أثار مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين نقاشًا واسعًا، تصدّره أن المشروع قد أنهى الاعتداد بالمِلّة والطائفة كسبب من أسباب التطليق. غير أن هذا الطرح — على جاذبيته الإعلامية — يفتقر إلى التدقيق القانوني، ويستند إلى قراءة مجتزأة لا تعكس البنية الحقيقية لنصوص المشروع. فالمسألة لا تتعلق بمجرد توصيف اصطلاحي، بل بتكييف قانوني دقيق يتطلب الوقوف على نصوص القانون ذاتها وتحليل آثارها العملية.
وفي هذا السياق، تبرز المادة (44) بوصفها نصًا محوريًا كاشفًا لطبيعة التنظيم التشريعي الذي اعتمده المشروع، إذ لا تكتفي بالإقرار الضمني بوجود الطوائف، بل تُرتب على الخروج عنها أثرًا قانونيًا مباشرًا يتمثل في إباحة طلب التطليق. ومن ثمّ، فإن أي حديث عن “إلغاء” الطائفة يصطدم مباشرة بصريح النص، الذي يؤكد استمرارها كمعيار قانوني مُنتج للأثر.
وعليه، تأتي هذه القراءة لتحليل مدى صحة القول بإلغاء المِلّة والطائفة، وذلك من خلال تفكيك دلالة نص المادة (44)، واستجلاء ما يترتب عليه من نتائج عملية، وصولًا إلى تحديد الطبيعة الحقيقية لدور الطائفة في المشروع: هل تراجع حضورها بالفعل، أم أُعيد توظيفها في إطار تشريعي أكثر تأثيرًا؟
ومن جانبه قال ألبير أنسي المحامي بالنقض في تصريح خاص للدستور: أنه لم يكن شيوع القول بـ“إلغاء المِلّة والطائفة كسبب للتطليق” في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين سوى انعكاسٍ لقراءةٍ مُتعجلة، استبدلت التحليل القانوني الرصين بخلاصة إعلامية جذابة، لكنها — عند الامتحان — لا تصمد أمام نصٍ واحد من نصوص المشروع. بل إن هذا الادعاء يتهاوى تمامًا عند الوقوف على المادة (44)، التي تُعد — في بنيتها — نصًا كاشفًا، لا مُلتبسًا.
وأشار إلى أنه فالنص يقرر، في بندٍ صريح، أنه:“يجوز لأيٍّ من الزوجين طلب التطليق… إذا ترك أحد الزوجين الدين المسيحي إلى دينٍ آخر، أو إلى غير الطوائف التي يسري عليها أحكام هذا القانون.”
وأوضح: وهنا لا يقف المشرّع عند حدّ الإقرار النظري بوجود الطوائف، بل يتجاوز ذلك إلى ترتيب أثر قانوني مباشر على الخروج عنها، قوامه إباحة طلب التطليق. وهو ما يُفضي — حتمًا — إلى نتيجة لا تحتمل الجدل:
الطائفة لا تزال قائمة ومُنتجة للأثر، وليست كيانًا مُلغى كما يُشاع.
غير أن القراءة المتعمقة للنص تكشف ما هو أبعد من ذلك؛ إذ إن دلالة العبارة “الطوائف التي يسري عليها أحكام هذا القانون” تُنشئ تقسيمًا تشريعيًا واضحًا بين:
* طوائف داخلة في نطاق التطبيق
* وأخرى خارجة عنه
وأكد ومن ثمّ، فإن مجرد الانتقال من الطوائف الخاضعة إلى طائفة أخرى لا يسري عليها القانون يُعد — بذاته — سببًا كافيًا للتطليق.
وتابع: وهنا تتبدّى المفارقة التي أغفلها الخطاب الإعلامي:
فإذا كانت تغيير الطائفة كسبب للتطليق قد “أُلغي” كما يُدّعى، فكيف يرتّب القانون على مجرد تغييرها أثرًا بهذه الجسامة؟
بل إن التطبيق العملي للنص يُفضي إلى نتائج أكثر حدة؛ إذ إن الانضمام إلى عدد من الكنائس الأرثوذكسية العالمية — التي لا تخضع لهذا القانون في نطاقه المحلي — قد يُنشئ بذاته سببًا للتطليق، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر:
* الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية
* الكنيسة الروسية الأرثوذكسية
* الكنيسة الصربية الأرثوذكسية
* الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية
* الكنيسة البلغارية الأرثوذكسية
* بطريركية القسطنطينية المسكونية
واكد: وهي جميعًا كنائس أرثوذكسية رسوليّة، تشترك في جوهر الإيمان المسيحي، ومع ذلك فإن الانضمام إليها — متى لم تكن خاضعة لنطاق تطبيق القانون — يُرتب، وفقًا لصريح النص، إباحة طلب التطليق.
وهذا يكشف — في وضوح لا لبس فيه — أن المشرّع لم يُلغِ الطائفة، بل جعلها معيارًا قانونيًا فاصلًا، بل وأداةً لإحداث أثر بالغ الخطورة على كيان الأسرة ذاته.
ومن ثمّ، فإن القول بالإلغاء لا يكون فقط مخالفًا للنص، بل يقع في عيبٍ مركّب: لعدم الاستناد إلى نص، ولاستخلاص نتيجة لا تُفضي إليها المقدمات
والأدق — في توصيف ما جرى — أن المشروع لم يُنهِ الطائفية القانونية، بل أعاد إنتاجها في صورة أكثر تحديدًا؛ حيث لم تعد الطائفة مجرد إطار ديني، بل تحولت إلى معيار تشريعي لترتيب آثار قانونية مباشرة، قد تصل إلى حد إنهاء الرابطة الزوجية.
وفي ضوء ذلك، يتبدّى أن الحديث عن “إلغاء المِلّة والطائفة كسبب للتغيير” ليس إلا وهمًا اصطلاحيًا، نشأ من قراءة مبتسرة، وتضخّم بفعل التناول الإعلامي، حتى كاد أن يُقدَّم بوصفه حقيقة تشريعية، وهو منها براء.
مختتمًا: وخلاصة القول، أن المشروع — في بنيته الحقيقية — لم يُلغِ الطائفة، بل: رسّخ أثرها القانوني، ووسّع من نطاق تأثيرها، وجعلها مناطًا مباشرًا لإباحة التطليق.وهي نتيجة تكفي — بذاتها — لإسقاط مقولة الإلغاء، لا على سبيل الجدل، بل على سبيل اليقين القانوني.

















0 تعليق