تشهد الأروقة العسكرية داخل الجيش الإسرائيلي في تل أبيب حالة من الذهول والارتباك مع تسجيل أرقام قياسية لحالات إنهاء الحياة بين الجنود، حيث بات الجيش الإسرائيلي يواجه عدواً داخلياً يتمثل في الانهيار النفسي الحاد. فمنذ مطلع عام 2026، رُصدت قفزة مخيفة في عدد المنتحرين، ما يعكس حجم الضغوط الهائلة التي خلفتها سنوات القتال المستمر في قطاع غزة ولبنان، محولةً النصر العسكري المزعوم إلى مأساة إنسانية تنهش في أجساد وعقول المجندين.
حسب تقرير لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فقد رصدت الدوائر الأمنية 15 حالة انتحار مؤكدة بين شهري يناير وأبريل من العام الجاري فقط. وأوضحت البيانات أن ما لا يقل عن عشرة جنود في الجيش الإسرائيلي ممن هم في الخدمة الفعلية حالياً قد أنهوا حياتهم، بينما شهد شهر أبريل وحده انتحار ستة جنود، بالإضافة إلى ثلاثة آخرين من قوات الاحتياط الذين لم يحتملوا العودة للحياة المدنية بعد تسريحهم من جبهات القتال الملتهبة.
إحصائيات مرعبة تعكس فشل الاحتواء النفسي
تؤكد المعطيات الرسمية أن ظاهرة الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي مسار تصاعدي بدأ منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر.
بينما كان متوسط حالات الانتحار في العقد الذي سبق الحرب لا يتجاوز 12 حالة سنوياً، قفزت الأرقام بشكل جنوني لتصل في عام 2025 إلى 22 جندياً، وهو ما وصفه الخبراء بأنه الحصيلة الأعلى والأخطر للجيش الإسرائيلي منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.
وتشير التقارير إلى أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الحقيقة الكاملة، إذ إن الجيش الإسرائيلي لا يدرج دائماً المنتحرين بعد إنهاء خدمتهم ضمن قوائمه الرسمية. وقد علمت الأوساط الصحفية بوجود حالات إضافية لجنود احتياط توفوا بجرعات زائدة من المخدرات أو الكحول، وهي حالات يعتبرها الأطباء النفسيون "انتحاراً مقنعاً" ناتجاً عن الهروب من ذكريات القتل والدمار التي عايشوها في أزقة غزة المكتظة بالمدنيين والأطفال.
سياسة الضغط العسكري وتجاهل الإصابات النفسية
تتبع القيادة العسكرية أحياناً أساليب قاسية لإجبار الجنود على الاستمرار في الخدمة رغم ظهور علامات الاضطراب النفسي الواضحة عليهم. وقد كشفت تقارير حقوقية أن قادة عسكريين مارسوا ضغوطاً جسيمة على جنود يعانون من صدمات حادة، ووصل الأمر إلى تهديدهم بالاعتقال والمحاكمة العسكرية إذا لم يمتثلوا لأوامر الحضور للخدمة، وهو ما فاقم من شعورهم بالعزلة واليأس ودفع بعضهم لاتخاذ القرار المأساوي بإنهاء حياتهم.
وفي محاولة لسد العجز العددي، واصل الجيش الإسرائيلي تجنيد أفراد يعانون من إصابات نفسية مسجلة مسبقاً لدى وزارة الدفاع، دون عرضهم على لجان طبية مختصة لتقييم أهليتهم. هذا التجاهل المتعمد للملف الصحي أدى إلى انفجار الوضع في وجوه القادة، حيث أقر مسؤول رفيع في إدارة الموارد البشرية بأن المؤسسة فقدت السيطرة على الوضع النفسي للجنود، وباتت تعجز عن تقديم حلول فعالة لمن يعانون بصمت.
بركان الصدمات وما بعد صدمة القتال
تتوقع وزارة الدفاع أن تستمر أزمة الصحة النفسية في التصاعد، مرجحة زيادة حالات اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة تصل إلى 180% بحلول عام 2028. ويظهر الواقع الحالي أن نحو 60% من بين آلاف الجنود الذين يتلقون علاجاً من إصابات جسدية يعانون في الأصل من اضطرابات نفسية عميقة، حيث يلاحق "صوت الرصاص" وصور الضحايا أحلامهم ويمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية أو العودة لوظائفهم المدنية السابقة.
ويفسر الأطباء النفسيون هذه الحالة بوجود مصدرين للصدمة، أولهما الخوف الغريزي من الموت في المعارك، وثانيهما هو "الضرر المعنوي" الناتج عن الشعور بالذنب. ويواجه جنود الجيش الإسرائيلي أزمة ضمير حادة نتيجة قتل الأبرياء والأطفال بالخطأ أو العمد، وهو شعور يصفه المختصون بأنه "القاتل الصامت" الذي لا يمكن تصحيحه، مما يجعل الجندي يعيش في صراع داخلي دائم لا تنفع معه مسكنات الألم أو الجلسات العلاجية التقليدية.
انهيار منظومة التأهيل النفسي لجنود الاحتياط
في خطوة أثارت الكثير من الجدل، قرر الجيش الإسرائيلي في وقت سابق إلغاء جلسات التأهيل النفسي التي كانت مخصصة لجنود الاحتياط قبل عودتهم لمنازلهم. ورغم إعادة هذه الجلسات بشكل جزئي لاحقاً، إلا أن الضرر كان قد وقع بالفعل، حيث وجد آلاف المقاتلين أنفسهم فجأة في مواجهة عائلاتهم والمجتمع وهم يحملون أوزار الحرب دون أي تمهيد أو دعم، مما زاد من حالات العنف المنزلي والإدمان والانتحار.
وتواجه مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل حالة من الاكتظاظ التام، حيث يضطر الجندي للانتظار شهوراً طويلة قبل المثول أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الدفاع. هذه البيروقراطية القاتلة تدفع الكثيرين للعزوف عن طلب المساعدة، مفضلين المعاناة وحدهم، وهو ما أكدته لجنة في الكنيست أشارت إلى أن 78% من محاولات الانتحار في عام 2024 كانت من نصيب الجنود المقاتلين الذين وجدوا الأبواب مغلقة أمام صرخاتهم المكتومة.
تداعيات الحرب على البنية النفسية للمجتمع
لا تقتصر آثار الحرب النفسية على المقاتلين فقط، بل تمتد لتشمل البنية التحتية للصحة النفسية في إسرائيل بالكامل، والتي أصبحت غير قادرة على استيعاب تداعيات القتال. ومع تزايد التوترات مع إيران واستمرار استنزاف القوات في غزة ولبنان، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه أمام معضلة أخلاقية وعملياتية كبرى، حيث تفوق خسائر الأرواح الناتجة عن الانتحار والاضطراب النفسي أحياناً الخسائر المباشرة في بعض العمليات العسكرية الميدانية.
ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة المؤسسة العسكرية على تغيير نهجها وتوفير الرعاية الحقيقية لجنودها بعيداً عن لغة التهديد والضغط. إن استمرار تجاهل "بركان الصدمات" الذي يعصف بالجنود قد يؤدي إلى انهيار منظومة الخدمة الإلزامية والاحتياط، حيث بات الانتحار يمثل الهروب الأخير لجنود وجدوا أنفسهم وقوداً لحرب طويلة الأمد، دفعوا ثمنها من استقرارهم النفسي وقدرتهم على العيش بسلام في عالم ما بعد الحرب.

















0 تعليق