لا شك أن هناك شيئا ما مريبا يحدث. حالة تسخين قوية موجهة للمصريين غرضها دفعهم للإنزلاق فى فوضى عارمة. ومحاولات إعلامية مستميتة ومدفوعة الأجر قطعا للتشكيك فى الموقف الاقتصادى المصرى. وفى نفس الوقت هناك منظمات بمسميات مختلفة - سياسية ومدنية داخل وخارج مصر - تحاول ابتزاز الدولة المصرية لخلق واقع مجتمعى وقانونى جديد.
(١)
خيوط متشابكة تطفو على الساحة المصرية فى ملف واحد هو ملف غير المصريين سواء مقيمين أو لاجئين. فى الآونة الأخيرة حدثت مشاهد عبر خلالها مصريون عن مخاوفهم المشروعة من وجود أعداد كبيرة من غير المصريين على أرض مصر. رغب هؤلاء المصريون فى نقل رسالة للدولة وقد وصلت رسالتهم بوضوح. التقطت كل الجهات المعادية لمصر الرسالة وقررت استغلالها بطرق واتجاهات مختلفة.
أول الاتجاهات التى جنحوا بمشاعر المصريين ناحيتها بقوة هى محاولة تحويلها لكتل غضب شعبوية عارمة موجهة للدولة من ناحية، ودافعة للمصريين لمحاولة ترجمتها على الأرض فى صورة فوضى وصراع شعبوى بين هؤلاء المصريين وبين غير المصريين من ناحية أخرى. محاولة نشر الفوضى فى مصر هو هدف دائم متجدد منذ إسقاط الجماعة، لا تهتم الجماعة ولا يعنيها كيف تكون الفوضى أو من أطرافها أو ما يمكن أن يترتب عليها من نتائج على الوطن أو مواطنيه. المهم هو الوصول للهدف على وهم أن تكون تلك الفوضى تربة خصبة لإسقاط الدولة، وعودة الجماعة على أطلال مصر وأجساد المصريين وغير المصريين. بدأ نشر سيل من الأخبار التى لم يعد أحد يعرف مدى صواب أو خطأ بعضها، كما لا يُعرف مصدرها الأصلى. انتبه بعض المصريين للفخ، بينما لم يستوعب البعض الآخر الهدف الحقيقى. أصبح الخيط الفاصل بين المشاعر المشروعة وبين الإنزلاق على حافة القطع.
(٢)
على جانب آخر رأت جهات معينة أن تنتهز الفرصة لمحاولة استغلال المشهد لتأكيد مخاوف المصريين وجعلها حقائق على الأرض وتقوية خيط من المؤامرة كان يتم نسجه فى هدوء.
لم يعرف المصريون سابقا مصطلح الأقلية، لأن النسيج المجتمعى المصرى متماسك تغلب عليه الشخصية الوطنية المصرية الواحدة الراسخة. لا يوجد فى مصر أقلية وأغلبية إنما يوجد مصريون بديانتين وثقافة وهوية واحدة. منذ عقود تتم محاولات غرس بذور غريبة عن التربة المصرية بغرس هذا المصطلح قسرا فى الجسد المصرى. فشلت تلك المحاولات فشلا ذريعا، لأن للمصريين ولاء واحدا هو ولاؤهم لمصر. فكان أحد البدائل الذى خلقته الظروف السياسية المحيطة هو خلق أقليات جديدة على أرض مصر بطريقة متدرجة ناعمة تبدأ بمصطلحات إنسانية، ثم تتدرج لتصبح كيانات لها مسوغات قانونية. من الأخبار الحقيقية المنشورة رسميا يمكن قراءة ملامح ما يحدث. الآن فى مصر هناك مقيمون أجانب، وهناك لاجئون رسميون. المقيمون – دون الحصول على حق اللجوء – منهم من قنن أوضاعه القانونية ومنهم من لم يفعل. وتقوم الدولة المصرية – كحق أى دولة فى ذلك - بإجراءاتها المشروعة فى التعامل بهدوء مع هؤلاء ولقد حققت بالفعل تقدما ملحوظا.
(٣)
الملف الأكثر جدلا هو ملف اللاجئين الذين حصلوا بالفعل على حق اللجوء. هؤلاء هم بيت القصيد. وهؤلاء هم الذين تقوم العشرات من المنظمات – سياسية ومدنية مصرية وغير مصرية – بمحاولة الضغط على مصر من خلالهم لتحقيق عدة أهداف. الأول هو خلق كيانات قانونية ككرة الثلج تبدأ ضعيفة صغيرة ثم تصبح فى يوم ما أقليات على أرض مصر. منصات وأسماء معروفة تحاول تقنين مصطلحات يترتب عليها أوضاع قانونية معينة. إرهاصات قوية بدأت بشكوى قدمتها إحدى الدول للمفوضية بشأن لاجئيها على أرض مصر. نعم هو مشهد عبثى ومستفز للمصريين. لأن المنطق يقول لو أن دولة معنية بشؤون مواطنيها اللاجئين بالخارج، فالأولى بتلك الدولة أن تعيد هؤلاء المواطنين إلى أرض الوطن، وتقوم بتغيير الظروف التى حولتهم من مواطنين يعيشون فى وطنهم إلى لاجئين على أرض دولة أخرى. ولا يمكن فصل هذا المشهد عما يحدث من سنوات خارج مصر من محاولات مجموعات غير مصرية السطو على إرث مصر التاريخى كمقدمة لإدعاءات بحق مشاركة المصريين فى حاضرهم.
منظمات ممولة من دول عربية وغربية قررت المشاركة فى الخطة بتوجيه تمويلاتها لتعزيز ما يسمى بدمج هؤلاء اللاجئين على أرض مصر عبر حصر أعدادهم وتوفير وظائف للأعمار من ١٨ وحتى الأربعين.
وفى لقاء تليفزيونى على شاشة إحدى القنوات العربية تحدث ممثل إحدى هذه المنظمات الممولة عربيا وذكر رقما محددا تستهدفه منظمته وهو عشرة آلاف من هؤلاء. والسؤال المنطقى لماذا لا توجه تلك الدولة الممولة لهذه المنظمة هذه الأموال لمساعدة هؤلاء فى وطنهم الأم إذا لم يكن الهدف هو خلق واقع ديموجرافى جديد فى مصر لأهداف لا تصب فى صالح مصر؟! أو لماذا لم تستقبل هذه الدولة أو غيرها على أرضها أعدادا مماثلة لما استقبلته مصر؟!
(٤)
هناك معلومات منشورة عن تعاون بين هيئات مصرية وبين المفوضية فى مجالات دعم فكرة دمج بعض فئات اللاجئين. هذه المعلومات تبعث برسائل سلبية للمصريين عن ملف اللاجئين برمته وتحوله من فكرة عارضة مؤقتة لمفردة مستدامة فى الواقع المصرى. فما اعتقده المصريون فى السنوات السابقة أنهم يقومون بدور إنسانى له ظروفه ودوافعه وحيثياته حيال فئات تتم استضافتها بشكل مؤقت. لم يكن فى تفكير المصريين أن يتحول العارض لدائم وأن تتم اقتطاع فرص عمل منهم لصالح غيرهم. كما أنهم يعتقدون أن اللجوء معناه حصول اللاجىء على معونات من جهات أممية لا أن أن يحصلوا على تلك الدخول ثم يزاحمون المصريين فى فرص العمل أو استهلاك الموارد. فضلا عما تخلقه تلك الافكار من تساؤلات مشروعة لدى المصريين مثل ما يتناقلونه فى مجالسهم الخاصة. هل قدمنا شهداءنا لكى يستفيد بتلك التضحيات غيرنا؟ ألم تحصل مصر على الأمان والاستقرار بأثمان باهظة ومن حقهم أن تكون الثمار حصرية لهم؟! فمثلا السيدة غير المصرية التى تجلس فى نهر الشارع كبائعة جائلة هى تأخذ مكان سيدة مصرية معيلة؟! وغير ذلك من المشاهد. لقد اختلط الأمر على بسطاء المصريين وأصبحوا يرون تناقضا واضحا بين خطاب التوعية الذى يستهدفهم فى ملف الإنجاب وبين السماح للتعداد السكانى بالتزايد الفجائى الكبير من غير المصريين. والتناقض بين خطاب توعية يحثهم على الترشيد فى حين يتم السماح لأعداد كبيرة من غيرهم بمشاركتهم الموارد.
(٥)
منذ أكثر من عامين اتخذت مصر خطوة قوية بسن قانون إنشاء اللجنة الوطنية الدائمة للاجئين. ما فهمه المصريون وقتها أن هناك فترة انتقالية سوف تنتقل خلالها كل مفردات هذا الملف من الهيئات الأممية للدولة الوطنية ممثلة فى تلك اللجنة. بما يعنى أن من يريد أن يتحدث أو حتى يشكو فعليه أن يطرق باب اللجنة الوطنية وبما يعنى أن تقوم هذه الهيئات الوطنية بلملمة أوراقها وتسليمها لمصر بالكامل. التساؤل الآن متى تنتهى هذه الفترة الإنتقالية وتنتقل الولاية القانونية كاملة للجنة الوطنية. من بين مواد هذا القانون هناك مادة تمنح مصر الحق فى توجيه اللاجئين لدولة لجوء ثانية إذا ما تعذر عودتهم لوطنهم الأصلى. كما يمنح القانون اللجنة الحق كاملا فى إلغاء صفة اللاجىء إذا ما ارتكب الحاصل عليه أى فعل يخالف القانون المصرى. حتى الآن لم يتم نشر رسمى أن اللجنة مارست هذا الحق القانونى الأصيل تجاه كثير من الافعال التى مارسها البعض وتم بثها على وسائل التواصل مثل الإساءة للدولة المصرية كقيادة أو شعب. وهنا فالحديث عمن هو حاصل بالفعل على صفة لاجىء واللجنة صاحبة الولاية والحق القانونى فى ذلك وليس الحديث عن مقيم غير شرعى. لقد منح هذا القانون حقوقا دستورية وقانونية كثيرة للجنة مثل عدم السماح لأى لاجىء بممارسة أو المشاركة فى أى عمل سياسى بأى شكل. فمن يقومون بنشر مواد ذات صبغة سياسية على صفحاتهم الشخصية ومستفزة للمصريين يقعون تحت طائلة هذه المواد من القانون الذى صدر بالفعل منذ اكثر من عامين وتم نشره رسميا. فمتى يرى المصريون تفعيل هذه المواد ونشر نتائج هذا التفعيل مجتمعيا؟
(٦)
حديث بعض الساسة الأوربيين عن دور مصر السياسى المحورى فى استقرار المنطقة هو حديث مستحق لمصر بفعل مواقفها السياسية فى السنوات الماضية. لكن مزج هذا الحديث بعبارات شكر لمصر لحماية دول أوروبا من ظاهرة الهجرة غير الشرعية واللجوء مرفوض ومثير للمشاعر المصرية الوطنية. فمصر لا تعمل كشرطى لحماية أحد. مصر تمارس سياستها بما يتفق مع مصالحها أولا ومع شخصيتها الراسخة. لم تقم مصر بالسماح لهؤلاء اللاجئين والمقيمين بدخول أرضها إلا من باب مساندة شعوب دول جارة وشقيقة ووفاء لانتمائها الإقليمى. هذا الإيحاء الذى يحاول بعض ساسة الغرب تمريره مرفوض شعبيا بين المصريين لأن دول ليست أولى – فى السياسة المصرية – بالحماية من مصر وشعبها.
(٧)
لم يكن قطعا منطقيا أن تختفى منصات الإخوان عن المشهد. ولقد عملت هذه المنصات – من خلال متابعتى لها فى عدة أيام – على محورين منفصلين، يبدوان للوهلة الأولى متناقضين. لكن فى الحقيقة هما يعملان لتحقيق نفس الهدف. المحور الأول كان حملات تسخين وتأليب مكثفة تستهدف دفع المصريين للبدء فى مشاهد الفوضى.
أما المحور الثانى الأخطر فهو الذى عمل على مهاجمة كل من عبر فى الأيام الماضية عن مشاعر ومخاوف المصريين. منصات تساند بقوة كل ما يرفضه المصريين من مصطلحات مثل دمج وتمكين اقتصادى. فلأول مرة منذ أربعة عشر عاما نرى ثناءً إخوانيا صريحا على قرارات بعض الهيئات المصرية شبه الرسمية فيما عبر المصريون عن رفضه.
بدت منصات الإخوان وكأنها تحاول القيام ببيع سلاح الكلمة والتهييج لطرفى النقيض للوصول بهما معا للحظة التصادم التى يمكن أن تحقق للجماعة هدفها بنشر الفوضى، والتى تعتقد الجماعة أنها لو حدثت فسوف يكون فى صفها بعض المجموعات التى دخلت مصر فى السنوات الأخيرة.
كما لم يكن غريبا أن يقفز للمشهد بعض أصحاب الأصوات الإعلامية المعروفة بعملها على بث التشكيك بين المصريين فى الدولة المصرية. نعق أحدهم بباطل عجز مصر الاقتصادى عن الوفاء بالتزاماتها الدولية فجاءه الرد سريعا بحزمة من الاستثمارات الدولية الكبرى وبعض التقارير الرسمية الصادرة عن هيئات اقتصادية دولية تثبت استقرار الاقتصاد المصرى.
(٨)
كيف تواجه مصر – شعبا ومؤسسات – خيوط هذه المؤامرة المتسابكة؟
أبدأ بدور الشعب المصرى وأهمس فى أذن كل مصرى محب لهذا الوطن أن يتحلى بالفطنة وألا ينساق لدعاوى نشر الفوضى. فمن يدعوهم لذلك قطعا لا يرجو الخير لهم أو لمصر. لقد وصلت رسالة الشعب المصرى لقيادته الوطنية المخلصة الشريفة وعلينا أن نترك لها كامل الوقت للعمل فى هدوء واتخاذ ما تراه صائبا حسبما تحيط به علما مما لا نعرف.
لكن هناك دور على الإدارات الحكومية التنفيذية القيام به. فمصر دولة قانون ولقد أعلت القيادة المصرية من قيم القانون. ما الذى يمنع أن تقوم تلك الجهات بعملها بما يتفق والقانون المصرى؟ عليهم ضبط الشارع المصرى طبقا لهذا القانون. من يمارس نشاطا تجاريا كبر أو صغر عليه أن يكون مستوفيا كل الأوراق والإجراءات القانونية. أين منظومة التفتيش على العمالة فى كل أرجاء مصر؟ أين القائمون على الاشتراطات الصحية وإجراءات الأمن الصناعى والسجلات التجارية والمنظومة الضريبية وتراخيص ممارسة الأنشطة؟ أين الرقابة على كيانات تمارس عمليات تعليمية خارج القانون؟ دور المواطنين الآن يقتصر على معاونة هذه الإدارات الحكومية بالمعلومات. وعلينا أن نترك لمؤسسات الدولة القيام بمهامها القانونية.
همسة أخيرة فى أذن القائمين على إدارات كل الهئيات المصرية..أن يدركوا حساسية اللحظة ويعرفوا كيف يختارون مصطلحاتهم حين يتحدثون عن هذا الملف لأن المصريين الآن اصبحت لديهم حساسية وطنية مشروعة تجاه كل ما يسمعون. لقد أدخلناهم بلادنا كموقف عارض ونرفض تحويله لمفردة مستدامة فى الجسد المصرى. كل تضحيات أسر الشهداء كانت من أجل هذا الوطن وهذا الشعب.












0 تعليق