.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تُعد صناعة الأثاث واحدة من أبرز الحرف التى تميز مصر وتنتشر فى مختلف محافظاتها، حيث ارتبطت هذه الصناعة بالهوية المصرية عبر أجيال متعاقبة، لتصبح جزءًا من تراثها ومصدرًا لإبداع لا يتوقف.
ومن دمياط التى تُعرف بعاصمة الأثاث، حيث يتحول الخشب إلى أنغام تشبه عزف الآلات، إلى قرية كتامة بالغربية التى يبدع صنّاعها سيمفونيات من النقوش والزخارف على قطع الموبيليا، تتجلى براعة المصريين فى تحويل المادة الخام إلى فن نابض بالحياة.
وفى الإسكندرية، تظل «سوق الترك» شاهدًا على تاريخ طويل من إنتاج أجود قطع الأثاث، فى منطقة توارثت المهنة أبًا عن جد، بينما تحافظ «طنان» بالقليوبية على حضورها فى تزيين منازل العاصمة بأثاثها المميز، وعلى مقربة من قلب القاهرة، تبقى سوق المناصرة عتيقة وعريقة، كأقدم أسواق الموبيليا فى مصر.
فى هذا الملف، تجوب «الدستور» المحافظات بحثًا عن مناجم الإبداع فى صناعة الأثاث، لتوثيق قصص الصنايعية الذين يحولون الخشب إلى تحف فنية تزين البيوت المصرية.
صُناع دمايطة: مهنتنا أساسها الإبداع.. ونصنع تحفًا فنية على أعلى مستوى من الدقة
تعد مهنة الأثاث فى محافظة دمياط مهنة أصيلة، وأحد أساسيات الاقتصاد المصرى، حيث يعمل بها عشرات الآلاف من العمال والصناع فى محافظة دمياط فى آلاف الورش الموجودة على مستوى المحافظة، فمهنة الأثاث لا تقتصر على كونها حركة بيع وشراء وتسويق، بل هى مراحل تصنيع مختلفة يشارك فيها العديد من صناع الأثاث ما بين استورجى ونجار وأويمجى ومنجد، من أجل إخراج المنتج النهائى بهذا الشكل.
وتُعتبر مهنة الأويما إحدى أهم مهن تصنيع الأثاث فى دمياط، حيث إنها مسئولة عن تشكيل الخشب وتحويله إلى تحف فنية، وكيفية تحويل قطعة خشب صماء إلى ورود وأشكال فنية تُبدع فيها أيادى الأويمجية فى دمياط، وتجعل الإقبال على شراء الأثاث متزايدًا بسببها.
وعندما تزور ورش الأويمجية فى دمياط تجد نفسك دخلت متاحف فنية أو معارض نحاتين، حيث تبدأ من مجرد تصميم على ورقة بيضاء، إلى تحفة فنية ناطقة تخطف أنظار كل من يراها، بل وتجعلهم ينبهرون بما يقدمه الصانع الدمياطى من لمسات فنية.
يقول عماد حبيشى، أويمجى من دمياط، إن مهنة الأويما تعتمد على الفن والإبداع، حيث فى البداية يُرسم الشكل المُراد تنفيذه على ورقة بيضاء، ويتم لصقها على قطعة الخشب، ومن ثم يتم إرسال قطعة الخشب إلى ماكينة التخبيط وهى ماكينة دورها تكسير الخشب وإعطاء شكل مبدئى لما يراد تنفيذه، وبعدها يأتى دور الأويمجى، وهو استخدام الدفرة بمختلف أنواعها، والأزميل والمثلوثة فى تنفيذ الشكل المرسوم وبحرفية شديدة تجعل الشكل يتحول إلى تحفة فنية حقيقية تظهر أكثر وأكثر مع دهانها ووضع اللمسات الفنية بها، وتعد ورشة أويما هى النحت على الخشب ويتم خلالها استخدام الشفرات وأدوات النحت.
وتعد مهنة الإستورجى إحدى مهن التشطيب للأثاث الدمياطى، حيث إن سوق الأثاث الدمياطى بها مناطق تبيع الأثاث خشب غير متسلط، أو كما يقولون عليه خشب أبيضّ، وبعدها يقوم العميل بالتوجه لورشة أستورجى من أجل دهان الأثاث بالألوان التى يريدها. ويؤكد إبراهيم الشناوى، استورجى من دمياط، ويؤكد أن دورهم هو تحويل الأثاث سواء كان غرفًا كاملة مثل غرفة النوم، أو غرفة الصالون، أو غرفة السفرة من خشب أبيضّ إلى غرف مكتملة التصميم، حيث فى البداية يتم صنفرة الخشب تمامًا وتنعيمه، وبعدها يتم رشه بالبوليستر، ثم دهان القطع البارزة وإعطاؤه اللون المطلوب.
ويضيف «الشناوى» أنه يتم رش الأثاث فى كابينة خاصة، ويتم بعدها تلميع الأثاث بحيث يكون شكل التنفيذ النهائى لافتًا وبارزًا، ويظهر دور الإستورجى أكثر فى الأثاث الكلاسيكى، حيث إن دهانه يبدع فيه الاستورجية، لافتًا إلى أن مهنة الاستورجى يعقبها المدّهباتى وهو من يقوم بلصق بعض قطع الأثاث باللون الذهبى فتتحول وقتها قطعة الأثاث إلى تحفة فنية.
فنانو سوق المناصرة: ورثنا المهنة أبًا عن جد.. ونصنع «حسب رغبة الزبون»
تعتبر سوق المناصرة الكائنة فى منطقة الموسكى بوسط القاهرة، إحدى أقدم الأسواق المتخصصة فى بيع وتصنيع الموبيليا بمختلف أنواعها، القديم منها والحديث حسب رغبة المشترين، ويعود تاريخها إلى عهد الخليفة المنصور بالله الذى سميت المنطقة بالكامل على اسمه.
فى بداية السوق التى تقع بين شارع بورسعيد وشارع الأزهر، ويبدأ مدخلها داخل واحد من الأزقة الضيقة المتفرعة من شارع محمد على، ستجد نفسك أمام مدينة صناعية مصغرة متخصصة فى كل ما يخص أثاث المنزل ومستلزماته الخشبية، حيث محلات تجارية لبيع غرف النوم والسفرة و«الأنتريه» بجانب ورش تقطيع الأخشاب وتجهيزها.
ويتحدث عنها العم حمادة فايد، رجل ستينى، صاحب معرض موبيليا، قائلًا: «أنا وارث هذه المهنة من أجدادى، ونحنُ من أولى العائلات التى حضرت إلى سوق المناصرة، التى يعود تاريخ إنشائها إلى أوائل القرن الماضى، لكن تغيرت عما كانت عليه إلى حد كبير، وتغيرّت الأذواق، حيث إن الموضة حاليًا هى غرفة الملابس المصنوعة من الخشب «الكونتر» و«الإكريليك».
وعلى أحد جنبات شارع محمد على توجد تشكيلة كبيرة من الركن الخاصة بغرف الاستقبال، وهى حيلة لعرض البضائع لأحد المحال القديمة بالسوق.
وبالحديث مع آخر جيل من أصحابه وهو شاب عشرينى يدعى أحمد أمين، قال: «نتواجد فى سوق المناصرة منذ أكثر من خمسين عامًا، حيث إننى آخر الأجيال وأقوم بالدراسة الجامعية فى تخصص إدارة الأعمال، ولكنى أحرص على الاستمرار بالمهنة بجانب الدراسة، حيث إننا نشتهر داخل السوق بتصنيع الركنة بجميع موديلاتها.
طنان: بيوت القليوبية تحوّلت إلى مصانع للجمال
على بعد مسافة قصيرة من صخب العاصمة، وبينما تداعب رياح الريف أوراق الشجر فى حقول القليوبية، تتبدل الرائحة فجأة؛ تختفى رائحة الطمى لتفسح المجال لعبق نشارة الخشب وتجذب الأنظار جمال تصاميم الأثاث الرائع.
هنا قرية «طنان» التابعة لمركز قليوب، حيث لم يعد الفلاح يمسك بالفأس، بل بالمطرقة والمنشار ليحولوا قريتهم من بقعة زراعية هادئة إلى «دمياط الثانية» وقلعة الأثاث النابضة فى قلب القاهرة الكبرى.
لم يكن التحول فى طنان وليد الصدفة، بل قصة كفاح بدأت من «العرض» وانتهت بـ«السيادة»، فيحكى مروان أمين، أحد أبناء القرية، عن البدايات بكثير من الفخر: «بدأت الحكاية بمعرض بسيط يعرض قطعًا من أثاث دمياط، لكن طموح الأجداد لم يتوقف عند دور الوسيط، فبدأت الورش الصغيرة تظهر فى زوايا البيوت، حتى نضجت الصنعة وأصبحت طنان تصنع وتصدر الثقة قبل الخشب».
داخل أزقة طنان، الموسيقى السائدة هى صوت «الماكينات وآلات التقطيع، بينما المشهد حدث ولا حرج، أفخم المعارض التى تميزت بتصميمات للبناء قل ما تجدها فى قرية ريفية، فماذا عما تحويه بداخلها من قطع خشبية مذهلة.
يقول محمد شديد، نجار موبيليا، واصفًا الحالة الفريدة للقرية: طنان هى البلد التى طردت العاطلين؛ فالجميع هنا ترزى خشب، قد تجد فى البيت الواحد شركة متكاملة؛ الأب نجار، والابن استورجى محترف فى الطلاء، والآخر مسئول عن النقل والتسويق»، هذا التكامل الأسرى جعل من كل منزل مصنعًا صغيرًا يسهم فى بناء سمعة القرية.
المتجول فى طنان يرى العجب؛ معارض شاهقة الارتفاع تضم عدة طوابق، تعرض مزيجًا مذهلًا بين «الشعبى» البسيط والأثاث الكلاسيكى الفخم.
منطقة الصفا بأسيوط.. 35 مصنعًا و250 ورشة متخصصة
تُعد منطقة الصفا الصناعية ببنى غالب بمحافظة أسيوط واحدة من أبرز القلاع الصناعية التى استطاعت على مدار سنوات أن ترسخ مكانتها كمركز إنتاجى مهم لصناعة الأثاث؛ لخدمة السوق المحلية، وصولًا إلى غزو الأسواق الخارجية، وتصدير بعض منتجاتها. ويعود ذلك لامتلاكها أكثر من ٣٥ مصنعًا و٢٥٠ ورشة متخصصة فى نجارة الأثاث. تقع منطقة الصفا الصناعية على بُعد ٣٠ كيلومترًا من مدينة أسيوط، وتضم مئات المصانع والورش التى تخصص جزءًا كبيرًا منها فى إنتاج مختلف أنواع الأثاث المنزلى والمكتبى، مثل «غرف النوم والصالونات والسفرات والمطابخ الحديثة»، إضافة إلى قطع الأثاث المصممة حسب الطلب، ما جعلها تستقطب عددًا كبيرًا من العمال.
وقال كريم فكرى مسعد، صاحب مصنع أثاث، إنه يعمل فى هذه المهنة منذ ٣٥ عامًا، مضيفًا: «كنت أعشق الأخشاب منذ صغرى، وبدأت فى إحدى الورش، حيث تعلمت وتطورت وتدرجت من صبى حتى أصبحت صنايعيًا، وحينها قررت الاستقلال وأنشأت مصنعى الخاص، وصناعة الأثاث فى المدينة الصناعية تتطور بشكل دائم بسبب المنافسة، حتى وصلت الآن إلى تقديم أفضل الخامات والتصاميم بأقل الأسعار، ما يدفع المواطنين للجوء إلى المدن الصناعية لشراء الأثاث المنزلى.
«سوق الترك» فى الإسكندرية: تاريخ طويل من الفن والإبداع
داخل أزقة منطقة بحرى الشهيرة بمحافظة الإسكندرية، تظهر «سوق الترك» كواحدة من أقدم وأهم أماكن صناعة الأثاث اليدوى فى المدينة، إذ تضم عشرات الورش التى تتخصص فى تصنيع وتشطيب مختلف قطع الأثاث، لتخرج فى النهاية بجودة عالية تنافس المعروض فى كبرى معارض الموبيليا.
على مدار عقود طويلة، كانت السوق مقصدًا رئيسيًا لأهالى الإسكندرية، بل وللجاليات الأجنبية التى عاشت فى المدينة، نظرًا لانخفاض تكلفة التصنيع مقارنة بشراء الأثاث الجاهز، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الجودة والدقة، بفضل مهارة الحرفيين الذين يجيدون تنفيذ مختلف التصميمات وفقًا لرغبات العملاء.
وقال السيد النُحسى، أحد أقدم أصحاب ورش الأثاث بسوق الترك، إنه ورث المهنة عن والده وجده، مشيرًا إلى أن عائلته تعمل فى النجارة منذ أكثر من ١٠٠ عام، ما يجعله من أقدم العاملين فى هذا الشارع العريق.
وأوضح النحسى أن السوق اكتسبت اسمها من تواجد أعداد كبيرة من التجار الأتراك بها قديمًا، مضيفًا أنه بدأ العمل فى سن الـ١٢ عامًا، حين كانت السوق تعج بالورش والمعارض.
وتابع: «شهدت تغيرات كبيرة بمرور الوقت، إذ تراجعت أعداد الورش تدريجيًا، خاصة مع صعود مدينة دمياط كمركز رئيسى لصناعة الأثاث فى مصر، نظرًا لانخفاض الأسعار هناك، ما أثر على حجم العمل داخل السوق، لكنها لا تزال تتميز بتقديم منتجات أقل سعرًا وأعلى جودة، مقارنة ببعض المعارض»، لافتًا إلى أن الحرفيين قادرون على تنفيذ كل التصميمات الحديثة ومواكبة تطورات السوق.
من جهته، أكد خميس شحاتة، ٧٤ عامًا، صاحب ورشة تنجيد بالسوق، أن صناعة الأثاث تطورت بشكل كبير مقارنة بالماضى، إذ كانت «الصالونات» تُصنع بالكامل داخل الورش باستخدام خامات تقليدية، بينما أصبحت اليوم تعتمد على خامات حديثة تواكب متطلبات العصر.
وأشار شحاتة إلى أن مراحل الإنتاج قديمًا كانت تتم داخل الورشة من البداية للنهاية، بمشاركة صنايعية مهرة، أما الآن فغالبًا ما يجرى جلب الهياكل الخشبية من دمياط، ثم تُستكمل مراحل التشطيب داخل ورش السوق، من خلال «الاستورجى» أو المتخصص فى الدهانات أو التذهيب، وهى ثلاث مهن رئيسية تشارك فى إخراج المنتج النهائى.
ولفت محمد البربرى، أحد العاملين فى مجال تصنيع الصالونات بسوق الترك، إلى إن السوق لا تزال تحتفظ بوجود ورش تصنيع، رغم انتشار معارض الأثاث والمنتجات الجاهزة الآتية من دمياط، موضحًا أن الورش تشترى بعض المكونات الخشبية الجاهزة، سواء للصالونات أو غرف النوم أو السفرة، ثم يجرى استكمال أعمال التشطيب داخل السوق.
كتامة: هوية متخصصة فى الأنتريهات والصالونات بالغربية
فى مركز بسيون بمحافظة الغربية، رسّخت قرية كتامة مكانتها كأحد أهم المراكز المتخصصة فى صناعة خشب الأنتريهات والصالونات، حتى أصبح هذا المجال هو العنوان الأبرز لهويتها الصناعية، والسبب الرئيسى فى شهرتها الواسعة داخل السوق المحلية.
ونجحت كتامة فى أن تصبح نموذجًا واضحًا لقرية استطاعت أن تتحول إلى مركز إنتاجى نشط فى صناعة الأثاث، يقدم منتجًا مصريًا بجودة مرتفعة وسعر يناسب شرائح واسعة من المواطنين، ليبقى الأثاث الخارج من ورشها حاضرًا فى العديد من البيوت داخل مصر وخارجها.
تميزت القرية، خلال السنوات الماضية، بتوجه واضح نحو التركيز على صناعة الأنتريهات والصالونات بشكل أساسى، ما منحها خبرة تراكمية كبيرة فى هذا المجال تحديدًا. ومع الوقت، تحولت الورش المنتشرة داخل القرية إلى منظومة إنتاج متكاملة قادرة على تنفيذ تصميمات متنوعة تجمع بين الطابع العصرى الكلاسيكى واللمسة الحديثة، مع الاعتماد على مهارات حرفية متوارثة فى أعمال التنجيد والتشطيب.
وما يميز كتامة ليس مجرد وجود ورش نجارة أو إنتاج أثاث تقليدى، بل التخصص فى تصميم وتصنيع هياكل الأنتريهات والصالونات بمستويات حرفية عالية، إذ تعتمد الورش على مراحل دقيقة تبدأ من اختيار الخشب وتجهيزه، مرورًا بعمليات القص والتشكيل، وصولًا إلى أعمال التنجيد والتشطيب النهائى.











0 تعليق