.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
شهدت مصر تدوين صفحة جديدة في تاريخها التنموي بافتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمشروع “الدلتا الجديدة” المتكامل، حيث لم يعد المشروع مجرد طرح أو خطة استصلاح تقليدية، بل بات يمثل رسميًا أضخم مشروع زراعي وصناعي وعمراني في تاريخ مصر الحديث، وشريان أمن غذائي يمتد في قلب الصحراء الغربية ليعيد رسم الخريطة الديموغرافية والاقتصادية للدولة المصرية وفق رؤية مستدامة تمتد حتى عام 2050.
ويقف وراء هذا الإنجاز التاريخي جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذي أثبت عبر معدلات تنفيذ قياسية قدرة الدولة على تحويل التحديات الجيوسياسية والمناخية إلى فرص إنتاجية حقيقية، من خلال بناء اقتصاد أخضر مستدام قائم على التكنولوجيا الرقمية والشراكة الذكية مع القطاع الخاص.
جهاز مستقبل مصر ورؤيته الاستراتيجية
ولا يمكن قراءة أبعاد مشروع الدلتا الجديدة بمعزل عن الفلسفة الاستراتيجية التي يديرها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، حيث يقود الجهاز اليوم منظومة متكاملة من المشروعات القومية عبر صياغة شراكات استراتيجية فعالة ترتكز على الاستثمار التنموي الشامل باعتباره أداة فاعلة لدعم الناتج المحلي الإجمالي والمساهمة المباشرة في نمو الاقتصاد المصري.
ولا يعتمد الجهاز في رؤيته على مشروعات منفصلة بل على الإنتاج الحقيقي والتكامل بين القطاعات والإدارة الرشيدة للأصول والتعاون مع المؤسسات المالية الدولية والمحلية لضمان الدعم الفني والاستثماري المشترك، وتطوير نموذج وطني مستدام يعتمد على تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وإضافة قيمة اقتصادية حقيقية للأصول، مع دعم البنية التحتية الخضراء وتوطين التكنولوجيا الحديثة في مجالات عمله المتكاملة التي تشمل الزراعة الحديثة والتصنيع الزراعي والطاقة المتجددة والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، وصولًا إلى التنمية العمرانية والاستثمار اللوجستي والتحول الرقمي والتعدين والسياحة بهدف زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
نطاق المشروع وموقعه الجغرافي العبقري
ويمثل مشروع الدلتا الجديدة أكبر مشروع زراعي وتنموي متكامل في تاريخ مصر والعالم من حيث المساحة المستهدفة ونظم الإدارة، حيث يمتد على مساحة عملاقة تصل إلى 2.2 مليون فدان ومستهدف أن تلامس 2.5 مليون فدان في مراحلها النهائية.
ويتميز المشروع بموقعه الجغرافي العبقري غرب الدلتا القديمة ممتدًا على طول محور روض الفرج - الضبعة الجديد وبامتداد محور الشيخ زايد، ليربط جغرافيًا وإداريًا بين أربع محافظات كبرى هي مطروح والبحيرة والجيزة والفيوم، ويبعد نحو ثلاثين دقيقة فقط عن مدينة السادس من أكتوبر والكيلو 22 من محور الشيخ زايد، مما يمنحه ميزة لوجستية استثنائية لكونه قريبًا من موانئ التصدير والأسواق المحلية الكبرى بمقاييس هندسية تبلغ 120 كيلومترًا طولًا وعمق يتراوح بين 60 إلى 70 كيلومترًا.
الإعجاز المائي وتحديات البنية التحتية
وقد تحدت الدولة المصرية عبر هذا المشروع القوانين الطبيعية للجغرافيا من خلال هندسة مسارات مائية عملاقة لنقل المياه عكس الانحدار الطبيعي عبر منظومة مائية ثلاثية المصادر تشمل المياه السطحية ومياه الصرف الزراعي المعالج والمياه الجوفية، ويتم إمداد المشروع بنحو 10 ملايين متر مكعب يوميًا من المياه السطحية، ويُضاف إليها 7.5 ملايين متر مكعب يوميًا من مياه الصرف الزراعي المعالج عبر المحطة العملاقة الحاصلة على شهادة موسوعة جينيس للأرقام القياسية، بجانب الاعتماد الرشيد والمستدام على المياه الجوفية.
ولتحقيق هذا الإنجاز، شهد المشروع تنفيذ بنية تحتية فائقة تضمنت مسارات مائية رئيسية بأطوال تصل إلى 697 كيلومترًا من القنوات المفتوحة، وإنشاء خطوط مواسير رئيسية وفرعية بأطوال فلكية بلغت 9،100 كيلومتر، مدعومة بإنشاء 28 محطة رفع رئيسية وتنفيذ 388 بوستر لرفع الضغط وتدفق المياه، مع تشغيل 8،100 جهاز ري محوري يعتمد على أنظمة الري بالتنقيط والتحكم الرقمي والاستشعار عن بُعد.
وتتكامل هذه المنظومة المائية مع شبكة طاقة ضخمة تشمل 18 محطة محولات كهربائية بقدرات إجمالية تصل إلى 2051 م.ف.أ، وشبكة توزيع قوامها 121 ألف عمود كهرباء تمتد على مسار 19 ألف كيلومتر، فضلًا عن شق طرق داخلية ومحاور لوجستية بأطوال تصل إلى 12 ألف كيلومتر لربط أراضي المشروع بالشبكة القومية للطرق.
محطة "نبع" القلب النابض للمنظومة المائية
وتُعد محطة الرفع الرئيسية رقم 3 والمعروفة باسم محطة نبع الركيزة الأساسية والهندسية الأهم في المنظومة المائية للدلتا الجديدة، فهي تمثل عقلًا تكنولوجيًا يدير تدفقات المياه الحيوية ويقوم برفع تصرف مائي هائل يصل إلى 9.75 ملايين متر مكعب يوميًا.
وتضم المحطة 11 مضخة عملاقة منها 9 مضخات رئيسية ومضختان للاحتياطي لضمان استمرارية التشغيل دون انقطاع، وتدار عبر 11 محركًا كهربائيًا بقدرة 3500 كيلووات للمحرك الواحد، وتكتسب محطة نبع أهمية استراتيجية كبرى لكونها تقع على بعد 56 كيلومترًا من مأخذ المصدر الشرقي وتخدم زمامًا زراعيًا مباشرًا يُقدر بـ 470 ألف فدان، حيث تسهم في تغذية ما يقرب من 80% من مشروع الـ 300 ألف فدان وتغذي 100% من مشروع الـ 400 ألف فدان، وتعمل المحطة بنظام تحكم رقمي ذكي كامل ومستقل مربوط برادار غرف التشغيل المركزية سكادا مما يسمح بالإدارة والتشغيل اللحظي عن بُعد، كما تم تصميمها وتأمينها ضد أي اضطرابات أو انقطاع مفاجئ في شبكة القوى الكهربائية بتقنيات متطورة ومحولات جهد متوسط تشتمل على أنظمة تهوية وإنذار ومكافحة حريق تُطبق لأول مرة في قطاع المياه داخل جمهورية مصر العربية لضمان أعلى مستويات الدقة والكفاءة التشغيلية.
التنوع المحصولي ودعم الأمن الغذائي
ويتبنى مشروع الدلتا الجديدة تركيبة محصولية ذكية تستهدف معالجة الفجوة الغذائية وتقليل فاتورة الاستيراد، وتعظيم الصادرات عبر تضافر الجهود مع أكثر من 250 شركة زراعية واستثمارية من القطاع الخاص تعمل جنبًا إلى جنب مع جهاز مستقبل مصر في إدارة وتشغيل مساحات واسعة من الأراضي.
ويأتي القمح في مقدمة هذه المحاصيل الاستراتيجية لتأمين الاحتياجات المحلية وتحقيق الاستقرار الغذائي للمواطن، يليه بنجر السكر لتقليل الفجوة الاستيرادية في قطاع السكر وفتح آفاق لتصدير الفائض للخارج لدعم موارد الدولة من النقد الأجنبي. وتتوسع الخطة الزراعية أيضًا في زراعة الكتان كمحصول ثنائي الغرض يدخل في الصناعات الغذائية من خلال إنتاج زيت الكتان، بينما تُستغل مخلفاته الزراعية كمصدر مهم لإنتاج الأعلاف الحيوانية بما يدعم قطاع الثروة الحيوانية ويحل أزمة نقص الأعلاف.
القيمة المضافة: مدينة مستقبل مصر الصناعية ومركز سفنكس
ولم يعد الفكر التنموي المصري يقتصر على بيع المواد الخام، لذلك تم دمج قطاعي الصناعة والتجارة في قلب الدلتا الجديدة عبر صرحين عالميين، أولهما مدينة مستقبل مصر الصناعية التي تمثل أكبر منطقة تصنيع زراعي لتحويل الخامات الزراعية إلى منتجات نهائية جاهزة للتصدير والتداول، وتضم مصانع للسكر والنشا والجلوكوز والعصائر والمركزات والمربى والصلصة والخضروات والفواكه المجمدة والبطاطس نصف الجاهزة والأعلاف واللحوم المصنعة والعبوات المعدنية، مدعومة بثلاجات تبريد وتجميد ومحطات تعبئة وتغليف ذات بنية تحتية ذكية وشبكات طرق ومياه وكهرباء حديثة.
وثانيهما مركز سفنكس لتجارة المحاصيل الذي يمثل نقلة نوعية كأكبر سوق متكامل لتجارة المحاصيل في الشرق الأوسط، ويقع في موقع استراتيجي عند الكيلو 22 من محور الشيخ زايد بتقاطعه مع محور سفنكس على بعد كيلومتر واحد من الطريق الدائري الإقليمي ويمتد على مساحة تقارب 500 فدان، ويضم أسواقًا متخصصة للخضروات والفواكه والبقوليات والأسماك والفواكه الموسمية، ومخازن مبردة ومجمدة، وبورصة للحاصلات الزراعية، ومحطات فرز وتعبئة، ومركزًا للمال والأعمال متعدد الاستخدامات مع توفير كافة الخدمات الحكومية واللوجستية.
الاقتصاد الأخضر وفرص العمل للتنمية المجتمعية
ويُصنف مشروع الدلتا الجديدة كأحد أبرز نماذج الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة منخفضة الأثر البيئي، وذلك من خلال التوسع في الزراعة المستدامة وإعادة استخدام المياه ومعالجتها وترشيد استهلاك الطاقة وتطبيق نظم التشغيل الذكية لتقليل الفاقد وإنشاء مجتمعات إنتاجية متكاملة.
وعلى صعيد التنمية البشرية ومواجهة البطالة وتخفيف التكدس السكاني في الوادي الضيق، يسهم المشروع في خلق فرص عمل واسعة داخل المجتمعات الجديدة حيث يوفر نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة لشباب المهندسين والفنيين والزراعيين، وأكثر من 360 ألف فرصة عمل غير مباشرة في قطاعات النقل والتخزين واللوجستيات والتشييد والتصنيع الغذائي، مع خطة مستدامة لتدريب وتأهيل الشباب للمشاركة في هذه المشروعات القومية الكبرى ليكونوا قادرين على قيادة واستيعاب الزيادة السكانية خلال السنوات المقبلة، مما يجسد تحولًا استراتيجيًا في مسار التنمية وبناء اقتصاد قوي قائم على الإنتاج الحقيقي وتعظيم الاستفادة من الموارد للأجيال القادمة.











0 تعليق