمله من تحميل مباشر ومكثف لما يسمى بـ“العقلية الذكورية المتسلطة والمتخلية”، وكأن الأزمة كلها تُختصر في طرف واحد من أطراف معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها القوانين مع الاقتصاد، والعرف مع الثقافة، والتطبيق مع التأويل.
لا أملك إلا أن أُقِرّ بأن المرأة قد عانت عبر مسارات تاريخية طويلة من صور متعددة لتسلط الرجل، وأن المشاهد الإنسانية والحكايات الاجتماعية المؤلمة التي تناقلتها الذاكرة، ودوّنتها الأدبيات والسير، كفيلة بأن تشهد على ذلك دون حاجة إلى مزيد من البرهنة أو الاستطراد، غير أن الإقرار بهذه الحقيقة لا ينبغي أن يدفعنا إلى التعميم، لأن التعميم – مهما بدا مريحًا في صياغته – قد يظلم التفاصيل الدقيقة، ويُسقط الفوارق التي تشكّل جوهر العدالة نفسها، وحين تغيب التفاصيل خلف ستار الأحكام الكلية، يصبح ميزان الفهم أقرب إلى الانفعال منه إلى الإنصاف، ومن هذا المنطلق، أرجو أن يتسع صدر الدكتورة هند جاد، الكاتبة المرموقة والفاضلة للحوار، لأناقش معها قليل مما أختلف فيه مع طرحها، وأؤكد على كثير مما أتفق فيه معها، في إطار من التقدير الكامل لفكرها وتجربتها.
في بداية المقال تقول الكاتبة الدكتورة هند جاد ما نصه:
(لا نحتاج إلى التأكيد على أن المعتاد هو رفض أي تطوير لقوانين الأحوال الشخصية حفاظًا على سلطة العقلية الذكورية، ودون أي مراعاة أو اهتمام لكرامة المرأة وحقوق الأطفال، ولكن ما لم تنتبه له العقلية الذكورية المتخلفة أن المرأة المصرية أصبحت شريكًا أساسيًا فى منظومة إنفاق الأسرة ليس بسبب تقصير الرجل فقط، ولكن فى مقدمة تلك الأسباب زيادة الأعباء الاقتصادية وغلاء الأسعار المفرط).
وهنا أجد من الضروري التوقف عند مصطلح “العقلية الذكورية المتخلفة” قبل مناقشة ما يندرج تحته من أفكار، بوصفه إطارًا تفسيريًا – من وجهة نظر الكاتبة – لعدد من أزمات قانون الأسرة ومقاومة تطويره، فإن كان المقصود به فئة من الرجال الذين يتحكمون في مسارات التشريع أو صناعة القرار أو إدارة الواقع الاجتماعي بما ينعكس سلبًا على حياة المرأة وحريتها وحقوقها، فإن هذا توصيف يمكن تفهمه في سياق نقد السلطة حين تنحرف عن مقاصد العدالة، أما إذا أُريد به التعميم على “الذكورة” بوصفها جنسًا أو هوية بيولوجية، فإننا نكون أمام إشكال مفاهيمي أعمق، لأن الذكورة في التصور العلمي والطبّي تشير إلى الجنس لا إلى الفكر، بينما الأقرب في التعبير هو “الرجولة” بوصفها سلوكًا اجتماعيًا وثقافيًا قد يصيب أو يخطئ، لا بوصفها جوهرًا بيولوجيًا ثابتًا.
ثم إن فكرة “تقصير الرجل وتخليه” حين تُطرح بهذا الإطلاق، تغفل عن طبقات كثيفة من الواقع يصعب تجاهلها؛ إذ إن الرجل – في كثير من البيئات – لم يُصنع خارج سياق من الضغوط المتراكبة، تبدأ من بنية التربية الأولى التي حمّلته منذ الطفولة صورة “المسؤول الوحيد” دون إعداد حقيقي لاقتصاد معقد أو حياة اجتماعية متغيرة، وتمر بمنظومة تعليمية لم تُعنه على بناء مهارات مستقرة، وتنتهي بسوق عمل ضاغط لا يرحم، ثم تأتي فوق ذلك كله توقعات اجتماعية متناقضة، تطالبه بأن يكون عائلًا صارمًا من جهة، وأن يكون حاضرًا متوازنًا عاطفيًا وإنسانيًا من جهة أخرى، دون أن تُهيّئ له الشروط التي تجعل هذا التوازن ممكنًا.
إن ما يُوصَف أحيانًا بتقصير الرجل وتخلفه في أداء دوره داخل الأسرة لا يمكن، عند التدقيق، أن يُقدَّم بوصفه سببًا قائمًا بذاته بقدر ما هو نتيجة لسلسلة من الشروط التي سبقته وأحاطت به، ذلك أن من يُحمَّل بهذا الحكم قد نشأ – في كثير من الحالات – داخل بنية لم تُتح له أن يتشكل كـ“رجل” بالمعنى المركب للكلمة، كائنٍ مسؤول، مستقل، قادر على بناء ذاته ماديًا وأخلاقيًا ومهنيًا واجتماعيًا في آنٍ واحد، فإذا كانت بعض القراءات تتحدث عن “عقلية ذكورية” تميل إلى امتلاك السلطة، فإن السؤال الأعمق هو: أين تجلت هذه السلطة في واقع لم يُمهِّد له أسباب القوة أصلًا؟
فالغالب في التجربة الاجتماعية أن هذا الكائن لم يُمنح فرصًا متوازنة لبناء ذاته، بل وجد نفسه محاصرًا في توقعات اجتماعية تسبق تكوينه وتثقل كاهله قبل أن يكتمل نضجه، ومن ثم فإن ما يبدو تقصيرًا في بعض الممارسات، قد يكون في جوهره انعكاسًا لعجز سابق على التمكين، لا لرفض متعمد للمسؤولية.
وحين يُقرأ هذا الواقع بعمقه لا بسطحه، يتضح أن الإشكال ليس في “الذكورة” بوصفها انحيازًا للسلطة في المجتمع، بل في تحولها في كثير من الحالات إلى مجرد انتماء بيولوجي خالٍ من شروط الرجولة المكتملة، تلك التي تتطلب بناءً متدرجًا للقدرة على القيام بالمسؤولية لا ادعاءها. ومن هنا، فإن ما يُرى قصورًا في السلوك ليس إلا أثرًا نفسيًا واجتماعيًا لرجل وُضع أمام تكليفات تفوق ما أُتيح له من إعداد، حتى صار مأخوذًا بين ما يُطلب منه وما لم يُعطَ له.
والحديث في هذا الباب ذو تشعب طويل، وكيف تتداخل كل العناصر التي لم يحسن تقويمها لتصنع في النهاية نماذج بشرية لا يمكن اختزالها في حكم واحد أو وصف واحد، ومن هنا بدا لي أن التعبير الوارد في العنوان: “العقلية الذكورية المتسلطة والمتخلية” يحمل قدرًا من القسوة، لأن كثيرًا ممن يُوصمون بذلك لم يكونوا – في الحقيقة – سوى نتاج بيئات مضطربة، وتقاليد معوجة ابتعدت عن صحيح الدين وثوابت الأخلاق، حتى صار بعضهم يتخيل العالم كما لقنته له هذه البِنَّى المختلة، لا كما اختاره هو بإرادة حرة كاملة. فهو – في جانب من صورته – ابن واقع تشكل فيه أكثر مما شكّله بنفسه.
وفي المقابل، فإن كثيرًا من التقاليد الأسرية المحيطة بالفتاة والأسرة عمومًا قد أسهمت بدورها في إعادة تشكيل وترسيخ هذا التقصير، إما بتضخيم توقعات معينة، أو بإضعاف مساحات التفاهم المشترك، بما جعل العلاقة الزوجية في بعض الحالات أقرب إلى حقل شدّ وجذب مستمر، لا إلى شراكة متوازنة.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يمكن الفرار منه: هل كانت معاناة المرأة – حيثما وُجدت – نتاج “الرجل” بوصفه طبيعة ثابتة، أم نتاج منظومات قانونية واجتماعية تشكلت عبر قرون، ثم تراخت في لحظات، واختلت في لحظات أخرى، حتى صار الظلم أقرب إلى خلل في البنية لا إلى نية في الضمير؟
إن تحميل المجتمع صورة واحدة، وتكثيف الأزمة في “عقلية” بعينها، قد يبدو في ظاهره تفسيرًا سهلًا، لكنه في جوهره يهرب من التعقيد الحقيقي إلى بساطة مريحة، بينما الحقيقة – كل الحقيقة – لا تسكن البساطة، بل تقيم في منطقة شديدة التشابك، حيث لا بريء مطلق ولا متهم مطلق.
إن البحث في جذور الأزمة التي تعانيها الأسرة لا يقود – عند التدقيق الهادئ – إلى تعليق المسؤولية على “عقلية ذكورية” أو “عقلية أنثوية” بقدر ما يقود إلى مساءلة أعمق تتعلق بعدالة الدولة في ترسيخ منظومة قانونية متماسكة غابت عبر عقود طويلة. فضعف الإطار التشريعي الصارم، والمتوازن، والواضح في تنظيم العلاقات الأسرية، وما يصاحبه من تفاوت في التطبيق وبطء في التنفيذ، قد أفرز بيئة اجتماعية مضطربة، لم تعد فيها الحقوق محمية بذاتها، بل خاضعة لاجتهادات متباينة وظروف متغيرة.
ولا يمكن إغفال أن الأسرة – بوصفها الخلية الأولى للمجتمع – لم تحظَ بما يكفي من الحماية المؤسسية التي تضع حقوق المرأة والرجل والطفل على قدم المساواة في ميزان واحد من العدالة الناجزة، بل إن ما تراكم عبر الزمن من قصور في التشريع أو ضعف في تفعيله، قد جعل الأطفال – وهم الامتداد الطبيعي والأساس الحقيقي للمجتمع – في موقع هش، بوصفهم مواطنين صاعدين يفترض أن تحاط نشأتهم بأقصى درجات الرعاية والاستقرار.
وفي موضع آخر من المقال، تطرح الدكتورة هند جاد رؤية أجدني قريبًا منها في جانب مهم، حين كتبت:
(أرى أن المشكلة ليست فى الشريعة باعتبارها منظومة قيم ومبادئ أخلاقية، بل فى توظيف الفقه الذي يمثل اجتهادات بشرية تاريخية ارتبطت بسياق اجتماعي محدد، كان الرجل فيها هو المحتكر الوحيد للإنفاق والعمل والولاية العامة، وهي اجتهادات نسبية قابلة للنقد والمراجعة والتعديل والحذف، لأنها ليست أحكامًا نهائية ومطلقة، وبناء عليه، يرى البعض أن أي تعديل تشريعي وقانوني لصالح المرأة هو خروج على الدين. وهو تبسيط خطير ومخل. لقد أقر فقهاء الشريعة بتغير الزمان والمكان والعرف والمصلحة. ومن حق فقهاء اليوم أن يجتهدوا مثلما اجتهد من قبلهم فى عصرهم، خاصة لو استهدف هذا الاجتهاد رفع الظلم والقهر والتمييز الذي يمارس ضد الزوجة وضد الأطفال).
إن الفارق بين الشريعة باعتبارها منظومة قيم ومقاصد أخلاقية عليا، وبين الفقه بوصفه اجتهادًا بشريًا ارتبط بزمانه وسياقه الاجتماعي والتاريخي، هي نقطة تستحق التوقف، لأن الجمود الذي أصاب بعض دوائر الفكر الديني عبر العقود الأخيرة، جعل باب الاجتهاد أضيق مما ينبغي، حتى بدا وكأن القياس قد توقف عند ما اجتهد فيه الأوائل، وكأن الأزمنة اللاحقة لم تحمل أسئلة جديدة تستحق النظر والتأمل.
ولعل المؤلم حقًا أن مؤسسة بحجم وقيمة الأزهر الشريف، بتاريخها الممتد لأكثر من ألف عام، وبما ضمّته من عقول فقهية هائلة عبر قرون طويلة، أصبحت في بعض الملفات أكثر حذرًا من خوض اجتهادات جديدة تراعي تغير الواقع، رغم أن الفقهاء الأوائل أنفسهم لم يكونوا أسرى النقل الجامد، بل كانوا أبناء عصرهم، يجتهدون له ويقيسون عليه بما لا يخل بالثوابت ولا يصادم مقاصد الدين الكبرى.
غير أن نقطة الاختلاف التي أتوقف عندها، هي القول بأن البعض يرى أي تعديل تشريعي لصالح المرأة خروجًا على الدين، واعتباره ذلك في رأي الكاتبة المرموقة “تبسيطًا خطيرًا ومخلًا”، إذ أرى أن نقطة الاختلاف التي أتوقف عندها، هي أن القضية لا تُقاس بكون التعديل يُحسب لصالح المرأة أو لصالح الرجل، وإنما بقدرته على إقامة ميزان عدالة لا يميل مع الهوى الاجتماعي ولا مع ضجيج الاستقطاب، بل مع الحق المجرد وحده.
فالقانون لا ينبغي أن يُصاغ لينتصر لطرف على حساب طرف، وإنما ليقيم ميزان العدالة بين الجميع، فليست العدالة أن ننتقل من انحياز قديم إلى انحياز جديد، ولا أن يُعالج ظلم تاريخي بإنتاج صورة مغايرة من الظلم.
وقد جاءت الشريعة – في جوهرها – لترفع الحرج والقهر عن الإنسان مطلق الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، ولتقيم العلاقة بينهما على السكينة والرحمة والتكامل، لا على الغلبة وكسر الإرادة، وفي هذا المعنى تتجلى عظمة الحديث النبوي الشريف: «إنما النساء شقائق الرجال»، بما يحمله من دلالة إنسانية عميقة تؤكد وحدة الكرامة الإنسانية، وأن التفاضل لا يكون بالنوع، بل بالعدل والتقوى وحسن القيام بالمسؤولية.
ولعل من أكثر المواضع التي أجدني فيها اتفاقًا مع طرح الدكتورة هند جاد، ما يتعلق بتحويل الأطفال – في كثير من النزاعات الأسرية – إلى ضحايا صامتين لمعركة لا يملكون فيها رأيًا ولا قدرة على الدفاع عن أرواحهم الصغيرة من التشظي النفسي والعاطفي، فليس هناك ما هو أكثر قسوة من طفل يُنتزع من طمأنينته ليُستخدم أداة ضغط أو ورقة انتقام متبادل بين أبوين أنهكتهما الخصومة حتى نسيا أن في المنتصف قلبًا هشًا يتلقى الضربات كلها وحده.
إن أي مشروع حقيقي لقانون أسرة عادل، لن يقاس فقط بعدد المواد أو صرامة العقوبات، وإنما بقدرته على بناء آليات تُطفئ النزاع قبل أن يصل إلى أبواب المحاكم، وتجعل القضاء هو الملاذ الأخير لا المحطة الأولى، فكم من بيوت كان يمكن إنقاذها لو وُجدت وساطة أسرية رشيدة، وكم من أطفال نجوا من التشوه النفسي لو حضرت الحكمة قبل حضور الخصومة.
كما أن الوعي القضائي والاجتماعي بدور العائلات يظل عنصرًا بالغ الأهمية، إذ إن كثيرًا من حالات الطلاق لم تكن وليدة خلاف الزوجين وحدهما، بل نتيجة غياب النضج والحكمة لدى المحيط الأسري من الطرفين، حتى تحولت البيوت أحيانًا إلى ساحات تعبئة وتحريض بدل أن تكون مواضع إصلاح واحتواء.
ومن هنا تتجلى عظمة التوجيه القرآني العميق: ﴿فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾، باعتباره مبدأ سابقًا لعصره في محاولة إنقاذ الأسرة قبل انهيارها، وإعلاء صوت العقل قبل أن تبتلع المحاكم ما تبقى من المودة.
وأتفق كذلك مع الدكتورة هند جاد في أن قضية النفقة من أكثر الملفات التي كشفت عبر السنوات عن خلل حقيقي في ميزان العدالة الاجتماعية، خاصة حين تُترك بعض النساء والأطفال في مواجهة أعباء الحياة وحدهم، بسبب تهرب بعض الآباء من المسؤولية أو بطء إجراءات التقاضي وتعقيداتها، فلا يمكن لمجتمع يسعى إلى الاستقرار أن يتسامح مع فكرة أن تتحول النفقة – وهي حق أصيل – إلى معركة استنزاف طويلة، تُهدر فيها كرامة المرأة واحتياجات الأطفال بين المكاتب والملفات وأروقة المحاكم.
كما أنني أوافقها الرأي في ضرورة بناء منظومة مالية وقضائية أكثر دقة وعدالة، تعتمد على سرعة تنفيذ الأحكام، وربط النفقة بالدخل الحقيقي الفعلي، وتوظيف الوسائل الرقمية الحديثة لضمان الشفافية والمتابعة وتقليل مساحات التلاعب أو المماطلة.
غير أنني أتحفظ على إرجاع هذه الأزمة في أصلها إلى ما يسمى “العقلية الذكورية للنفقة”، لأن اختزال كل اختلال اجتماعي أو قانوني في هذا المصطلح، قد يُبعدنا أحيانًا عن جوهر الخلل الحقيقي، فالمشكلة في كثير من الحالات لا تنبع فقط من موقف الرجل من النفقة، بل من ضعف آليات التحري نفسها، وما قد يحيط بها أحيانًا من مجاملات أو وساطات أو إخفاء متعمد للحقيقة، سواء لمصلحة الزوج أو – في بعض الوقائع – لمصلحة الزوجة أيضًا.
وقد رأى المجتمع مرارًا نماذج لتحريات لا تعكس الواقع بدقة، فتظلم هذا الطرف حينًا، وذاك الطرف حينًا آخر، حتى أصبح بعض الناس يفقدون ثقتهم في عدالة التقدير ذاته، لا في أصل الحق، ومن هنا، فإن أي قانون جاد لا بد أن يُحكم قبضته على منظومة التحريات المالية، وأن يضع معايير صارمة للمراجعة والتدقيق، بل وعقوبات واضحة على الجهات أو الأفراد الذين يثبت تلاعبهم أو تقصيرهم في نقل الحقيقة كما هي، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد سن القوانين، وإنما بإغلاق كل النوافذ التي قد يتسلل منها النفوذ أو المجاملة أو العبث بمصائر الناس.
وأتفق مع الدكتورة هند جاد في أن اختزال الأزهر الشريف في “صوت واحد جامد” لا يليق بمؤسسة حملت عبر تاريخها الطويل مدارس واجتهادات وآراء متعددة، وكان الاختلاف الفقهي داخلها جزءًا من حيويتها العلمية لا دليلًا على جمودها.
غير أن الإشكال – في تقديري – لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد أحيانًا إلى تصدير صورة للرأي العام توحي بوجود صدام بين الدولة والأزهر الشريف في قضايا التجديد، بينما الواقع يبدو أكثر وهدوءًا من ذلك، فقد رأينا مرارًا حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على الدعوة إلى خطاب ديني يستوعب تغيرات العصر دون الإخلال بالثوابت، وهو طرح لا يخرج – في جوهره – عن مقاصد الشريعة ذاتها.
كما أن الشريعة الإسلامية نفسها أقرت للوالي بحق الاجتهاد فيما يحقق مصلحة الناس وينظم شؤونهم ما دام ذلك لا يصادم نصًا قطعيًا ولا يهدم أصلًا ثابتًا، وهو ما جعل السياسة الشرعية عبر التاريخ بابًا واسعًا لتنظيم الواقع المتغير وفق مقتضيات الزمان والمصلحة العامة.
ومن ثم، فإن العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية لا ينبغي أن تُصوَّر باعتبارها علاقة تنازع، بل علاقة تكامل بين سلطة تدير المجتمع، وعلم يحفظ اتزانه الروحي والفكري.
وفي ظل ما تتعرض له مصر من محاولات دائمة للتربص والتأويل وصناعة مساحات مصطنعة للخلاف، أتصور أن من الحكمة الوطنية أن يظل الحوار بين الدولة والأزهر الشريف في إطار يحفظ هيبة المؤسستين، ويغلق الباب أمام أي إسقاط علني أو توظيف متعمد لفكرة الصدام بينهما، ولعل هذه المسؤولية تقع – في تقديري – على عاتق الأزهر بدرجة أكبر، لا انتقاصًا من مكانته، بل إدراكًا لرمزيته الكبرى وتأثير ما يصدر عنه من بيانات ومواقف في الوعي العام، إذ إن خصوم الدولة لا يتوقفون كثيرًا عند التفاصيل، بقدر ما يلتقطون أي إشارة يمكن توظيفها للإيحاء بوجود تصدع أو تنازع داخل البنية الوطنية نفسها، وهو أمر بالغ الحساسية في هذا التوقيت.
ولست في هذا المقام في معرض اختلاف، بل في مقام الاتفاق المختلف قليلا؛ إذ إنني أشارك الدكتورة هند جاد أصل الفكرة، في أن قانون الأسرة في حاجة إلى مراجعة جادة، وأن مصلحة الطفل ينبغي أن تكون المركز الذي تدور حوله كل التشريعات، وأن بطء تنفيذ النفقة، وتعقيد الإجراءات، وتنازع الصلاحيات بين الأطراف، كلها أوجاع حقيقية لا يجوز إنكارها.
غير أن الاختلاف يبدأ من زاوية التفسير، فالأزمة ليست في “ذكر” يقف في مواجهة “أنثى”، بل في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة ضبط ميزانها، بحيث لا يُظلم طرف باسم طرف، ولا تُستباح الحقوق باسم الدفاع عن الحقوق.
لقد علمتنا التجربة أن القوانين حين تُترك غامضة، لا يملؤها الضمير وحده، بل يملؤها الاجتهاد المتباين، وأن العدالة لا تقوم على حسن النوايا، بل على نصوص واضحة، وآليات رادعة، وتنفيذ لا يلين أمام البطء أو التراخي، ومن هنا، فإن إصلاح قانون الأسرة ليس معركة ضد أحد، بل هو محاولة لإنقاذ الجميع: الأم من العجز، والأب من الجور، والطفل من التمزق الذي لا صوت له.
وإذا كان من كلمة أخيرة، لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر والتقدير للدكتورة هند جاد على ما طرحته من أفكار تستحق النقاش والتأمل، وعلى ما يتميز به قلمها من جرأة وحضور إنساني وفكري واضح، وعلى سعة صدرها – التي أرجوها – فيما أبديته من ملاحظات أراها أقرب إلى اختلاف في زاوية النظر فقط وليس في المقصد الذي أتفق فيه معها، فالحوار الجاد لا يُفسد للود قضية، بل ربما كان الاختلاف الراقي أحد أنبل صور الاتفاق على حب هذا الوطن والخوف على أسرته ومستقبله.
فليست العدالة أن نبحث عن منتصر، بل أن نمنع أصل المعركة من أن يتحول إلى قدر دائم.


















0 تعليق