من مأساة “الدويقة” إلى نموذج “روضة السيدة”.. كيف أعادت الدولة صياغة العلاقة بين المواطن والمكان؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تكن مأساة انهيار صخرة الدويقة مجرد حادث عابر في ذاكرة المدينة، بل لحظة فاصلة كشفت بوضوح حجم الخطر الكامن داخل المناطق غير الآمنة، حيث تداخل الإهمال العمراني مع الفقر والحرمان ليصنع بيئة تهدد الحياة نفسها، ومنذ ذلك المشهد الصادم، ظل السؤال مطروحًا لسنوات: هل يمكن للدولة أن تنهي هذه الظاهرة جذريًا، أم تظل في دائرة رد الفعل؟.

الإجابة لم تأتِ سريعًا، لكنها جاءت حاسمة مع تبني رؤية مختلفة بعد عام 2014، حين قررت الدولة الانتقال من إدارة الأزمات إلى منع وقوعها من الأساس، لم يعد التعامل مع العشوائيات مجرد تدخل بعد الكارثة، بل تحول إلى مشروع قومي يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والمكان، ويضع “الأمان الإنساني” في قلب التخطيط العمراني.

وبحسب البيانات الرسمية، كان هناك نحو 1.7 مليون مواطن يعيشون في 357 منطقة غير آمنة، تتوزع بين درجات مختلفة من الخطورة، من مناطق مهددة بالانهيار، إلى أخرى تقع على مخرات السيول أو بجوار مصادر تلوث وخطر دائم، هذه الخريطة المعقدة دفعت الدولة إلى تصنيف تلك المناطق إلى أربع درجات، شملت 33 منطقة من الدرجة الأولى (خطر داهم)، و269 منطقة من الدرجة الثانية، و34 من الدرجة الثالثة، و21 من الدرجة الرابعة، وهو تصنيف سمح بتحديد نوع التدخل المطلوب لكل منطقة بدقة.

في هذا السياق، لم يكن الحل مجرد إزالة عشوائيات وبناء مساكن بديلة، بل تنفيذ عملية “إحلال حضاري” متكاملة. فمع إنشاء مشروعات مثل “الأسمرات” و”أهالينا”، لم تكتفِ الدولة بتوفير وحدات سكنية، بل أقامت مجتمعات جديدة تضم مدارس، ووحدات صحية، ومراكز تدريب، وأسواق، ومساحات خضراء، بما يضمن انتقال السكان إلى نمط حياة مختلف، وليس مجرد تغيير عنوان السكن.

وتبرز تجربة “تل العقارب” التي تحولت إلى “روضة السيدة” كأحد النماذج الأكثر دلالة، حيث لم يتم نقل السكان خارج محيطهم فقط، بل أُعيد تخطيط المنطقة بالكامل داخل قلب القاهرة، لتتحول من بؤرة عشوائية إلى مجتمع حضاري متكامل، في تجربة تعكس قدرة الدولة على التدخل داخل المناطق الأكثر تعقيدًا.

وبلغة الأرقام، نجحت الدولة في تطوير 351 منطقة غير آمنة بالكامل، على مساحة تقارب 4.5 ألف فدان، مع توفير أكثر من 300 ألف وحدة سكنية مجهزة، استوعبت نحو 350 ألف أسرة، أي ما يقرب من 2 مليون مواطن، تم نقلهم من بيئات خطرة إلى مجتمعات آمنة خلال أقل من عقد.

كما لم تغفل الدولة ملف الأسواق العشوائية، الذي يمثل امتدادًا اقتصاديًا للعشوائيات، حيث بلغ عددها 1099 سوقًا تضم أكثر من 305 آلاف وحدة، وقد بدأت الدولة في إعادة تنظيم هذه الأسواق أو نقلها إلى أسواق حضارية، بما يسهم في دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل المنظومة الرسمية، ويحد من الفوضى التي كانت تميز هذه الأنشطة.

هذا التحول لم يقتصر على البعد العمراني فقط، بل امتد إلى البعد الاجتماعي، حيث ارتبطت مشروعات التطوير ببرامج للحماية الاجتماعية، وتوفير فرص عمل، وتأهيل السكان للتكيف مع البيئة الجديدة، بما يضمن استدامة النتائج وعدم عودة الظاهرة مرة أخرى.

وفي خلفية هذا المشهد، حرصت الدولة على تقديم هذه التجربة في المحافل الدولية، كما حدث خلال لقاء عبد الفتاح السيسي مع قيادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باعتبارها نموذجًا يعكس فلسفة مختلفة في إدارة التنمية، تقوم على الاستباق بدلًا من رد الفعل.

وهكذا، لم تعد “الدويقة” مجرد ذكرى مؤلمة، بل تحولت إلى نقطة انطلاق لواحد من أكبر برامج إعادة تشكيل العمران في تاريخ مصر، حيث انتقلت الدولة من التعامل مع الكارثة إلى منع حدوثها، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الحل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق