نحت الصخر «بيت الحفر»، هذا قام به أجداد أمى، من حفروا بيوتهم فى باطن الأرض، فى جبل غريان بليبيا، وهو ما ندر مثيله، وهم لأجل ذلك بناؤون، لقد صرعوا المستحيل، مثلما فعل سكان الصحراء، من اخترعوا من المحال حياة، فلم يركنوا للسهل والنهر. كأنما روح أجدادى بُثت فى جسدى، فوجدتنى طفلًا يصنع ألعابه، ثم صبيًا يكوّن فريقه، وفى كل العمر كان الخيال خلًا، أتبعه أكثر مما يتبعنى ظلى. وأذكر عند الصبا، أنشأت بيتًا من بقايا الخشب المرمى فى الشارع، فكان ملعبًا لى وأقرانى، وفى حين حولته لمسرح، خيال الظل، ما رسمت وقصصت، وكنت الممثل فيه، منذ البدء كان بيتى مضيفة لأصحابى.
عشت فى بيت أبى، فى المربوعة/ غرفة الضيوف، التى حولتها إلى بيتى، وكذا حين انتقلت كصحفى إلى مدينة طرابلس، كانت غرفة الفندق بيتى فمضيفتى. حتى تسنى أن تكون لى شقة، فكانت أيضًا بيت أصدقائى وصالونى الأدبى، أظن لم تغدُ بيتى، الشقة التى فى الدور الخامس، دون مصعد، بحى قاريونس، على أطراف بنغازى. لهذا تركتها فجأة بعد سنوات عشر، دون مقدمات ولا شروح، دون أن يكون لى هدف ولا رؤية، عشت كـ«سواح، وماشى فى البلاد سواح»، أردد أغنية شبابى مع المطرب عبدالحليم حافظ.
عشت رحلة الضياع، كاليهودى التائه. وذات مساء فى الظلام الدامس مررت بشارع «جمال عبدالناصر» فى بنغازى، ذاك الشارع غطت سبله أغصان أشجاره المهملة، حيث شاهدت الأشباح تخرج وتدخل من بين شبكة الأغصان التى تغلق الطريق والرصيف. بفضول الليل اندسست، فرأيت عمالًا مصريين يُنزلون خردة من شاحنة، ويدخلون بها إلى فتحة، تبينت أنها باب بيت، اندلفت خلفهم، فى الظلمة شاهدت خرابة، لكن لبرهة، وكما شطح صوفى، جنح الخيال من البيت الراهن إلى البيت الماضى، مما خيل لى انبثق حبًا، ذاب فى الريق، وقد استنشقت معه رائحة بخور وعطور قديمة، عبقة بالجمال، لم يكن فى إدراكى أن الحب كائن المخيال.
عدت من رحلة الشك، إلى اليقين أن هذا بيتى، بدأب انخرطت فى استقصاء صحفى، عرفتُ المالك وقصة البيت الذى بُنى خلال العهد الإيطالى، فى العقد الثالث من القرن العشرين، مالكته الأولى كانت سيدة إيطالية، مسئولة بالحزب الفاشى، وأن من أصدقائى من سكنه، الشاعر راشد الزبير، بثقة وإصرار، زادهما الحب، أردت أن يكون البيت بيتى، الزمان: ٢٠٠٣/٣/٣م، وقّعت عقد ملكيته، المكان: وسط البيت على ركام من خردة، الحضور: الأصدقاء، صاحب البيت على بوهدمه، وعبدالمولى لنقى، وراشد الزبير، والمحامى عمران بورويس، وإليهم يرجع الفضل فى تحقق الحلم.
معمار البيت شائق، مزج البيت الليبى المفتوح على الداخل مع البيت الإيطالى الشائع، سقيفة المدخل تؤدى بك إلى طرقة بمدخلين، كل منهما يدخلك لممر مسقوف، فى الممر ثلاث غرف وحمام ومطبخ صغير بينهما باب، تخرج منه إلى وسط البيت مما لا سقف له، وكل الغرف والحمام والمطبخ لها نوافذ تطل عليه، حيث السقف زرقة السماء، الهواء، الشمس، الفريد أنه بيتان فى بيت. منفردًا، ودون زاد يذكر، نحتف الصخر كى أعيد له شبابه، وألا أحدث فيه أى تغيير، حتى فى أشيائه الصغيرة، وزرعت فى وسط البيت كرمة، جعلت له نافورة صغيرة، ولما كان كل بيت فيه مفصولًا عن الآخر، تمكنت من جعل بيت لمكتبى ومكتبتى، ومضيفة للأصدقاء والأحبة، وهو ما تحول مع الوقت إلى صالون أدبىّ.
بيتى مساحة لقاء الود، كثيرًا ما عقدتُ فيه الندوات والأمسيات الشعرية، وتمت محاورات فكرية وأدبية، وجلسات لمناقشات سياسية حادة، وإعداد لملتقيات ومهرجانات، وحيث أمكن للكثير من مثقفى البلاد وخارجها التعارف والحوار، ومنه انطلقت مشاريع ثقافية، وخطط لنشر كتب، كما تنوع اللقاء بين فنانين تشكيليين وموسيقيين ومغنين، ويزدان البيت بمعرض للوحات أهداها مبدعوها للبيت، ومكتبته السمعية زاخرة بأسطوانات مهداة حتى من أوطان بعيدة، كأمريكا مثلًا، وفى المكتبة ثمة صحف ومجلات وكتب نادرة، وحتى بعض المخطوطات.
هكذا تسنى لى وللأصدقاء، فى هذا البيت. مساحة ود وإبداع، وفى أثناء الترميم والصيانة قال صديق: ما تتمنى أن يكون هذا البيت؟، بعفوية أجبت: مقرًا للصحيفة أو دار نشر، الأمنية التى لم تذهب سدى، ومن قبل أقمنا حفلات بالبيت لنشر كتاب وما شابه. وفى مرة، وقد صدر لى أكثر من كتاب، أقمتُ حفل توقيع بالبيت، حضر الحفل صديقات وأصدقاء، زميلات وزملاء، وقدم فيها مشاهد تمثيلية وغناء وأمسية شعرية، وكان باب البيت مشرعًا والدعوة مفتوحة.
أيام ثورة فبراير ٢٠١١، تحقق الحلم، تحول البيت لساحة، وفندق، فمقر لجريدة، من جاء من بعيد أقام به، والقريب يتردد كل يوم، حيث الجميع يلتقون يتناقشون، فينطلقون لساحة المحكمة والجامعة الدولية ومحطات التليفزيون، وفى الأذهان محصلة اللقاء، وكنا أنا وسالم العوكلى وأحمد بللو والمصور أحمد العريبى، نجهز لإصدار الجريدة التى كانت «ميادين». فى الحين الفنان والصحفى محمد مخلوف مع محطة BBC العالمية، حوّل البيت إلى استديو، وكذا فعلت CNN، ومراسلة «فرانس ٢٤» و«المونتى كارلو» الصديقة هدى إبراهيم، والجزيرة جاءت بسيارتها لنقل مباشر من البيت، كما ترددت إليه فى تلك الأثناء شخصيات عربية وأجنبية إعلامية وسياسية وثقافية.
وفى لحظة، وبخط اليد المتواضع، كتب أحد الأصدقاء على ورق كرتون: «مقر الجريدة»، وعلّق ذلك على باب بيتى.
من رواية: ربيع الصحارى الكبرى

















0 تعليق