فخ ثوسيديدس.. إعادة توزيع الهيمنة وحدود تحول النظام العالمي

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

لا يزال التحذير الذي أطلقه الرئيس الصيني شي جين بينج في وجه نظيره الأمريكي دونالد خلال لقائهما الأخير في بكين من خطورة الانزلاق إلى "فخ ثوسيديدس" يشغل بال كثير من المحللين ومراكز الفكر الاستراتيجي على مستوى العالم.

 

بحسب المؤرخ والفيلسوف الإغريقي ثوسيديدس، فإن القوة المهيمنة تنزلق دائما إلى صدام حتمي مع القوة الصاعدة التي تهدد هيمنتها.

 

ثوسيديدس أرجع هذه النتيجة الحتمية خلال تأملاته للحروب البيلوبونيسية في القرن الخامس قبل الميلاد بين إسبرطة (المهيمنة) وأثينا (الصاعدة)، إلى الخوف الذي يدفع نحو الصدام مع الخصم، إما لإنهائه أو على الأقل لتعطيل رحلة صعوده والاحتفاظ بالهيمنة.

 

الباحث الأمريكي جراهام أليسون أعاد إنتاج المصطلح في كتابه "مصير الحرب: هل تستطيع أمريكا والصين الهروب من فخ ثوسيديدس؟" الصادر في عام 2017، معتبرا أن السبب الحقيقي وراء تلك الحرب المدمرة لن يكون رغبة أي من الطرفين فيها، إنما بسبب الخوف والذعر من أن تهدد الصين الصاعدة بإزاحة الولايات المتحدة الأمريكية المهيمنة.

 

المحللون اعتبروا أن صدور هكذا تحذير على لسان رئيس الصين يشير لعدة حقائق، أولها أن الصينيين باتوا يدركون جيدا أنهم "قوة صاعدة"، وأن الولايات المتحدة قوة متراجعة. هو إقرار بحقيقة بات يدركها الجميع بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، وتأكيد على إدراك صيني عميق لطبيعة اللحظة الدولية الراهنة.

 

جاءت الرسالة الصينية مكتملة المعنى، تحدث بينج من موقع قوة يرى بلاده في حالة صعود متواصل، وبادر بالتحذير من الانزلاق نحو حرب رآها المفكرون الأمريكيون قبل غيرهم.

 

الصين حاولت من خلال تحذير رئيسها التأكيد على أنها ليست مجرد قوة اقتصادية كبيرة داخل النظام الذي صنعته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما تحولت إلى منافس شامل يمتلك أدوات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية وسياسية تسمح لها بالتأثير في بنية هذا النظام نفسه.

 

زيارة ترامب إلى بكين في أثناء اشتعال الصراع بالشرق الوسط لتسوية بعض الملفات العالقة تثبت هذا المعنى وتؤكده. الولايات المتحدة باتت تدرك بغير نكران أن الصين أصبحت رقما صعبا في معادلة موازين القوى والنفوذ.

 

في المقابل، ترى بكين الولايات المتحدة - رغم احتفاظها بأضخم قوة عسكرية وأكبر نفوذ مالي في العالم – على أنها تواجه أعراض إنهاك استراتيجي واضحة تتمثل في استقطاب داخلي حاد، وأزمات اقتصادية متكررة، وارتفاع كلفة الالتزامات العسكرية الخارجية، وتراجع القدرة على فرض الإرادة الأمريكية بالفاعلية نفسها التي ميزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، سواء عن طريق الإقناع أو الإخضاع.

فقدت الولايات المتحدة من وجهة نظر خصومها الكثير من قدرتها على التأثير بسبب تخبط إداراتها المختلفة وبالأخص الإدارة الحالية التي فقدت الكثير من الحلفاء المؤثرين.

 

 

الأهم أن هذا التقدير لم يعد حكرا على الخطاب الصيني أو الروسي أو حتى خصوم واشنطن التقليديين، بل أصبح جزءا من نقاش داخلي أمريكي واسع داخل مراكز التفكير والجامعات والمؤسسات الأمنية، التي ترى في الأفق نهاية الأحادية القطبية وانتقال العالم إلى نظام أكثر سيولة وتعقيدا.

 

اللافت أن الصين لا تتحدث عن هذا التحول بلغة انتصار أيديولوجي كما كان يفعل الاتحاد السوفيتي سابقا، وإنما بلغة أكثر هدوءا وبراجماتية، حيث لا تقدم نفسها باعتبارها قوة ثورية تسعى إلى إسقاط النظام الدولي بالكامل، بل كقوة تريد إعادة توزيع النفوذ داخله بما يعكس وزنها الاقتصادي والسياسي الحقيقي.

 

ولأن بكين تدرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه هو الذعر الأمريكي من فقدان التفوق التاريخي والهيمنة على ثروات وموارد العالم، جاء التحذير الصيني من أن سوء إدارة هذا التحول قد يدفع العالم كله إلى مرحلة اضطراب ممتد تتجاوز آثاره حدود الصراع بين واشنطن وبكين نفسها.

 

لم يكن التحذير الصيني عفويا، بقدر ما عكس ما يدور في عقول الصينيين حول أن الصدام المسلح مع الولايات المتحدة يبقى احتمالا قائما لا سيما إن كانوا يعرفون كيف يفكر الأمريكان في مثل هذه المواقف.

 

اللقاء الذي جمع بين بينج وترامب، رغم كل التصريحات الدبلوماسية والبيانات الهادئة، يكشف في جوهره عن لحظة أعمق في التاريخ الدولي المعاصر. لحظة تتجاوز تفاصيل التجارة والرسوم الجمركية إلى صياغة النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.

 

بتأكيد الصين العلني واعتراف أمريكا الضمني بحقيقة أن النظام العالمي يشهد تحولات كبيرة، فالخطورة هنا ليست في "الحتمية" وإنما في "الآلية".

 

الخطر يكمن في الطريقة التي سيتم بها هذا التحول. هل سيكون هادئ/تعاوني أم صاخب/تصادمي في ظل بيئة يحكمها الشك الدائم بين الخصمين؟

 

واشنطن لم تعد ترى في الصين مجرد فاعل اقتصادي داخل نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل أصبحت طرفا يسعى إلى إعادة توزيع مراكز الثقل داخله.

 

تصريحات ترامب على متن طائرته الرئاسية في طريق عودته إلى بلاده أكدت هذا المعنى، حيث قال بوضوح ودون مواربة أنهم (يقصد الولايات المتحدة) ساهموا في صعود الصين السريع.

 

صحيح أن واشنطن لا تبدو في موقع انهيار، لكنها لم تعد قادرة على تجاهل الصعود الصيني، مع فارق أن واشنطن مثقلة بالتزامات عديدة تجاه العالم من أوروبا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط، في وقت لا تلتزم الصين فيه بأي شيء تجاه أحد.

 

تلك الالتزامات التي يحاول ترامب وفريقه الآن التخفف منها قدر الإمكان (الناتو-الأمم المتحدة والمنظمات الدولية- أمن الحلفاء- ضمان حرية التجارة) في محاولة لإعادة ضبط النظام، لا الدفاع عن وضع مستقر.

 

من غير شك، تتحمل واشنطن العبء الأكبر من الالتزامات تجاه النظام العالمي القائم، لكن تلك الالتزامات هي التي توفر للولايات المتحدة هذه المكانة الدولية المهيمنة.

بعبارة أكثر وضوحا، فإن كل ما تتحمله الولايات المتحدة من التزامات لحماية النظام العالمي يتحول إلى امتيازات ومصالح تفوق أضعاف تلك الأعباء.

 

تحلل أمريكا من التزاماتها تجاه العالم سيصاحبه بالضرورة تراجع في هيمنتها على العالم، وهذه حقيقة يدركها خصوم الولايات المتحدة أنفسهم ويشجعون عليها.

 

رغم ما حملته قمة "بينج/ترامب" من توقعات عالية، فإن طبيعتها كانت أقرب إلى "إدارة الخلافات" لا حلها، خصوصا أن الطرفان لا يملكان ترف القطيعة الكاملة، ولا القدرة على الوصول إلى تسوية شاملة.

 

يمكن الحكم على القمة الصينية الأمريكية بثلاثة مستهدفات هم، خفض مؤقت للتوتر، إعادة ضبط قواعد الاشتباك، تأجيل حسم القضايا البنيوية الأكثر حساسية مثل التكنولوجيا والطاقة والتحالفات الإقليمية لحين الوصول إلى تفاهمات اكبر.

انتهت الزيارة دون اختراق كبير للملفات الأكثر حساسية، وبقيت بنية الصراع قائمة حتى الآن، لكن العالم لا يتغير دفعة واحدة، وعملية إعادة التشكيل تلك ربما تستغرق سنوات عبر إجراءات تبدو في ظاهرها دبلوماسية، لكنها في جوهرها إعادة توزيع بطيئة لميزان القوة العالمي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق