لا تنازلات.. دخول الصراع بين إيران وأمريكا مرحلة كسر الإرادات

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

 

 

بعد الحرب الأخيرة ووقف إطلاف النار أصبح تقديم التنازلات بين إيران والولايات المتحدة خلال المفاوضات أكثر صعوبة، لأن كل طرف بات ينظر إلى الصراع باعتباره معركة إرادة وهيبة وليس مجرد خلاف سياسى قابل للتسوية. فالحرب لم تُنهِ الأزمة، بل عمّقت مشاعر العداء والشك، ورسخت لدى القيادتين قناعة بأن أى تراجع الآن قد يُفسَّر على أنه هزيمة استراتيجية.

الولايات المتحدة ترى أن الضغوط العسكرية والاقتصادية التى مورست على إيران خلال الفترة الماضية أضعفتها نسبيًا، ولذلك تعتقد أن الوقت ليس مناسبًا لتقديم تنازلات كبيرة. واشنطن تخشى أن يؤدى أى تخفيف واسع للعقوبات أو قبول بالشروط الإيرانية إلى منح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية وتعزيز نفوذها الإقليمى.
كما أن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطًا داخلية من الكونجرس والتيارات المحافظة وحلفاء واشنطن فى المنطقة، خاصة إسرائيل، الذين يعتبرون أن أى مرونة تجاه إيران ستُقرأ كإشارة ضعف وتشجع طهران على مواصلة سياساتها الإقليمية وبرنامجها الصاروخى والنووى.

فى المقابل، ترى إيران أنها صمدت أمام الضغوط والحرب ولم تنهَر كما كان متوقعًا، ولذلك تعتبر أن تقديم تنازلات بعد هذه المواجهة سيُفقدها ما تعتبره «انتصار الصمود». القيادة الإيرانية تدرك أن أى تراجع كبير فى الملف النووى أو الإقليمى قد ينعكس داخليًا باعتباره رضوخًا للإملاءات الأمريكية بعد سنوات من الخطاب القائم على المقاومة والتحدى. 
كما أن المؤسسة الحاكمة فى طهران أصبحت مقتنعة بأن واشنطن لا تقدم ضمانات يمكن الوثوق بها، خاصة بعد تجربة الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى السابق، لذلك ترفض تقديم تنازلات مجانية قد لا تحصل مقابلها على مكاسب دائمة.

هناك أيضًا عامل متعلق بطبيعة الصراع نفسه. فالأزمة لم تعد محصورة فى تخصيب اليورانيوم أو العقوبات الاقتصادية، بل تحولت إلى صراع على النفوذ الإقليمى وترتيب موازين القوى فى الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة تريد تقليص الدور الإيرانى فى المنطقة بعدما فشلت فى إسقاط النظام أو تغيير سلوكه بفعل الحرب، بينما تعتبر إيران أن برنامجها النووى ونفوذها الإقليمى جزء أساسى من أمنها القومى وخط دفاعها الأول. ولهذا فإن أى تنازل من أحد الطرفين يُنظر إليه باعتباره خسارة استراتيجية قد تغير شكل التوازن الإقليمى لسنوات.

كما أن الحرب الأخيرة عززت نفوذ التيارات المتشددة داخل إيران، حيث اكتسب الحرس الثورى والتيار المحافظ نفوذًا أكبر باعتبار أن المواجهة أثبتت ـ من وجهة نظرهم ـ أن القوة وحدها هى التى تفرض المعادلات. ومع صعود هذه التيارات، تصبح فرص الحلول الوسط أضعف، لأن الخطاب السياسى يتحول من البحث عن تسوية إلى التركيز على الردع وإثبات القوة.

إضافة إلى ذلك، يخشى كل طرف أن يُفسّر أى تنازل على أنه نتيجة مباشرة للحرب والضغوط العسكرية. الولايات المتحدة لا تريد أن تبدو وكأنها فشلت فى تحقيق أهدافها رغم القوة العسكرية والعقوبات، وإيران لا تريد أن تظهر بمظهر الدولة التى أُجبرت على التراجع تحت الحصار والحرب والتهديد. لذلك يتمسك الطرفان بخطوط حمراء صارمة، حتى لو أدى ذلك إلى إطالة الأزمة.

لهذا تبدو المفاوضات محكومة بسقف منخفض للغاية، حيث يسعى كل طرف إلى كسب الوقت وتحسين موقعه دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل احتمالات الاتفاق الشامل محدودة فى المدى القريب، ويُبقى المنطقة أمام حالة توتر قابلة للتصعيد فى أى لحظة.

كما أن أزمة الثقة بين الجانبين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. فالإيرانيون لا ينسون انسحاب واشنطن من الاتفاق النووى السابق رغم التزام طهران ببنوده وفق تقارير دولية، بينما ترى الولايات المتحدة أن إيران استغلت فترات التفاوض السابقة لتوسيع برنامجها النووى والعسكرى وتعزيز نفوذها الإقليمى. هذه الهوة العميقة تجعل أى وساطة دولية عاجزة عن تقديم ضمانات حقيقية للطرفين، خصوصًا مع تغير موازين القوى الدولية واحتدام الصراع الأمريكى مع روسيا والصين، اللتين تقترب منهما إيران بصورة متزايدة.

وفى حال استمرار الجمود وعدم التوصل إلى اتفاق، تبرز عدة سيناريوهات محتملة. 
أولها بقاء الوضع الحالى فى إطار «اللا حرب واللا سلم»، أى استمرار وقف إطلاق النار الهش مع تصعيد متقطع عبر الوكلاء والهجمات البحرية والضربات المحدودة، دون انزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا السيناريو قد يستمر لفترة طويلة لأنه يحقق للطرفين تجنب الحرب الكبرى مع الحفاظ على أوراق الضغط.

السيناريو الثانى يتمثل فى تصاعد المواجهة الاقتصادية والعسكرية تدريجيًا، مع تشديد العقوبات والحصار البحرى، ورد إيران عبر استهداف المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية بشكل غير مباشر. وفى هذه الحالة قد تشهد المنطقة موجات جديدة من الهجمات على السفن والمنشآت النفطية، ما يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية ويرفع أسعار النفط بصورة حادة.

أما السيناريو الأخطر فهو انهيار وقف إطلاق النار بالكامل وعودة المواجهات العسكرية المباشرة، عندها قد تتجه الأمور إلى ضربات واسعة ضد المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما قد يدفع طهران إلى رد إقليمى شامل يطال القواعد الأمريكية وحركة الملاحة الدولية، بما يفتح الباب أمام استئناف حرب واسعة يصعب احتواء تداعياتها.

فى النهاية، يبدو أن المسافة بين واشنطن وطهران أصبحت أكبر من أن يجسرها وقف إطلاق نار مؤقت أو وساطات دبلوماسية محدودة.  وهو ما يجعل احتمالات الاتفاق الشامل ضعيفة فى المدى القريب، بينما تبقى المنطقة رهينة هدنة قابلة للانفجار فى أى لحظة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق