غيب الموت في الساعات الأولى من صباح اليوم المحامي والمفكر مختار نوح، أحد أبرز الأسماء التي صنعت حضورًا لافتًا في المشهدين النقابي والسياسي في مصر على مدار عقود، تاركًا وراءه مسيرة متشابكة بين القانون والفكر والعمل العام، اتسمت بالجدل بقدر ما اتسمت بالتأثير.
وُلد نوح داخل فضاء مهني وسياسي متحرك، فبرز مبكرًا داخل نقابة المحامين، حيث انتُخب عضوًا بمجلسها في ثمانينيات القرن الماضي وهو في سن صغيرة نسبيًا، قبل أن يتحول إلى أحد أعمدة العمل النقابي، مساهمًا في تطوير خدمات المحامين، من منظومة العلاج إلى تحسين المعاشات، فضلًا عن دوره في تشكيل تيار ذي مرجعية إسلامية داخل النقابة، استطاع أن يحصد حضورًا انتخابيًا لافتًا في تسعينيات القرن الماضي.
برلمانيًا، دخل مجلس الشعب في أواخر الثمانينيات، وركز خلال تجربته على ملفات الحريات وحقوق الإنسان، مقدمًا نفسه كصوت قانوني يدافع عن قضايا المجتمع، ومشاركًا في لجان دولية مثل البعثات البرلمانية، بما عزز حضوره كوجه سياسي يتجاوز الإطار النقابي.
لكن المسار الأبرز في حياة نوح ارتبط بعلاقته بجماعة الإخوان الإرهابية، التي انخرط في صفوفها لنحو ربع قرن، قبل أن تشكل تجربة السجن نهاية التسعينيات نقطة تحول حاسمة في مسيرته، فبعد إدانته في القضية المعروفة بـ«اختراق النقابات المهنية» وقضائه ثلاث سنوات خلف القضبان، بدأ في مراجعة عميقة لأفكاره، انتهت بإعلانه الانفصال الكامل عن الجماعة، منتقدًا بنيتها التنظيمية وأفكارها، خاصة ما وصفه بسيطرة «التنظيم الخاص» وتغليب مصلحة الجماعة على الأفراد.
هذا التحول لم يكن عابرًا، بل أسس لمرحلة جديدة في حياة نوح، تحوّل خلالها إلى أحد أبرز الأصوات الناقدة للإخوان من داخل تجربتهم، مستندًا إلى معرفة تفصيلية ببنية التنظيم وآلياته، وقد تجسد ذلك في كتاباته وأبحاثه، وفي مقدمتها أعمال تناولت تفكيك خطاب العنف والتطرف، أبرزها «موسوعة العنف»، فضلًا عن حضوره الإعلامي الذي جعله مرجعًا في تحليل شؤون الجماعات الإسلامية.
وعلى المستوى العام، ظل نوح حاضرًا في النقاشات الوطنية، خاصة خلال فترة حكم الإخوان وما تلاها، حيث اتخذ موقفًا معارضًا للجماعة، مدافعًا عن الدولة الوطنية، ومشاركًا في معارك فكرية وسياسية ضد ما اعتبره محاولات للهيمنة على مؤسسات الدولة.
ورغم ما شهدته مسيرته من اختلافات حادة مع بعض معاصريه، فإن كثيرين أجمعوا على أنه كان نموذجًا للمحامي المثقف، الذي جمع بين الجرأة في الطرح والقدرة على الاشتباك مع القضايا الكبرى، محتفظًا بحضور إنساني ومهني لم تنل منه الخلافات.
برحيله، تفقد الساحة القانونية والفكرية أحد وجوهها الجدلية، التي لم تتوقف عن إثارة الأسئلة، سواء من داخل المؤسسات أو من خارجها، تاركًا إرثًا مفتوحًا على التقييم، بين من يراه شاهدًا من الداخل على تحولات تيار كامل، ومن يقرأ تجربته باعتبارها مسارًا معقدًا يعكس تفاعلات السياسة والفكر.












0 تعليق