في توقيت دقيق يتقاطع فيه المسار العسكري مع التحديات الإنسانية، حمل لقاء والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة مع وفد الاتحاد الأوروبي رسالة سياسية واضحة تتجاوز إطار التعاون التنموي، لتؤكد أن ملف إعادة الإعمار بات جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت واقع جديد في السودان، عنوانه استعادة الدولة وإنهاء نفوذ المليشيات بشكل كامل.
تصريحات الوالي، التي شددت على أن تدمير البنية التحتية لم يكن عشوائيًا بل ممنهجًا، تعكس محاولة لإعادة توصيف ما جرى في الخرطوم خلال فترة الحرب، ليس فقط كصراع مسلح، بل كعملية استهداف منظم لمقومات الدولة المدنية. هذا الطرح يهدف، ضمنيًا، إلى كسب دعم دولي أوسع، عبر تقديم الأزمة في إطار يتجاوز التعقيدات السياسية الداخلية، ليضعها في سياق حماية مؤسسات الدولة من الانهيار.
اللافت في الخطاب الحكومي هو الربط بين إعادة الإعمار واستمرار العمليات العسكرية. فبينما تتحدث الحكومة عن خطط لإعادة تشغيل المرافق الحيوية، من مياه وكهرباء ومؤسسات صحية، فإنها في الوقت ذاته ترسل إشارات حازمة بأن هذه الجهود لن تكتمل دون الحسم الكامل لملف المليشيات. وهو ما يعكس تحولًا في العقيدة السياسية، حيث لم يعد هناك مجال للحلول الوسط أو التسويات الجزئية، بل توجه واضح نحو إنهاء هذا الملف كشرط للاستقرار.
في هذا السياق، يمكن قراءة اللقاء مع وفد الاتحاد الأوروبي كجزء من دبلوماسية إعادة الإعمار، التي تسعى من خلالها الخرطوم إلى تحقيق عدة أهداف متوازية: أولها، تأمين دعم مالي وتقني لإعادة تأهيل البنية التحتية؛ وثانيها، توثيق حجم الدمار باعتباره دليلًا على ما تصفه الحكومة بـالاستهداف الممنهج؛ وثالثها، بناء سردية دولية داعمة لخطابها بشأن ضرورة القضاء على المليشيات.
من جانب الاتحاد الأوروبي، تبدو الاستجابة حذرة لكنها منفتحة فالتأكيد على دعم الجوانب الإنسانية والتنموية، مع التشديد على التنسيق المشترك، يعكس رغبة في الانخراط دون الانحياز الكامل لأي طرف في الصراع، إلا أن هذا الموقف قد يتعرض لاختبار حقيقي، خاصة إذا تصاعدت الضغوط الدولية المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان أو استهداف المدنيين، وهو ما قد يفرض على الشركاء الدوليين مواقف أكثر وضوحًا.
السيناريو الجديد الذي يتشكل هنا هو "توازي المسارات": مسار عسكري يسعى إلى الحسم، ومسار مدني يركز على إعادة الإعمار واستعادة الخدمات. نجاح هذا النموذج يعتمد على قدرة الحكومة على تحقيق تقدم ملموس في كلا الاتجاهين دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فالإعمار دون استقرار أمني سيظل هشًا، بينما الحسم العسكري دون تحسين حياة المواطنين قد يواجه تحديات في كسب الدعم الشعبي.
كما أن الرهان على الشراكات الدولية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي، يفتح الباب أمام معادلة دقيقة: فكلما زاد الدعم الخارجي، زادت الحاجة إلى الشفافية والالتزام بالمعايير الدولية، وهو ما قد يشكل ضغطًا إضافيًا على الحكومة في إدارة المرحلة الانتقالية.
وتكشف رسالة الخرطوم إلى الاتحاد الأوروبي عن تحول استراتيجي في إدارة الأزمة، حيث لم يعد الهدف مجرد احتواء الصراع، بل إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، مع إغلاق ملف المليشيات بشكل نهائي. غير أن هذا المسار يظل محفوفًا بالتحديات، في ظل تعقيدات المشهد الميداني، وتباين المواقف الدولية، واستمرار المخاطر الإنسانية.











0 تعليق