جاء خروج الإمارات من أوبك وأوبك+، كإشارة قوية إلى تغير قواعد اللعبة في سوق الطاقة العالمي، فالدولة الخليجية صاحبة الطموح الإنتاجي الواسع اختارت مساحة أكبر من حرية القرار، في توقيت تتحرك فيه الأسعار فوق أرض ملتهبة بفعل الحرب، ومخاطر مضيق هرمز، واضطراب بعض الشحنات الخليجية.
مصير أوبك بعد خروج الإمارات
وتكشف «الدستور» تفاصيل مشهد نفطي جديد تتراجع فيه فكرة الالتزام الجماعي أمام صعود المصالح الوطنية، وتدخل فيه أوبك واحدًا من أصعب اختباراتها منذ سنوات، بينما تقف أوابك خارج الصدمة المباشرة، باعتبارها منظمة تعاون عربية بعيدة عن إدارة الحصص أو تحديد مسار الإنتاج اليومي.
ويطوي القرار الإماراتي صفحة طويلة بدأت عبر إمارة أبوظبي عام 1967، قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم امتدت بعد الاتحاد عام 1971، وخلال هذه العقود، شاركت الإمارات في صياغة كثير من مواقف أوبك، وساهمت في دعم الحوار بين المنتجين والمستهلكين، قبل أن تصل إلى لحظة ترى فيها أن خططها الإنتاجية والاستثمارية تحتاج إلى مساحة أوسع للحركة.
وتأتي هذه الخطوة في قلب مشهد عالمي مضطرب، أسعار النفط تتحرك قرب مستويات مرتفعة، والقلق حول مضيق هرمز يضغط على حركة الشحن، والحرب في إيران تضيف علاوة مخاطر إلى كل برميل، فيما يفاقم اضطراب شحنات غاز البترول المسال من منشأة الجعيمة السعودية قلق الأسواق الآسيوية، خاصة مع اعتماد الهند والصين وجنوب شرق آسيا على جانب مهم من الإمدادات الخليجية.
كما تنظر الإمارات للقرار باعتباره انتقالًا إلى سياسة إنتاج أكثر مرونة، فالدولة تعمل على رفع طاقتها الإنتاجية إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027، من خلال استثمارات ضخمة تقودها شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، وهي استثمارات تحتاج إلى قدرة أكبر على تحويل الطاقة المتاحة إلى إنتاج فعلي وحصة سوقية أوسع.
من هنا تبدو الرسالة الإماراتية واضحة: زمن الحصص الجامدة يضيق أمام المنتجين أصحاب الطاقة الفائضة، خاصة عندما تكون الأسعار مرتفعة، والطلب قائمًا، والمستهلكون يبحثون عن إمدادات موثوقة، ولهذا يكتسب القرار ثقلًا خاصًا، لأنه يصدر عن دولة تمتلك احتياطيات ضخمة ونفطًا منخفض التكلفة والكثافة الكربونية، إلى جانب موقع محوري في الخليج وسلاسل التوريد العالمية.
أما أوبك+، فيجد نفسه أمام اختبار بالغ الحساسية، فالتحالف الذي قام على تنسيق جماعي واسع لضبط المعروض يواجه الآن سؤال الثقة بين الأعضاء، هل يستطيع الحفاظ على الانضباط بعد خروج منتج مؤثر؟ وهل ينجح في منع انتقال العدوى إلى دول أخرى تملك طموحات إنتاجية أو اعتراضات على نظام الحصص؟
الخطر الحقيقي على أوبك+ يرتبط بالرسالة التي قد تصل إلى بقية المنتجين، فكل دولة تمتلك قدرة إنتاجية جاهزة قد تعيد حساباتها، خصوصًا إذا رأت أن الالتزام بقيود جماعية يمنعها من استغلال لحظة سعرية مواتية.
وهنا تقع المسؤولية الأكبر على السعودية وروسيا وباقي المنتجين الكبار في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل التحالف.
ورغم قوة الصدمة، فإن أوبك ستظل حاضرة في المشهد، فالمنظمة عاشت مراحل صعبة، وخرجت منها عبر تفاهمات بين كبار المنتجين لكنها تدخل الآن مرحلة مختلفة، تحتاج فيها إلى قواعد أكثر مرونة، ونظام حصص أكثر واقعية، وقدرة أكبر على استيعاب مصالح الأعضاء، حتى لا تتحول القيود الإنتاجية إلى سبب مباشر في تصدع داخلي جديد.
وفي السعودية، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، فالمملكة تتحرك في مساحة ضيقة بين قيادة أوبك+، والحفاظ على توازن السوق، ومتابعة اضطرابات الشحن في الخليج، وإدارة تداعيات تعليق شحنات غاز البترول المسال من منشأة الجعيمة، ارتفاع الأسعار يمنح المنتجين إيرادات أكبر، لكنه يضغط أيضًا على الطلب العالمي، ويرهق الاقتصادات المستوردة، ويدفع بعض المستهلكين إلى تسريع البحث عن بدائل.
وتؤثر أزمة الجمعية بشكل مباشر في سوق غاز البترول المسال، خاصة البروبان والبيوتان، وهما منتجان يدخلان في الاستخدامات المنزلية والصناعية والبتروكيماوية، ومع استمرار اضطراب الشحنات، تتجه بعض الأسواق الآسيوية إلى البحث عن مصادر بديلة، ما يرفع تكلفة النقل ويزيد المنافسة على الكميات المتاحة.
آسيا تبدو الأكثر تأثرًا بهذه الأزمة. فالهند والصين وأسواق جنوب شرق آسيا تعتمد على الإمدادات الخليجية لتأمين احتياجات كبيرة من الطاقة والمواد الأولية للصناعة، وأي تعطل طويل في الشحنات السعودية، مع تغير سياسة الإنتاج الإماراتية، قد يعيد ترتيب خريطة التعاقدات الفورية، ويدفع الأسعار إلى مزيد من الحساسية تجاه أخبار الخليج.
أما أوابك، فتقف خارج التأثير المباشر للقرار الإماراتي، فهذه المنظمة العربية تتحرك في مسار مختلف عن أوبك، وتركز على التعاون العربي في مجالات النفط والطاقة والدراسات والمشروعات المشتركة، لذلك فإن خروج الإمارات من أوبك وأوبك+ يترك وضعها داخل أوابك كما هو، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام دور عربي أوسع في ملف أمن الطاقة.












0 تعليق