في التاسع والعشرين من أبريل، يتجدد الحديث عن قسطنطين كفافيس، أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأدب العالمي الحديث، والذي ارتبط اسمه بالإسكندرية كما ارتبط شعره بفلسفة التاريخ والحنين والهوية.
ورغم مكانته الراسخة بين كبار شعراء العالم، فإن كفافيس ظل طوال حياته شاعرًا خارج الأضواء، لم يعرف الانتشار الحقيقي إلا بعد رحيله، ليصبح نموذجًا فريدًا للمبدع الذي سبق عصره ولم ينل الاعتراف الكامل إلا متأخرًا.
قسطنطين كفافيس.. مولد شاعر استثنائي في قلب الإسكندرية
وُلد قسطنطين كفافيس في 29 أبريل عام 1863، بأحد منازل شارع شريف في مدينة الإسكندرية، لأسرة يونانية ثرية تعود جذورها إلى القسطنطينية. نشأ في بيئة أرستقراطية متعددة الثقافات، جمعت بين الانتماء اليوناني والحياة المصرية الكوزموبوليتانية التي كانت تميز الإسكندرية في القرن التاسع عشر.
بعد وفاة والده المبكرة، عاشت الأسرة تقلبات اقتصادية وسياسية دفعتها إلى التنقل بين إنجلترا وإسطنبول، قبل أن يعود كفافيس إلى الإسكندرية التي أصبحت ملهمته الكبرى، ومسرحًا دائمًا لأشعاره وتأملاته التاريخية.
قسطنطين كفافيس.. شاعر الموظف الذي كتب في الظل
لم يحصل كفافيس على تعليم جامعي منتظم، لكنه عوّض ذلك بثقافة واسعة اكتسبها عبر القراءة الذاتية، فأتقن اليونانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وكرّس اهتمامه للتاريخ اليوناني والهلنستي والأدب الأوروبي.
على مدار نحو ثلاثين عامًا، عمل موظفًا بوزارة الري المصرية، وهي وظيفة متواضعة أخفت خلف جدرانها واحدًا من أهم شعراء القرن العشرين. كان يكتب قصائده بعيدًا عن المؤسسات الأدبية التقليدية، ويطبعها بنفسه في منشورات محدودة يوزعها على أصدقائه ومريديه، رافضًا النشر التجاري الواسع.
كفافيس والاعتراف المؤجل
بدأ كفافيس كتابة الشعر في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ونُشرت أولى قصائده عام 1891، لكن شهرته ظلت محدودة داخل الأوساط الثقافية السكندرية واليونانية. لم يكن أسلوبه الشعري التقليدي، ولا موضوعاته التاريخية والفلسفية والجريئة، منسجمة مع الذائقة السائدة آنذاك، ما جعله بعيدًا عن الانتشار الجماهيري.
ورغم إشادة بعض النقاد الكبار مثل إي. إم. فورستر، الذي ساهم في تقديمه إلى العالم الناطق بالإنجليزية، فإن الانتشار الحقيقي لأعماله جاء بعد وفاته عام 1933، حين جُمعت قصائده في طبعات كاملة، لتكشف عن شاعر فريد أعاد تشكيل الشعر اليوناني الحديث.
كفافيس بين التاريخ والفلسفة والهوية
تميز شعر كفافيس بقدرته الاستثنائية على المزج بين التاريخ الشخصي والتاريخ الحضاري، مستلهمًا العصور الهلنستية والبيزنطية، ومستحضرًا شخصيات وأحداثًا تاريخية ليطرح من خلالها أسئلة معاصرة عن السلطة، والانهيار، والرغبة، والكرامة الإنسانية.
في قصائد مثل "إيثاكا" و"في انتظار البرابرة"، تجاوز كفافيس حدود الزمان والمكان، مقدمًا نصوصًا ذات طابع إنساني عالمي جعلها قابلة للقراءة عبر الأجيال والثقافات المختلفة.
رحيل قسطنطين كفافيس
في عام 1932، أُصيب كفافيس بسرطان الحنجرة، وسافر إلى اليونان للعلاج قبل أن يعود إلى مدينته الحبيبة الإسكندرية، حيث توفي في 29 أبريل 1933، في يوم ميلاده السبعين.
رحل الشاعر الذي عاش معظم حياته في عزلة نسبية، لكنه ترك إرثًا أدبيًا ضخمًا لم يتوقف تأثيره حتى اليوم، وتحول منزله في الإسكندرية إلى متحف، وأصبحت قصائده جزءًا من المناهج الأدبية العالمية، فيما رسخ اسمه كأحد أهم شعراء الحداثة.
















0 تعليق