لعبة «قط وفأر» تتسع في مضيق هرمز: «حصار يفرض واختراق يتكرر»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أصبح العالم كله يعرف اليوم ما هو مضيق هرمز، ولم يعد مجرد اسم على الخريطة، بل تحول إلى كابوس حقيقي يثير القلق في العواصم ويشغل الأسواق ويناقش في أحاديث الناس اليومية، وكأنه شبح يخيم على أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي.

 

في قلب أحد أخطر الممرات البحرية في العالم، يقف مضيق هرمز اليوم على حافة مواجهة مفتوحة، حيث تختبر الولايات المتحدة قدرتها على فرض حصار بحري خانق، بينما تسعى إيران إلى كسر هذا الطوق بكل الوسائل الممكنة.

 

وبين تهديدات عسكرية متصاعدة وتصريحات نارية، يفرض الواقع نفسه بسؤال لا يزال بلا إجابة حاسمة: هل فشل الحصار الأمريكي بالفعل، أم أنه مجرد اختبار لم يكتمل بعد؟

 


رغم التصعيد غير المسبوق، لا تزال ناقلات النفط تشق طريقها عبر المياه المضطربة، في مشهد يعكس صراعًا معقدًا ين القوة العسكرية والقدرة على المناورة.

 

الحصار الذي أعلن  عنه كأداة ضغط حاسمة، يبدو حتى الآن أقرب إلى محاولة تقييد منه إلى إغلاق كامل، خاصة مع استمرار تدفق النفط الإيراني، متحديًا القيود وتحت أعين الأساطيل.

 

ما يجري في مضيق هرمز لم يعد مجرد إجراء عسكري، بل تحول إلى لعبة "قط وفأر"بحرية، تتداخل فيها الاستراتيجيات مع التكتيكات، وتتصادم فيها الإرادات السياسية مع حسابات الاقتصاد العالمي.

 

بينما تراهن واشنطن على الردع والهيمنة، تظهر طهران قدرة لافتة على الالتفاف والاختراق، ما يطرح تساؤلات أعمق حول جدوى الحصار وحدوده.

 

في هذا المشهد المتشابك، يبدو أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول السيطرة على الممر، بل حول من يفرض قواعد اللعبة في واحدة من أكثر النقاط حساسية في العالم. وبين حصارٍ يفرض  واختراقٍ يتكرر، يبقى مضيق هرمز ساحة مفتوحة لصراع لم يحسم  بعد.

 

غير أن التطورات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية تعكس جانبًا آخر من الصورة، إذ جاءت إقالة وزير البحرية جون فيلان في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد الانتقادات لأداء البحرية في ملف تنفيذ الحصار، وبالتزامن مع توترات داخل البنتاغون.

ووفق تقارير إعلامية، فإن القرار جاء بعد مشاورات مباشرة مع الرئيس دونالد ترامب، الذي ربط بشكل غير مباشر بين كفاءة التنفيذ العسكري وفاعلية السياسة المتبعة في الضغط على إيران.

 

وتزامن ذلك مع تصريحات أكثر حدة من ترامب، أكد فيها أنه أصدر أوامر مباشرة باستخدام القوة ضد أي تهديدات في المضيق، بما في ذلك استهداف القوارب التي يشتبه في زرعها للألغام، في رسالة تعكس تصعيدا في الخطاب العسكري الأمريكي. كما بدأت كاسحات الألغام الأمريكية عمليات تمشيط واسعة لتأمين الممر الملاحي.

 

ورغم هذه الإجراءات، تكشف البيانات الميدانية عن واقع مختلف. إذ تشير تقديرات شركة Vortexa إلى أن نحو 10.7 مليون برميل من النفط الإيراني غادرت المنطقة خلال أيام قليلة، عبر ناقلات عمدت إلى تعطيل أنظمة التتبع لتفادي الرقابة.

كما تم تسجيل عشرات عمليات العبور لسفن مرتبطة بإيران أو خاضعة للعقوبات، ما يؤكد استمرار النشاط الملاحي وعدم توقفه.

 

في المقابل، تؤكد طهران أن صادراتها النفطية لم تتأثر، بل شهدت زيادة خلال الفترة الأخيرة، وفق تصريحات مسؤولين إيرانيين، في وقت أعلنت فيه عن بدء تحصيل إيرادات من نظام رسوم عبور السفن، في خطوة تعكس محاولة لتعزيز نفوذها داخل المضيق اقتصاديًا.

 

هذه المعطيات تكشف أن الحصار الأمريكي، رغم قوته العسكرية، لا يزال يواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع.

 

إيران تعتمد على تكتيكات التفاف معقدة، مثل إطفاء أجهزة التتبع، وتغيير مسارات الشحن، وإجراء عمليات نقل في عرض البحر، ما يصعب من مهمة فرض رقابة كاملة.

 

في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة تتجنب الوصول إلى مرحلة الإغلاق الكامل للمضيق، نظرًا لحساسية ذلك على الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبر المضيق نحو 20% من إمدادات الطاقة، وأي تعطيل شامل قد يؤدي إلى أزمة دولية واسعة.

 

تكشف تطورات المشهد أن ما يجري في مضيق هرمز هو صراع مفتوح بين الضغط العسكري والمرونة التشغيلية، وأن إقالة وزير البحرية لم تكن مجرد تغيير إداري، بل جاءت في سياق يعكس حجم التحديات التي واجهها تنفيذ الحصار على الأرض.

 

وبينما نجحت الولايات المتحدة في فرض وجود عسكري وضغط واضح، فإنها لم تتمكن حتى الآن من تحقيق حصار كامل وفعال، في حين أثبتت إيران قدرتها على التكيف والاستمرار في تصدير النفط.

 

يبدو أن مضيق هرمز لا يزال مفتوحًا أمام مصالح إيران بالدرجة الأولى، إلى جانب مرور مصالح محدودة لأطراف أخرى وفق حسابات دقيقة وتوازنات شديدة الحساسية.

 

وبين هذا وذاك، يبقى المضيق منطقة مفتوحة لكنها تحت توتر دائم، ما يجعله واحدًا من أخطر بؤر التوتر في العالم اليوم، وورقة ضغط رئيسية في التفاعلات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية حتى الآن.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق