الرؤية المصرية للإقليم

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

طرح، مؤخرًا، الرئيس عبدالفتاح السيسى رؤية مصر فى اللقاء التشاورى، الذى عُقد فى نيقوسيا بقبرص مع قادة عرب وأوروبيين. تضمنت الرؤية الأبعاد الاستراتيجية والرسائل السياسية لهذا الحدث الاستثنائى، وتمت صياغة عقد جديد للشراكة بين ضفتى المتوسط فى مشهد دبلوماسى يعكس أهمية القاهرة فى صياغة الاستقرار الإقليمى. هذا اللقاء لا يمكن قراءته كاجتماع روتينى، بل هو تدشين لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الوقائية والتعاون الاقتصادى العابر للقارات.

اختيار قبرص لاستضافة هذا اللقاء يحمل رمزية استراتيجية عميقة، فقبرص ليست فقط عضوًا فى الاتحاد الأوروبى، بل هى الجسر الجغرافى الأقرب للوطن العربى والمحيط الحيوى لمصر فى شرق المتوسط. يأتى هذا اللقاء فى وقت تعصف فيه بالمنطقة أزمات جيوسياسية متلاحقة، بدءًا من التوترات فى الأراضى الفلسطينية، وصولًا إلى تعقيدات الملفات فى لبنان وسوريا، ما استوجب وجود منصة تشاورية عربية- أوروبية تنسق المواقف قبل الانزلاق نحو صراعات أوسع.

وخلال كلمته فى اللقاء، وضع الرئيس السيسى النقاط على الحروف فيما يخص الرؤية المصرية للأمن الإقليمى. لم يكتف الرئيس بالحديث عن التهدئة العسكرية، بل ركز على مفهوم الأمن المستدام الذى يربط بين الاستقرار السياسى والازدهار الاقتصادى.

وشدد الرئيس على أن استمرار النزاعات فى الشرق الأوسط لا يهدد المنطقة فحسب، بل يمتد أثره لعمق القارة الأوروبية، سواء عبر موجات الهجرة أو اضطراب سلاسل توريد الطاقة. ودعا الرئيس إلى ضرورة أن تكون أى اتفاقات إقليمية، خاصة المتعلقة بملفات شائكة كإيران وسوريا، عادلة وتراعى الشواغل الأمنية للدول العربية، لا سيما دول الخليج العربى. وجدد التأكيد أن القضية الفلسطينية تظل لُب الصراع، وأن الحل العادل والشامل هو الضمانة الوحيدة لإنهاء دوامة العنف.

وانتقل اللقاء التشاورى من الغرف المغلقة للسياسة إلى آفاق التعاون الاقتصادى الرحب، فقد كان الجانب الأوروبى حريصًا على تعزيز الشراكة الاستراتيجية والشاملة مع مصر، التى تم ترفيع مستواها مؤخرًا. وركزت النقاشات على تحويل منطقة شرق المتوسط إلى مركز عالمى للطاقة الخضراء. 

وبحث القادة سبل تسريع مشروعات الربط الكهربائى بين مصر وقبرص واليونان، وصولًا إلى قلب أوروبا. هذه المشروعات ليست تجارية فحسب، بل هى أمن قومى لأوروبا التى تبحث عن بدائل آمنة ومستقرة، ومصدر دخل استراتيجى لمصر يدعم رؤيتها كمركز إقليمى لتداول الطاقة. وكان ملف الهجرة غير الشرعية حاضرًا بقوة، ولكن من منظور مختلف عما سبق، وقد نجحت الدبلوماسية المصرية فى إقناع الشركاء الأوروبيين بضرورة تبنى مقاربة شاملة تعتمد على دعم التنمية فى دول المنشأ والممر.

وأوضح الرئيس السيسى أن مصر، التى تستضيف ملايين اللاجئين والنازحين، تقدم نموذجًا إنسانيًا فريدًا يتطلب دعمًا دوليًا ليس فقط من أجل الرقابة على الحدود، بل من أجل خلق فرص عمل حقيقية للشباب، ودعم قطاعات التعليم والبحث العلمى، وفتح مسارات للهجرة الشرعية المنظمة التى تخدم احتياجات سوق العمل الأوروبية وتمنح الشباب العربى أملًا فى المستقبل.

وعلى هامش الاجتماع التشاورى، أجرى الرئيس السيسى سلسلة من المباحثات الثنائية المكثفة مع قادة أوروبيين مثل الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون والمستشار الألمانى فريدريش ميرتس. هذه اللقاءات ركزت على ملفات الأمن الغذائى والأمن المائى، حيث تسعى مصر لتعزيز استثماراتها فى تكنولوجيا الزراعة الحديثة وتحلية المياه بالتعاون مع الخبرات الأوروبية.

كما كان لافتًا التنسيق المصرى مع الأشقاء العرب الحاضرين، لا سيما مع الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجى، لضمان خروج القمة بموقف عربى موحد يوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية. 

إن لقاء نيقوسيا التشاورى يمثل حجر زاوية فى بناء نظام إقليمى جديد يعتمد على تعددية الأطراف. لقد أثبتت هذه القمة أن مصر، تحت قيادة الرئيس السيسى، تمتلك القدرة على حشد الدعم الدولى لرؤيتها، وأنها تظل الفاعل الأساسى الذى لا يمكن تجاوزه فى أى ترتيبات تخص أمن المتوسط، ومعروف أن الشراكة العربية الأوروبية هى الصمام الحقيقى للأمان.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق