.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في قراءة تحليلية معمقة، طرحت مجلة "نيويوركر" تساؤلاً جوهرياً حول التحول الدرامي في مراكز الثقل العالمي، معتبرة أن صراع الشرق الأوسط الراهن قد لا يكون سوى بوابة العبور الصينية نحو القمة.
فبينما تُستنزف المصداقية الأمريكية وتُختبر قدراتها العسكرية في مياه الخليج، تبرز بكين كلاعب استراتيجي هادئ يكتسب نفوذه من البقاء بعيداً عن ألسنة اللهب، محولةً دروس الحرب إلى وقود لإعادة صياغة موازين القوى الدولية.
أوروبا في مأزق
استندت مجلة "نيويوركر" في تحليلها إلى المشهد المتأزم الذي رسمه المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، الأسبوع الماضي بتقديمه تقييماً قاتماً للحرب في إيران؛ وهو صراع مستمر منذ شهرين تحول إلى مأزق استراتيجي في الخليج العربي. ورغم سريان وقف لإطلاق النار في الوقت الراهن، إلا أنه يظل هشاً في ظل حصار أمريكا للموانئ والسفن الإيرانية، ومحاولات طهران شن ضربات انتقامية على قطع بحرية أمريكية.
وفي خضم المفاوضات المتعثرة حول مضيق هرمز، تفيد التقارير بأن الرئيس دونالد ترامب يدرس بجدية استئناف الأعمال العدائية، مما دفع ميرتس للقول: "من الواضح أن الإيرانيين أقوى مما كان متوقعاً، كما أنه ليس لدى الأمريكيين استراتيجية مقنعة حقاً في المفاوضات أيضاً.. إن القيادة الإيرانية تهين أمة بأكملها". ويمثل هذا التصريح تحولاً ملحوظاً عن دعم المستشار الحذر السابق لتغيير النظام في إيران.
ولم يتأخر رد ترامب كثيراً، حيث توعد بسحب القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا منذ عقود؛ وهي واقعة تناسب نمطاً تكرر في أوروبا والشرق الأوسط، حيث يطلق ترامب تهديدات جديدة، ويعاقب على ما يعتبره إهانات، دون اكتراث يذكر بالحلفاء أو بالتداعيات الأوسع لقراراته.
وقد تركت هذه السياسة انطباعاً سلبياً في الداخل الأمريكي أيضاً؛ حيث وجد مركز بيو للأبحاث مؤخراً، ولأول مرة منذ أكثر من عقدين، أن غالبية الأمريكيين يعتقدون أن بلادهم تتجاهل مصالح الآخرين إلى حد كبير.
فرصة بكين الذهبية
وترى "نيويوركر" أن هذه الأجواء المتوترة تعد بمثابة أنباء سارة وموضع ترحيب كبير في بكين؛ فمنذ سنوات، يحاول الحزب الشيوعي الصيني تقديم نفسه كقوة عالمية مسؤولة في مواجهة ما يصفه بـ "أمريكا الإمبريالية". وقد توالت بيانات بكين المحذرة من "الهيمنة" الأمريكية والمدينة لـ "عقلية الحرب الباردة" لدى واشنطن، في محاولة لتصوير الصين كحارس حقيقي لنظام دولي قائم على القواعد، وهو ذات النظام الذي ساعدت أمريكا في بنائه وتتهمها بكين الآن بتقويضه.
وفي هذا السياق، كان الرئيس الصيني، شي جين بينج، قد كشف في عام 2023 عن مشروعه الضخم "مبادرة الحضارة العالمية"، لتقديم رد صيني موازٍ للوضع الغربي الراهن، ورغم أن جيران الصين ينظرون بريبة لهذه الرؤى "الهوائية" تخوفاً من طموحاتها الهيمنية، إلا أن دول "الجنوب العالمي" بدأت ترى سياساتها تنحني بالفعل أمام النفوذ الصيني المتصاعد.
ومع ذلك، تجد الأستاذة بجامعة جونز هوبكنز، يوين يوين أنج، أن الحرب في إيران وسلوك ترامب المربك يمنحان بكين فرصة ذهبية لإعادة صياغة دورها الجيوسياسي؛ فبينما وضعت حرب أوكرانيا الصين في موقف حرج جراء انحيازها لروسيا، فإن الصراع الإيراني يخلق لها "مساحة دبلوماسية" تخرجها من عزلتها السابقة وتسمح لها بإعادة التموضع كلاعب عالمي متزن.
استراتيجية تجرع المرارة
وقد تجلى هذا التحول في موكب الزعماء الغربيين الذين توافدوا على بكين منذ بداية ولاية ترامب الثانية، في إشارات لا تخفى برفض "تنمر" واشنطن؛ وهو ما وصفه الدبلوماسي السابق مايكل كوفريج بأنه "منجم ذهب دعائي" للصين.
وفي منتصف أبريل، استثمر شي جين بينج لقاءه مع رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، ليؤكد أن البلدين يقفان في "الجانب الصحيح من التاريخ" بمعارضتهما للحرب الأمريكية ضد إيران، ورفضهما نكوص العالم إلى "قانون الغابة".
تقع البلاد في قلب شبكات التجارة في القرن الحادي والعشرين، ولذلك يعطي الاستراتيجيون في بكين الأولوية للهدوء الجيوسياسي والقدرة على التنبؤ بالأسواق، حيث يوفر الاضطراب الذي يشهده عهد ترامب خلفية لطموحات شي الأكبر.
وصرح جوليان جويرتز، وهو باحث أول في الشؤون الصينية بجامعة كولومبيا ومسؤول سابق في إدارة بايدن، قائلاً: "لعقود من الزمن، كنا نعتقد أن السياسة الخارجية الصينية تسعى بشكل أساسي إلى الاستقرار لتسهيل التنمية الاقتصادية، لكن شي يظهر الثقة في مواجهة العالم الأكثر تقلبًا وعنفًا في ولاية ترامب الثانية".
وعلى الرغم من احتياطيها الاستراتيجي الهائل من النفط، فإن الصين ليست بمنأى عن الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن المأزق المستمر بشأن مضيق هرمز، ومع ذلك، يرى جويرتز أن شي "يعتقد أن الصين أقدر من أمريكا على 'تجرع المرارة'—أي تحمل الصعاب والخروج بشكل أقوى من فترات الصراع".
ريادة الطاقة الخضراء
وكان الاقتصاد الصيني يعاني بالفعل من الركود قبل الحرب، كما أن الاختناقات الجديدة في الخدمات اللوجستية العالمية ترفع التكاليف على قطاعات التصنيع والتصدير الواسعة في البلاد، غير أن الحرب وفرت جانباً إيجابياً؛ حيث بات لدى الدول الآسيوية، الأكثر اعتماداً من أمريكا على الوقود الأحفوري القادم عبر مضيق هرمز، ضرورة ملحة الآن لتحصين نفسها ضد صدمات النفط المستقبلية وتوسيع قدراتها في مجال الطاقة المتجددة.
وتهيمن الصين بالفعل على سلاسل توريد الطاقة الخضراء، وقد سجل مصدرو الأنظمة الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية مبيعات قياسية في مارس، وفقاً لتقرير صادر عن "إمبير"، وهو مركز أبحاث للطاقة العالمية.
وهناك أدلة على وجود مراجعة أوسع نطاقاً؛ حيث قال وزير الدولة البريطاني لشؤون الطاقة، إيد ميليباند: "بينما نواجه صدمة الوقود الأحفوري الثانية في أقل من خمس سنوات، فإن الدرس المستفاد لبلدنا واضح؛ لقد انتهى عصر أمن الوقود الأحفوري، ويجب أن يكتمل عصر أمن الطاقة النظيفة"، داعياً المملكة المتحدة إلى التخلص من التبعية للكهرباء المولدة بالغاز.
وفي المقابل، يبدو أن إدارة ترامب، التي تعتمد على وفرة الوقود الأحفوري لديها وتزدري الاستثمار في الطاقة المتجددة، تكتفي بترك الصين تقود هذا التحول العالمي.
انحسار النفوذ الأمريكي
كما استفادت الصين من حرب إيران ببساطة من خلال البقاء على الهامش؛ فقد راقبت إدارة ترامب وهي تنقل أصولاً عسكرية كبرى من آسيا إلى الشرق الأوسط، وتعيد نشر أنظمة الدفاع الجوي رغم اعتراض رئيس كوريا الجنوبية.
وفي غضون أسابيع فقط، استنزفت أمريكا ترسانة من الذخائر الحيوية، بما في ذلك مخزونات صواريخ "باتريوت" و"توماهوك" وصواريخ "كروز" المتخفية، واعتراضات منظومة "ثاد".
وبالنسبة لشركاء أمريكا في المحيط الهادئ، فإن هذه التحركات تزيد من الشعور بأفول "السلام الأمريكي"، وقد تعيد تشكيل حساباتهم طويلة المدى بشأن كيفية التحوط ضد الصين.

















0 تعليق