.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
أنا لست ممن يكرهون الكلاب، ولم أكن يومًا كذلك.
بل إنني واحد ممن اقتنوا الكلاب وربّوها في فترة سابقة، وأعرف جيدًا تلك العلاقة الخاصة التي تنشأ بين الإنسان وكلبه، علاقة تقوم على الحراسة والرفقة والولاء، وربما يرى الإنسان من الوفاء في كلبه ما لا يراه أحيانًا في بعض البشر، لذلك فأنا أفهم جيدًا مشاعر من يحبون الحيوانات ويدافعون عنها، وأدرك أن الرحمة بالحيوان قيمة أخلاقية وإنسانية لا خلاف عليها.
لكنني أيضًا واحد ممن عقرتهم الكلاب الضالة، وأتذكر جيدًا ذلك اليوم حين فتحت باب سيارتي، فخرج فجأة من تحتها كلب ضال لم أكن أتوقع وجوده، وانقضّ على ساقي عقرًا في لحظة مباغتة لا تُنسى... يومها شعرت بذلك المزيج القاسي من الصدمة والخوف والغضب، وأدركت أن المشكلة ليست “نظرية” كما يتحدث البعض من خلف الشاشات، بل واقع يعيشه الناس يوميًا في الشوارع.
ثم جاءت أحداث متلاحقة جعلت القضية أكثر سخونة وإلحاحًا، طالبة شابة تفقد حياتها وهي تهرب من مطاردة كلاب الشارع، لتصدمها سيارة ميكروباص. وأخرى تتعرض للمشهد نفسه، فتُنقل إلى المستشفى محطمة العظام، ثم فنان يطرح رأيه في القضية من واقع أنه طبيب في الأصل، فتخرج نقابة الممثلين لتوقفه عن العمل وتخطر شركات الإنتاج بمنعه، حتى قبل بدء التحقيق معه، وكأن إبداء الرأي في ملف يمس أمن الناس وصحتهم أصبح جريمة مهنية.
وفي الخلفية يقف مناصرو “حقوق الحيوان” ممن يريدون تحويل الشارع إلى حديقة حيوان مفتوحة، لا يسألون كيف يعيش الطفل خائفًا، ولا كيف تسير امرأة ليلًا وهي ترتجف من مجموعات الكلاب المسعورة، ولا كيف صار المواطن يشعر أن الطريق العام لم يعد ملكًا للبشر وحدهم.
ثم تأتينا الهيئة العامة للخدمات البيطرية بخطاب يبدو نظريًا أكثر منه واقعيًا، تتحدث فيه عن منهج “علمي” قائم على تعقيم الكلاب وتطعيمها ثم إعادة إطلاقها مرة أخرى في الشوارع، دون مراجعة حقيقية لتجارب دول كثيرة حسمت هذه الأزمة منذ سنوات طويلة، واعتبرت أن حماية الإنسان وأمنه وصحته أولوية لا تقبل المساومة أو المجاملة العاطفية.
وفي النهاية، تقف الحكومة وكأنها تشاهد مسرحية هزلية طويلة… تفتح الستار كل يوم على مشاهد العقر والمطاردات والرعب والجدل، ثم تغلقه آخر الليل، بينما الناس وحدهم هم من يدفعون الثمن، في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الصحة أن مصر سجلت 1.4 مليون حالة عقر سنويا، والتي تتسبب فيها الكلاب الضالة بنسبة تصل إلى 90% من إجمالي الإصابات، حيث تتصدر أزمة انتشار هذه الحيوانات الشارع المصري وتكبد الدولة نحو 1.7مليار جنيه سنويا لتوفير الأمصال.
وبصفتي طبيبًا، أعرف جيدًا أن الصحة العامة لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأسرة أو أجهزة الأشعة، بل تُقاس أولًا بقدرة الدولة على حماية المواطن في الطريق العام من مصادر الخطر الصحي اليومية، وبصفتي مواطنًا، أشعر بدهشة وغضب وأنا أرى الدولة تقف في موقع المتفرج أمام الانتشار المخيف للكلاب الضالة في الشوارع المصرية، حتى أصبحت بعض المناطق وكأنها مناطق نفوذ لجيوش تتحرك ليلًا ونهارًا بلا رقيب ولا سيطرة، والمشكلة لم تعد مجرد “إزعاج” أو “خوف نفسي” كما يحاول البعض تصويرها، بل أصبحت قضية أمن وصحة عامة وسلامة مجتمع كامل، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن.
والأغرب أنني سمعت رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية في حوار تليفزيوني يستخدم نفس التعبير الذي يستخدمه مناصرو “حقوق الحيوان” عند حديثهم عن كلاب الشوارع، بوصفهم بـ (الكلاب الحرة)، بدلًا من مواجهة المشكلة بوضوح، وأخشى أن يكون هذا التعبير غسل يد، أو تبسيط للكارثة عبر تغيير المصطلحات والتسميات الحقيقية التي أقرها القانون، فالقانون رقم ٢٩ لسنة 2023،الخاص بتنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب، ولائحته التنفيذية رقم ١٧٣١ لسنة ٢٠٢٥ استخدما بوضوح مصطلح “الحيوان الضال” لوصف كلاب الشوارع، بل إن المادة الأولى من القانون عرفت الحيوان الضال بأنه: الحيوان غير المملوك وغير الخاضع لسيطرة ورعاية أي حائز ويوجد في موقع ما معتمدًا على ذاته.
إذن نحن أمام تعريف قانوني واضح وصريح. فلماذا تُصر بعض التصريحات الرسمية على استخدام تعبير الكلاب الحرة؟!
من الذي اخترع هذا المصطلح؟ ومن الذي قرر أن يحول كائنًا ضالًا بلا سيطرة إلى كائن “حر” وكأننا نتحدث عن ناشط سياسي أو شاعر رومانسي؟! هذه ليست حرية… هذه حالة فوضى كاملة تتحمل الدولة مسئوليتها أمام المواطنين.
وحين يخرج المواطن من بيته خائفًا على أطفاله، وحين تخشى الأم أن ينزل طفلها لشراء شيء من آخر الشارع، فنحن أمام أزمة حقيقية لا أمام جدل عاطفي على مواقع التواصل، ولا أمام قضية حقوقية يُمارَس فيها الضغط باسم “حقوق الحيوان” على حساب حق الإنسان في الأمان والحياة الكريمة، فالإنسان الذي كرّمه الله وخلقه في أحسن تقويم، وجعله مستخلفًا في الأرض، لا يجوز أن يصبح هو الطرف الأقل حماية داخل الشارع العام، وتحويل المسألة إلى معركة عاطفية تُهمَّش فيها سلامة الإنسان البدنية والنفسية والصحية، هو إجحاف بالمنطق قبل أن يكون إجحافًا بحقوق البشر أنفسهم.
وفي حوار تليفزيوني منذ اسبوعين، تحدث رئيس جمعية الرفق بالحيوان مؤكدا أنه تنبه إلى أزمة الكلاب الضالة منذ عام 2013، بعدما لاحظ وجود زيادة غير طبيعية في أعدادها، ومن ثم لجأ إلى جهة دولية مختصة لبحث الوضع، وتم إجراء دراسة استمرت قرابة سنة ونصف لرصد الأعداد التقريبية للكلاب في مصر، ومعرفة ما إذا كان الوضع ما يزال في إطار التوازن البيئي الطبيعي أم تجاوز “الخط الأحمر”، وتابع أنهم اتخذوا منطقة كنموذج للدراسة، ومن خلال القياسات التي أُجريت توصلوا في عام 2014، إلى أن تعداد الكلاب بلغ 15 مليون كلب في ذلك الوقت، بينما كان التوازن البيئي الطبيعي يُقدر بحوالي 5 ملايين فقط، أي أن هناك خلل في التوازن البيئي وصل إلى زيادة قدرها 300 %، وأكد رئيس جمعية الرفق بالحيوان أن الحديث عن الأزمة يرتبط بالمشكلات الناتجة عن وجود الكلاب في الشوارع، وعلى رأسها مرض السعار، موضحًا أن خطورته تكمن في أنه “مرض ليس له علاج” ويؤدي إلى الوفاة حتما.
بينما اليوم تشير بعض الدراسات إلى أن العدد وصل إلى 40 مليون كلب ضال تقريبا في شوارع مصر، والرقم معرض للمضاعفة لأربع مرات بسبب التناسل وحمل وولادة الجراء 3 مرات في العام الواحد، ووفقا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نهاية عام 2025، يبلغ عدد الأطفال في مصر (أقل من 18 عامًا) 39.7 مليون طفل، فنحن عمليًا أمام مشهد مرعب: أي أننا أمام نسبة تقريبية بمعدل كلب ضال/طفل، يهدده في الطريق العام بالمطاردة أو العقر أو الرعب النفسي، أو الهروب من الخوف ليلقى حتفه دهسا تحت عجل السيارات؟!
أي مجتمع يقبل أن ينشأ أطفاله وهم يتعلمون الخوف من الشارع قبل أن يتعلموا الأمان فيه؟! أي منطق يجعل الطفل يخرج إلى مدرسته أو درسه أو حتى لشراء شيء بسيط من آخر الشارع، وهو مهدد، إن الأمر تحول إلى اعتداء يومي على إحساس الناس بالأمان، وعلى حق الطفل الطبيعي في السير في الطريق العام دون خوف.
والثابت علميا أن كلاب الشوارع (الكلاب الضالة) وتجمعاتها تشكل في الأحياء السكنية (مثل منطقة البساتين على سبيل المثال) مخاطر بيئية وصحية جسيمة، حيث يؤدي تراكم فضلاتها وبقايا الطعام إلى نقل الأمراض المعدية، وانتشار الحشرات، وتلويث الهواء، ومعروف أن (البراز)في الكلاب يحتوي على بكتيريا خطيرة مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية، والتي تسبب النزلات المعوية الحادة والتسمم الغذائي للإنسان عند ملامسة الأسطح الملوثة، كما تنقل فضلات الكلاب طفيليات معوية خطيرة (مثل الديدان الخطافية والأسطوانية)، والتي تخترق جلد الإنسان وتسبب حكة شديدة، أو قد تنتقل لأعضاء الجسم الداخلية.
أما المخاطر الصحية لبول الكلاب والتي تلوث التربة والمياه، فهي عديدة، حيث ينقل بول الكلاب بكتيريا تُسمى البَرِيمِيَّات، وهي عدوى تنتقل للبشر عند ملامسة التربة أو المياه الراكدة الملوثة ببول الكلاب، وتؤدي إلى تلف الكلى ومشكلات كبدية.
كما أن جفاف البول وتطايره في الشوارع، يعد من مسببات الحساسية، مما يفاقم أزمات الربو ومشاكل الجهاز التنفسي خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
أما الطعام الذي يقدم لهذه الكلاب في الطرقات العامة، وما يخلفه من فضلات وبقايا، يمثل بيئة خصبة للحشرات، ويساهم بشكل مباشر في تكاثر الذباب، والبعوض، والقوارض، وهي نواقل رئيسية لأمراض خطيرة، كما أن إطعام إطعام الكلاب في الشوارع بشكل عشوائي يغير سلوكها، فتفقد غريزتها الطبيعية في البحث عن الطعام، وتتجمع في قطيع بأعداد كبيرة دفاعًا عن "مناطق النفوذ"، مما يعرض المارة لخطر العقر والمطاردة، وهذا بخلاف أن تحلل الطعام المتبقي والفضلات ينتج عنه روائح منفرة تجذب المزيد من الحيوانات الضالة للمنطقة.
ثم قرأت مقالا لأحد أساتذة الطب البيطري، يتساءل فيه: لماذا تأكل الكلاب الضالة بعضها بعضًا؟ ولماذا هذا التغير السلوكي الملحوظ والعنف المفرط والتوحش الذي تم رصده وتوثيقه بالعديد من الفيديوهات على السوشيال ميديا، والذي وصل الي حد اكل الكلاب بعضها بعضًا احياء في بعض الأحيان، او اكل القطط أحياء، بخلاف الهجوم وعقر اعداد كبيره من البشر في وقت واحد، ولماذا هذا النشاط والنباح المستمر، وما يثير الدهشة هو أن نفس الكلاب تكون لطيفة بشكل مبالغ فيه مع من يطعمونها فقط، وأن اعداد الضحايا تضاعفت خلال وقت قياسي من ٣٠٠ ألف حالة عقر في 2023م الي 1.4 مليون في عام 2025م.
وذكر الطبيب المتخصص أن لديه معلومات عن وجود مواد معينة يتم إضافتها لأكل الكلاب، ظنا منهم انها تجعل الكلاب أكثر صحة وخصوبة وتحميهم من التسمم، ولكن وبعد البحث عن تأثير تلك المواد، تبين – على حد قول الباحث – انها تقوم بتغيير مستويات بعض الهرمونات المهمة للاستقرار النفسي للكلاب (مثل السيروتونين) أو كما يطلق عليه هرمون الاستقرار، و(الدوبامين) أو كما يطلق عليه هرمون الاندفاع، وأن تغيير تلك المستويات والتوازن بنسب معينة يؤدي الي اعراض تشبه كثيرًا ما نراه في شوارعنا اليوم من الكلاب الضالة كالعدوانية التنافسية وفقدان السيطرة علي الانفعالات، والنشاط المفرط والاندفاع، والسلوكيات التكرارية كالنباح المستمر، مما تتحول معه الكلاب الضالة إلى وحوش مفترسة غير مستقرة نفسيا وعصبيا، تميل للعقر والنباح، ثم ينقلبون الي ما يشبه الذئاب التي تفترس الأطفال وتصطادهم يوميا في قري ومدن مصر.
ولم تتوقف أضرار الكلاب الضالة عند الخوف والعقر ونقل الأمراض فقط، بل امتدت لتطال ممتلكات المواطنين وسياراتهم بصورة يومية باتت مألوفة في كثير من الشوارع والأحياء، فكم من مواطن استيقظ ليجد آثار أقدام وخدوش فوق سقف سيارته وزجاجها بعد أن تحولت السيارات لأسطح تقفز فوقها الكلاب ليلًا؟ وكم من أغطية سيارات تم تمزيقها بالكامل، وإطارات تعرضت للقضم أو الإتلاف، وأجزاء مطاطية واكصدامات تضررت بسبب تجمعات الكلاب حول المركبات؟!
هذه ليست وقائع فردية نادرة، بل خسائر متكررة يتحملها المواطن وحده من ماله وأعصابه، في ظل غياب أي تعويض أو حتى اعتراف رسمي بحجم المشكلة، وحين تصبح السيارة المتوقفة أمام منزل صاحبها عرضة للتلف اليومي، فنحن لا نتحدث فقط عن ظاهرة حيوانية، بل عن اعتداء مستمر على ممتلكات الناس وجودة حياتهم وإحساسهم بالأمان والاستقرار.
لقد أحدثت قضية الكلاب الضالة انقسامًا اجتماعيًا حادًا داخل المجتمع المصري، بين أغلبية واسعة ترى أن وجود هذه الكلاب في الشوارع خطر يومي على الأمن والصحة العامة، وبين أقلية ترفع شعارات “حقوق الحيوان” وتمارس عبر منصاتها الإعلامية والسوشيال ميديا ضغوطًا مستمرة على الدولة والمجتمع من أجل الإبقاء على الوضع القائم، وكأن المطلوب من الناس أن تتعايش مع الخوف والعقر والأضرار باعتبارها ثمنًا للتحضر والرحمة.
والمشكلة أن هذا الانقسام لم يعد مجرد اختلاف في الرأي، بل تحول في بعض المناطق إلى حالة فتنة اجتماعية حقيقية، ونوع جديد من الاستقطاب الحاد الذي يفسد العلاقات بين الجيران ويزرع الكراهية اليومية بينهم، واليوم قد يتشاجر الجار مع جاره بسبب إطعام الكلاب أسفل العقار، وقد يستدعي أحدهما الشرطة للآخر، وقد تنهار علاقات إنسانية قديمة لأن أحد الطرفين يرى في الكلاب خطرًا يهدد أبناءه وممتلكاته، بينما يرى الطرف الآخر أن الدفاع عن بقائها في الشارع قضية مقدسة لا تقبل النقاش، وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة عبثية: إنسان يطالب بحقه الطبيعي في الأمان، فيُتهم بالقسوة، بينما يُطلب منه في الوقت نفسه أن يتحمل خطر العقر، وإتلاف ممتلكاته، والرعب اليومي، حفاظًا على مشاعر من لا يعيشون تبعات هذه الفوضى على أرض الواقع.
وإذا كانت فوضى الكلاب الضالة قد أثارت اندهاش الناس، فإن ما أثار دهشتي أكثر هو موقف نقابة المهن التمثيلية من الفنان والطبيب محمد غنيم. فالرجل كتب منشورًا غاضبًا ومنفعلًا، قد يختلف البعض مع صياغته أو يرفضها، لكنه عاد وقدم اعتذارًا واضحًا، وأكد أن حديثه لا يمس احترامه للمرأة التي تمثل أمه وزوجته وابنته وأخته، وإنما جاء تعبيرًا عن انفعاله من خطورة الظاهرة وما تسببه من خوف وأذى للناس.
وهنا يبرز السؤال المنطقي: ما علاقة نقابة الممثلين أصلًا بهذه القضية؟! وكيف تتحول نقابة مهنية إلى جهة تُصادر الرأي وتعاقب على الانفعال الإنساني في قضية تمس الأمن والصحة العامة؟! وكيف يتم إلغاء تصريح عمل إنسان وقطع طريق رزقه لأنه عبّر عن رأيه، حتى لو أخطأ في التعبير ثم اعتذر عنه؟! وهل أصبحت “الكلاب الحرة” أكثر حماية من الآراء الحرة؟! وهل صار الدفاع عن سلامة المواطنين ملفًا يُعاقَب من يتحدث فيه بينما تظل المشكلة نفسها بلا حل؟!
والأكثر إثارة للتساؤل أن نقابة الأطباء، التي ينتمي إليها الدكتور محمد غنيم كطبيب، لم تتخذ هذا المسلك المتشدد ضده، رغم أن القضية في جوهرها مرتبطة بالصحة العامة والمخاطر المجتمعية، فلماذا إذن هذا الاندفاع الغريب من نقابة الممثلين؟! وهل أصبح المطلوب اليوم ألا يناقش المواطن أي قضية عامة إلا إذا ضمن مسبقًا رضا لجان السوشيال ميديا وجماعات الضغط الإلكتروني؟!
ثم نسأل السؤال البديهي بعد كل هذا الخطر: من المسئول قانونيًا؟
فالقانون رقم 29 لسنة 2023، وضع عقوبات مشددة بعضها يصل لغرامة مليون جنيه أو السجن لمدة لا تزيد عن سبع سنوات لمن يسيء استخدام الحيوان ومنها الكلاب، لكن ماذا عن الكلاب الضالة التي تُركت أصلًا في الشوارع لترعب الناس وتعتدي عليهم وتنقل إليهم الأمراض؟! وإذا تعرض طفل للعقر أو الموت، فمن يُخاصم قضائيًا؟ رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية؟ أو مديرو المديريات البيطرية أو مديريات البيئة في المحافظات؟ أم المحليات في كل محافظة؟ أم المحافظ نفسه؟
أم أن المواطن وحده هو من يدفع الثمن بينما تتبادل الجهات الرسمية البيانات والصمت؟
وإذا كان القانون المذكور قد خلا من نصوص صريحة تُحدد عقوبات مباشرة على كل مسئول يترك الشارع العام نهبًا لخطر الكلاب الضالة، فإن ذلك لا يعني أبدًا غياب المسئولية الجنائية أو الإدارية، فالقانون الجنائي الحديث لا يعترف فقط بالفعل المباشر المؤدي إلى النتيجة الإجرامية، بل يعرف أيضًا ما يسمى بـ “القتل بالترك” أو “القتل بالامتناع”، وهي صورة من صور القتل تقوم لا على فعل إيجابي مباشر، بل على الامتناع عن القيام بواجب قانوني كان يجب القيام به لمنع الوفاة أو الخطر الجسيم.
وفكرة القتل بالامتناع تقوم على أساس واضح: أن يكون هناك شخص أو جهة يفرض عليها القانون أو طبيعة الوظيفة أو المسئولية التزامًا بالحماية أو التدخل أو إزالة الخطر، ثم تمتنع عمدًا أو تتقاعس عن أداء هذا الواجب رغم قدرتها على ذلك، فيترتب على هذا الامتناع وقوع الوفاة أو الكارثة، والأصل في القانون أن الامتناع لا يُسأل عنه جنائيًا إلا إذا كان هناك واجب قانوني خاص يفرض التدخل، سواء كان مصدره القانون، أو الوظيفة العامة، أو تولي الحماية، أو حتى خلق خطر سابق يستوجب التدخل لمنعه.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: أليست الجهات التنفيذية والمحليات والهيئات المختصة مسئولة قانونًا عن حماية الطريق العام ورفع مصادر الخطر عن المواطنين؟! أليس من صميم واجباتها منع تحول الشوارع إلى مناطق تهديد للأطفال والنساء والمارة؟! وإذا كانت تعلم بوجود الخطر، وتعلم بتكرار وقائع العقر والمطاردات والحوادث والوفيات، وتملك - نظريًا على الأقل - سلطة التدخل والتنظيم والسيطرة، ثم يستمر الوضع كما هو، فأين تقف حدود المسئولية؟!
إن القتل بالامتناع لا يتحقق بمجرد الإهمال العابر، بل يشترط وجود التزام قانوني بالفعل، والقدرة على التدخل، والعلم بالخطر، ثم الامتناع عن إزالة هذا الخطر رغم وضوح نتائجه المحتملة، ولذلك فإن الفقه الجنائي يضرب أمثلة متعددة لهذه الجريمة: طبيب يمتنع عمدًا عن علاج مريض في حالة حرجة رغم قدرته، أو مسئول عن الإنقاذ يترك غريقًا يموت، أو ولي أمر يترك طفلًا بلا رعاية حتى يهلك، وفي كل هذه الصور لا يكون الجاني قد قتل بيده مباشرة، لكنه ترك الموت يقع بينما كان يملك واجب التدخل لمنعه.
ومن أكثر الأمور التي تثير الدهشة في هذا الملف، تلك السياسة التي تعلنها الهيئة العامة للخدمات البيطرية والجهات الحكومية الأخرى المختصة بهذه القضية، مرارًا باعتبارها “الحل العلمي” للأزمة، وهي الإمساك بالكلاب الضالة، ثم تطعيمها ضد السعار، ثم تعقيم الذكور منها، ثم إعادة إطلاقها مرة أخرى إلى الشوارع!
والحقيقة أن هذا الطرح - بكل أسف - يبدو أقرب إلى التصور النظري الخيالي منه إلى خطة واقعية قابلة للتنفيذ على الأرض، فنحن نتحدث عن عشرات الملايين من الكلاب المنتشرة في محافظات ومدن وقرى ونجوع مصر، فهل تملك الهيئة العامة للخدمات البيطرية والمحليات والجهات الحكومية الأخرى وجمعيات حقوق الحيوان في مصر فعلًا الإمكانات البشرية واللوجستية والمالية والطبية القادرة على الإمساك بهذه الأعداد الهائلة وتعقيمها وتطعيمها ومتابعتها بصورة دورية دقيقة؟! وهل توجد أصلًا منظومة رقابة تضمن أن الكلب الذي أُعيد إطلاقه لن يتحول مرة أخرى إلى مصدر رعب وخطر في الشارع؟!
ثم إن السؤال الأهم الذي يتجاهله هذا الطرح: هل تعقيم الكلب أو تطعيمه ضد السعار يمنعه من العقر؟! هل سيمنع مطاردة الأطفال والبنات والسيدات والمارة؟! هل سيمنع الهجوم الجماعي أو نوبات العدوانية أو الرعب النفسي الذي يعيشه الناس يوميًا؟! وهل المطلوب من المواطن أن يقبل بالعقر والخوف والإصابات، طالما أن الكلب - نظريًا - “مطعّم” ضد السعار؟! وكأن الإنسان في نظر هذه السياسات ليس له حق في الأمان النفسي والبدني، بل فقط حق ألا يموت بالسعار بعد أن يُعقر!
والأدهى أن بعض مناصري هذا النهج يحاولون تصويره وكأنه النموذج الذي تطبقه “الدول المتحضرة”، بينما مراجعة بسيطة لتجارب العالم تكشف العكس تمامًا، فمعظم الدول المتقدمة لا تسمح أصلًا بتحويل الشوارع إلى بيئة مفتوحة للكلاب السائبة، ولا تتسامح مع الإطعام العشوائي للحيوانات في الطرقات، لأنها تعتبر ذلك عاملًا مباشرًا في جذب الكلاب وتكاثرها وتكوين تجمعات عدوانية وخلق فوضى صحية وبيئية وأمنية.
في الولايات المتحدة الأمريكية، تحظر مدن وولايات عديدة - مثل فلوريدا وتكساس وكاليفورنيا ونيويورك - إطعام الحيوانات السائبة في الشوارع، وتفرض غرامات تصل إلى مئات الدولارات، لأن الطعام يجذب المزيد من الكلاب ويزيد احتمالات العضّ والعدوانية.
وفي فرنسا، لا يُسمح بإطعام الحيوانات السائبة إلا عبر جهات مرخصة وتحت إشراف بلدي وبيطري صارم، وفي ألمانيا قد تصل الغرامات إلى آلاف اليوروهات باعتبار الإطعام العشوائي تدخلًا يخل بالنظام البيئي الحضري، أما اليابان، التي تكاد تخلو أصلًا من الكلاب الضالة، فتعتبر التعامل مع الحيوان السائب مسئولية الدولة وحدها، لا هواية يمارسها الأفراد في الشوارع.
حتى في دول عربية مثل الإمارات وقطر، توجد قرارات واضحة تمنع إطعام الحيوانات السائبة في الأماكن العامة إلا تحت إشراف رسمي، لأن هذه الدول فهمت ببساطة أن الرحمة بالحيوان لا تعني أبدًا تحويل الشوارع إلى مأوى مفتوح يهدد الناس ويشوّه النظام العام.
أما هولندا، تُعد بالفعل أول دولة في العالم تعلن خلو شوارعها تمامًا من الكلاب والحيوانات الضالة، وهو إنجاز تاريخي حققته باتباع برامج إنسانية وقوانين صارمة بدلًا من القتل والتعذيب، حيث تم القضاء على هذه الظاهرة بفضل مجموعة من الإجراءات، وكان يجب على جهاتنا الحكومية مراجعة هذه التجارب والاستفادة منها وتطبيقها في مصر.
ورغم كل ذلك، فبعض الأصوات تريد إقناع المجتمع بأن ترك الكلاب في الشوارع وإطعامها يوميًا هو قمة التحضر والرقي الإنساني، بينما الحقيقة أن أغلب الدول التي يُستشهد بها في هذا الجدل لا تسمح أصلًا بما يحدث في شوارعنا.
إن التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة في مصر لم يعد يجوز أن يظل حبيس الزاوية البيطرية أو النقاشات المجتمعية المتفرقة، بل أصبح من الضروري أن تخضع هذه القضية لدراسة شاملة من قبل الجهات السيادية في الدولة، باعتبارها ظاهرة مركبة تمس الأمن المجتمعي والصحة العامة والسلم الاجتماعي في آن واحد، فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود حيوانات في الشوارع، بل بملف تتداخل فيه أبعاد متعددة: البعد الصحي المرتبط بالأمراض والعقر، البعد الأمني المرتبط بحوادث المطاردة والإصابات، والبعد الاجتماعي المرتبط بحالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع.
كما أن هذه الظاهرة لا بد أن تُدرس أيضًا من زاوية ما يُثار حولها إعلاميًا وعلى منصات التواصل، حيث يتحول أحيانًا النقاش من كونه نقاشًا علميًا أو إداريًا إلى حالة تعبئة رأي عام مضاد لأي معالجة جذرية، مع وجود خطاب عاطفي ضاغط قد لا يعكس دائمًا حجم المعاناة الواقعية على الأرض، وهو ما يفرض التساؤل حول طبيعة هذا الحشد الإعلامي، وحدود تأثيره، وآلياته، وما إذا كانت هناك جهات أو تمويلات أو منظمات تعمل على توجيه هذا الملف بشكل أو بآخر.
ومن هنا فإن التعامل مع هذه القضية باعتبارها مجرد ملف بيطري أو خيري هو تبسيط مخل، لأن ما يحدث على الأرض يرقى إلى كونه تهديدًا مباشرًا للسلم الاجتماعي، نتيجة حالة الانقسام الحاد، وتزايد الحوادث، وتآكل الإحساس العام بالأمان في بعض المناطق، وبالتالي فإن إدراج هذا الملف ضمن دوائر الدراسة الاستراتيجية المتكاملة أصبح ضرورة، لا ترفًا، لضمان الوصول إلى مقاربة متوازنة تحمي الإنسان أولًا، دون إغفال البعد الإنساني تجاه الحيوان، ولكن في إطار لا يهدد استقرار المجتمع أو أمنه القومي.
هل أصبح الدفاع عن حق الإنسان في الأمان تهمة؟ وهل المطلوب من الجميع أن يصمتوا حتى لا يغضب جيش “الرفق بالكلاب”؟!
نحن لا ندعو إلى التعذيب ولا إلى الوحشية، بل ندعو إلى إدارة علمية حقيقية للملف: حصر، رقابة، إيواء منظم، منع التكاثر العشوائي، حماية المواطنين، وتطبيق القانون بوضوح.
لكن ما يحدث الآن ليس رحمة بالحيوان… بل قسوة على الإنسان... لقد أصبح لدينا جمعيات كثيرة للرفق بالحيوان…
وربما حان الوقت فعلًا لإنشاء “جمعية للرفق بالإنسان”.
في النهاية.. أود أن أقدّم اعتذارًا صادقًا لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، إذا كان في مناشدتي له الآن بالتدخل المباشر في هذا الملف الكارثي ومراجعة التشريعات المنظمة له، تحميلٌ زائد أو غير مناسب لمقام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، لأنني أدرك تمامًا حجم المسئوليات الجسام الملقاة على عاتقه، وما تواجهه الدولة المصرية من تحديات داخلية وخارجية كبرى وبالغة التعقيد على مختلف المستويات، وهو ما يجعل من غير المنطقي أن يُلقى على مؤسسة الرئاسة كل تفصيل من تفاصيل الملفات الخدمية أو المجتمعية، ومع ذلك، فإنني لا أزال أرى أن هذا الملف لم يعد مجرد شأن إداري أو بيطري محدود، بل أصبح قضية تمس حياة المواطن اليومية وصحته بشكل مباشر، من حيث الأمان في الشارع العام، وسلامة الأطفال والنساء، والإحساس العام بالطمأنينة، بما يجعلها في دائرة الاهتمام العام العاجل، في إطار من التوازن بين حماية الإنسان والاعتبارات الإنسانية الأخرى، بما يحقق الصالح العام ويصون كرامة المواطن وأمنه في آن واحد.
وفي هذا السياق، لا يمكن إلا أن يُقال بكل إنصاف إن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قد ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بمحاولات جادة لإعادة بناء الدولة المصرية وتثبيت مؤسساتها في ظروف شديدة الصعوبة، مع قدر واضح من الحسم في ملفات تتعلق بالأمن والاستقرار، ومن هذا المنطلق، فإن الأمل في الرئيس يبقى دائما هو الحل الأمثل، وهذا قدرهُ الذي لم يتخل عنه يومًا.


















0 تعليق