جبان هو الموت المتربص لنا في الزوايا يترقب منتظرا. لربما يكون هذا حال كل من عرف الشاعر، الكاتب الصحفي، الزميل والصديقي سيد العديسي.
في ساعة متأخرة ناهزت الثالثة فجر الإثنين الماضي، فجعنا ـ زملاء وأصدقاء العديسي ـ برحيله المفاجئ، لم يصدق أحدنا الخبر، وحسبنا أنه ربما يكون مزحة ثقيلة، لكن في النهاية وسيارة تكريم الإنسان تحمله إلي قريته “العديسات” في رحلته الأخيرة من القاهرة إلي تراب بلدته الجنوبية بأقاصي الأقصر بات الأمر واقعا كابوسيا.
سيد العديسي، الذي أحبه حتي من لم يعرفه لمجرد أن موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ازدحم بمنشورات لكل أصدقاءه ومعارفه وحتي من عرفوه من خلال شقيقه الزميل إيهاب مصطفي، بكوه، متأثرين بصدق لرحيل هذا الفتي الأسمر الذي دهسته القاهرة كما غيره من أبناء جيله ممن نزحوا إليها بحثا عن فرصة تحت الشمس.
العديسي، الذي لم يلبث أن يلتقط أنفاس مسروقة من رحلة اللهاث التي نجترعها جميعا، ويصدر قرار تعيينه نائبا لرئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، حتي يخذله قلبه ـ الذي كان قد خضع لعملية جراحية بعد شهور قلائل من تعيينه بالمجلة ـ يطعنه طعنة غادرة.
وعن مشروعه الشعري يقول: "مشروعي الشعري، والذي ينحو لطرح رؤية مغايرة عن طبيعة الجنوب وجوهر بيئته، والذي جاء مع أعمال مثل "أموت ليظل اسمها سرًا" والصادر عن دار إبداع، وأعقبه صدور ديوان "كيف حالك جدًا"، الصادر عن دار دون، وديوان "كقاطع طريق" والذي صدر عن دار دريم بن.
كأي صعيدي،
لا أستطيع قول "أحبك"
وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها
خرجت: كيف حالك؟
فاعذريني لأنني "كيف حالك جدا".
...
نحن أبناء الفلاحين
نمشي بعيون سوداء
من كثرة ما نظرنا إلى الأرض
لو أننا نظرنا إلى السماء
-فقط بضع دقائق-
لصارت عيوننا زرقاء
ولمات العالم من الجوع.
وربما تكون كلمات الباحث الكاتب عبدالرحمن الطويل، عن ديوان العديسي الأخير"كيف حالك جدا" والصادر عام 2021: هذه المفارقات شديدة الجمال.. ووجعها أشد من جمالها، كلاهما يحدث أثرًا كالصعقة." الأقرب لوصف مسيرة العديسي القصيرة زمنيا الصاخبة المفعمة بالحياة ومنازلتها حتي الرمق الأخير، أو بحد وصف “العديسي” نفسه: “طقوس الموت لا تنتهى بلحظات الوداع الأخيرة”، في شهادته للزميل خالد حماد والمنشورة بموقع الدستور عن صورة الموت في الشعر العربي منتصف شهر مارس المنصرم.
أصدر العديسي سبعة دواوين شعرية بدأها بديوانه "قبل النجع" عام 2004 عن هيئة قصور الثقافة، ثم توالت دواوينه: "ابتسامة نذل يموت"، و"يقف احترامًا لامرأة تمر"، و"أموت ليظل اسمها سرًا"، و"كيف حالك جدًا"، و"كقاطع طريق"، وصولًا إلى "صباح الخير تقريبا" عام 2023. كما صدرت له رواية "طواحين الهوى" مطلع العام الجاري.
رحل العديسي وهو ينتظر ديوانه الأخير "يشير بيده لمشيعيه"، ومن قصائده “لم يضيع فرصة في حياته” يقول:
أن يكون بيتكم في آخر النجع
فتلك ميزة
الآن فقط ستدرك قيمتها
لأنه الآن فقط
يمكن لنعشك المرور أمام بيوت كل البنات اللاتي عرفتهن
واللاتي سهرت من أجلهن ليالي طويلة تفصل الخطط والخطابات.
...
يمكنك التلكؤ عند كل بيت
كان لك بداخله ذكرى
لا تنشغل إذا ما شعر من يحملونك بالثقل
ولا تغضب إذا ما أنزلوك في الطريق
ربما تتواطأ معك الصدف
فتكون أمام بيتها بالضبط
...
ولما يرفعونك
كرامتك في دفنك -
سيبدأ جسمك في الثقل مرة أخرى
ولأنك لم تكن لتفوت أي فرصة في حياتك
سينزلونك ما يزيد عن العشرين مرة
وما أن يصلوا للمقابر
سيلقون بك ويعودون
-وطبعا -
لن ينسوا سب من أخرجهم من بيوتهم في مثل هذه الساعة
بالرغم من أن الرحمة تجوز لك.
يصف الشاعر الأردني، حسين جلعاد، تجربة العديسي الشعرية: "ينتمي إلى تلك الفئة النادرة من الشعراء الذين يعرفون سرّهم جيدًا ولا يفرّطون فيه. سرّه هو الجنوب، لا بوصفه موضوعا يكتب عنه من بُعد، بل بوصفه جهازًا بصريًا يرى من خلاله العالم كله: الحب والخسارة والجسد والسلطة والزمن.
ويؤكد: "ما يميّز العديسي في المشهد الشعري المصري المعاصر أنه لم يسعَ إلى الإبهار اللغوي ولم يجرِ خلف المصطلح النقدي الرنّان، لقد اختار بدلًا من ذلك لغة تبدو في ظاهرها قريبة من الكلام العادي، لكنها في الحقيقة محكمة البناء، تعمل بمنطق الشعر الحقيقي الذي يقول الشيء ونقيضه في آن واحد. كان يكتب عن الحب والخسارة والجسد والموت بصدق فلاحي لا يعرف المواربة، وبوعي شاعر يعرف متى يصمت ومتى يتكلم.
















0 تعليق