تُعد المشروبات الغازية الداكنة، وعلى رأسها مشروبات الكولا، من أكثر المشروبات المعلبة انتشارًا واستهلاكًا حول العالم، إلا أن الإفراط في تناولها بشكل يومي قد يحمل عواقب صحية خطيرة على الكلى مع مرور الوقت.
وبينما لا يمثل تناول الكولا بشكل عرضي خطرًا مباشرًا على الصحة، فإن الاستهلاك المنتظم قد يفرض ضغطًا إضافيًا على وظائف الكلى بسبب احتوائها على مكونات مثل حمض الفوسفوريك، وشراب الذرة عالي الفركتوز، والكافيين، وهو ما كشف عنه تقرير أجنبى حديث.
حمض الفوسفوريك.. عبء إضافي على الكلى
تحتوي مشروبات الكولا الداكنة على حمض الفوسفوريك، وهو أحد أشكال الفوسفور الذي يمنح المشروب مذاقه الحامضي ويُستخدم أيضًا كمادة حافظة، ويختلف هذا النوع من الفوسفور عن الفوسفور الطبيعي الموجود في الأطعمة، إذ يتم امتصاصه بسرعة كبيرة داخل الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى الفوسفور في الجسم بصورة أسرع، خاصة لدى الأشخاص الذين يستهلكون الكولا بشكل متكرر.
وتكمن خطورة ذلك في أن الجسم يحتاج إلى توازن دقيق بين معدني الفوسفور والكالسيوم للحفاظ على وظائفه الحيوية، وعندما ترتفع مستويات الفوسفور، فإنه يرتبط بالكالسيوم الموجود في الدم، ما يقلل كمية الكالسيوم المتاحة للاستفادة منها داخل الجسم.
ولإعادة هذا التوازن، يفرز الجسم هرمون الغدة الجار درقية، الذي يعمل على سحب الكالسيوم من العظام، كما يحفّز الكلى على التخلص من الفوسفور الزائد عبر البول، ومع الاستهلاك المستمر للكولا، تضطر الكلى للعمل بصورة أكبر للحفاظ على استقرار مستويات الفوسفور، وهو ما قد يؤدي مع الوقت إلى تراجع كفاءة وظائفها.
ويرى مختصون أن هذا الإجهاد المستمر قد يساهم في تفاقم أمراض الكلى المزمنة، خاصة لدى المرضى الذين يعانون بالفعل من قصور بوظائف الكلى، حيث يؤدي ارتفاع الفوسفور إلى اضطراب إضافي في توازن الهرمونات والمعادن داخل الجسم، ما يسرّع من تطور المرض.
كما أن الأشخاص المصابين بمرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم يكونون أكثر عرضة لتأثيرات الفوسفور الزائد، نظرًا لأن هاتين الحالتين تؤثران بالفعل على الوحدات المسؤولة عن تنقية الدم داخل الكلى، وهو ما يجعل الضرر التراكمي أكثر خطورة على المدى الطويل.
ويرتبط ارتفاع مستويات الفوسفور كذلك بزيادة احتمالات الإصابة بحصوات الكلى، نتيجة ارتفاع مستويات الكالسيوم والفوسفور في البول، ما يساعد على تكوّن البلورات التي قد تتحول لاحقًا إلى حصوات مؤلمة.
السكر المضاف.. طريق مباشر لأمراض الكلى
تحتوي العبوة الواحدة من الكولا العادية غالبًا على ما بين 30 إلى 40 جرامًا من السكر المضاف، وغالبًا ما يكون في صورة شراب الذرة عالي الفركتوز، وهو أحد أكثر المحليات ارتباطًا بالمشكلات الصحية المزمنة.
ويؤدي الإفراط في تناول هذه الكميات من السكر إلى زيادة الوزن وارتفاع احتمالات الإصابة بمقاومة الإنسولين، وهي الحالة التي يصبح فيها الجسم أقل استجابة لهرمون الإنسولين، ما يمهد للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.
ويُعد مرض السكري السبب الرئيسي للإصابة بأمراض الكلى المزمنة، خاصة أن ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة يؤدي إلى تلف الوحدات الدقيقة المسؤولة عن تنقية الدم داخل الكلى، والمعروفة باسم «الكبيبات»، وهو ما قد يسبب اعتلال الكلى السكري، الذي قد يتطور تدريجيًا إلى الفشل الكلوي إذا لم تتم السيطرة عليه بشكل مناسب.
كما تشير تقارير طبية إلى أن الإفراط في السكر قد يرفع مستويات الكالسيوم في الدم، الأمر الذي يزيد أيضًا من خطر تكوّن حصوات الكلى.
الكافيين والجفاف.. تأثير غير مباشر لكنه خطير
تحتوي مشروبات الكولا على الكافيين، وهو مادة منبهة تمتلك تأثيرًا مدرًا للبول، ما يعني أنها تزيد من معدل التبول، ورغم أن الجسم قد يطوّر نوعًا من التكيف مع الكافيين لدى الأشخاص المعتادين عليه، فإن الإفراط في تناوله، خاصة عند استبدال الماء بالكولا كمشروب أساسي يومي، قد يؤدي إلى حالة من الجفاف المزمن منخفض الدرجة.
ويزيد الجفاف المستمر من احتمالات الإصابة بحصوات الكلى، خاصة إذا ترافق مع ارتفاع مستويات الفوسفور في الجسم.
ورغم أن تناول الكافيين باعتدال لا يرتبط بشكل مباشر بأمراض الكلى المزمنة، فإن الإفراط الشديد في استهلاكه، بما يتجاوز 600 ملليجرام يوميًا، قد يرفع خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، وهو أحد أبرز العوامل المؤدية إلى تلف الكلى على المدى الطويل.
كما يمكن أن يؤدي ارتفاع ضغط الدم المزمن إلى مضاعفة تأثيرات العادات الغذائية غير الصحية الأخرى، مثل الإفراط في تناول الصوديوم وارتفاع مستويات السكر في الدم، ما يزيد من العبء الواقع على الكلى.
ما الكمية الآمنة من الكولا؟
يرى خبراء الصحة أن تناول الكولا بشكل معتدل، مثل بضعة أكواب أسبوعيًا، لا يُتوقع أن يسبب ضررًا واضحًا للكلى لدى الأشخاص الأصحاء، لكن الصورة تختلف لدى من يستهلكون المشروبات المحلاة يوميًا وبكميات كبيرة.
وأظهرت دراسات واسعة النطاق أن الأشخاص الذين يتناولون أكثر من مشروب محلى بالسكر يوميًا ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بأمراض الكلى المزمنة بنسبة تصل إلى 19%، مع زيادة الخطر كلما ارتفع معدل الاستهلاك.
كما ارتبطت المشروبات الغازية المخصصة للحمية الغذائية «الدايت» بزيادة طفيفة في خطر الإصابة بأمراض الكلى، إذ يُعتقد أنها قد تؤثر على طريقة تعامل الجسم مع السكر واستجابته للإنسولين.
ورغم أن هذه الدراسات لا تؤكد وجود علاقة سببية مباشرة، فإن تكرار النتائج في عدة دراسات ومجتمعات مختلفة يدعم وجود ارتباط واضح بين الإفراط في استهلاك المشروبات الغازية ومشكلات الكلى.
بدائل صحية للحفاظ على الكلى
ينصح الأطباء بتقليل استهلاك الكولا والمشروبات الغازية، خاصة لدى الأشخاص المصابين بالسكري أو أمراض الكلى المزمنة أو الذين لديهم تاريخ مرضي مع حصوات الكلى.
وتشمل البدائل الصحية التي تساعد على الحفاظ على ترطيب الجسم دون تحميل الكلى أعباء إضافية:
- الماء العادي أو الفوار
- الشاي المثلج غير المحلى
- ماء جوز الهند غير المحلى
- المياه المنكهة طبيعيًا بالفواكه أو شرائح الخيار
وتساعد هذه البدائل على الحفاظ على ترطيب الجسم دون كميات زائدة من السكر أو الفوسفور، ما يخفف الضغط طويل الأمد على الكلى ويحافظ على كفاءتها الصحية.

















0 تعليق