في حوار يكشف تعقيدات سؤال الهوية في العالم العربي، يفتح الباحث د. هاني نسيره، أستاذ الفلسفة الإسلامية، صفحات كتابه "ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي"، ليقدم قراءة تحليلية تتجاوز التعريفات التقليدية الجامدة للهوية.
الهوية: عملية ديناميكية وليست ثابتة
في معرض حديثه عن مفهوم الهوية، يذهب نسيره إلى أبعد من التعريفات التقليدية، حيث يعتبر الهوية عملية متغيرة تتأثر بتحولات الواقع العربي والاجتماعي، وكذلك بالتفاعلات مع الآخر. ويشير إلى أن الهوية ليست شيئًا ثابتًا أو جامدًا، بل هي نتيجة ديناميكية لتراكمات ثقافية وتاريخية واجتماعية تتشكل في أوقات معينة من خلال الوعي الذاتي للمجتمعات والأفراد.
التحديات الطائفية والدينية
وعن أخطر الألغام التي تهدد الهوية في السياق العربي اليوم، يقول نسيره بأن الهويات الدينية والهويات العرقية القومية تعتبر من أخطر أنواع الهوية في العالم العربي.
ويُعلل ذلك بأن هذه الهوية، إذا تعرضت للتهديد أو التشويه، قد تكون دافعًا لانفجار عنيف في المجتمع، مشيرًا إلى أن الإهانة لهذه الهويات يمكن أن تؤدي إلى ردود فعل شديدة مثل القتل، الانتصار، الاستشهاد، أو حتى الانتحار.
ويضيف: عندما يتم استهداف الهويات الدينية أو العرقية أو إهانتها، فإن ردود الأفعال قد تكون قاسية للغاية، فقد يتحول الصراع إلى عنف حاد ضد الآخرين، سواء كانوا في الدين أو العرق أو حتى ضد الدولة نفسها."
التهميش والإقصاء: ألغام غير مرئية
ويؤكد نسيره أن جميع أنواع الهويات، سواء كانت هويات فرعية أو صغرى، تشكل خطرًا حقيقيًا حينما يتم تجاهلها أو إقصاؤها من قِبل القوى المسيطرة.
ويُعتبر العنف ضد الهويات المنقوصة أحد المظاهر الخطيرة التي تنتج عن هذا التهميش، إذ يسعى أصحاب هذه الهويات إلى تحقيق الوجود والاعتراف الاجتماعي، حتى لو تطلب الأمر استخدام العنف، سواء ضد الآخرين أو ضد الدولة أو حتى من خلال دعوات للانفصال.
ويقول: "كلما تم إقصاء الهوية، سواء كانت دينية أو عرقية أو ثقافية، وأُدينت من المجتمع أو الدولة، فإن ذلك يُسهم في تقويتها داخل المجتمع، ما يؤدي إلى تصاعد النزاعات والانقسامات.
فعندما يُعزَل أي نوع من الهوية عن مجال الاعتراف الاجتماعي، يصبح ذلك بمثابة لغمًا يمكن أن ينفجر في أي لحظة."
الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي: تأثيرات جديدة على الهوية
ويشير نسيره إلى أن هذه الثورة قد أحدثت تحولًا غير مسبوق في الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع هوياتهم، خاصة مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي التي تعزز من الهوية الرقمية للأفراد.
لكنه يرى أن هذه التطورات ليست خالية من المخاطر، إذ أن هناك قوى سياسية واجتماعية تحاول استخدام هذه التقنيات في خدمة أجنداتها، ما يعمق الانقسامات ويزيد من صعوبة التفاهم المشترك بين الثقافات المختلفة.
ويقول في هذا السياق: "التقنيات الحديثة قد تساهم في تعزيز الهويات الفردية، لكنها قد تخلق أيضًا انفصالًا بين الناس، حيث يصبح التفاعل الاجتماعي محكومًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تحاكي الهويات الرقمية وتغذيها، مما قد يعمق الفجوة بين الناس ويسهم في خلق هويات افتراضية غير متصلة بالواقع الاجتماعي والثقافي."
رؤى عملية: الاعتراف والتعددية كأساس للحلول
وفي ختام الحوار، طرح نسيره رؤيته العملية للتعامل مع هذه الألغام الثقافية، مؤكدًا أن الحل يكمن في الاعتراف بالتعددية والقبول بالآخر.
يرى أن تعزيز ثقافة الاعتراف بالتنوع والاختلاف يجب أن يكون الأساس في بناء الوعي الجمعي في العالم العربي. بالإضافة إلى ضرورة تحسين التعليم وتعميق الفهم بين الشعوب المختلفة، بما يساعد على إرساء أسس السلام الاجتماعي والقبول المتبادل.
ويختتم قائلًا: "يجب أن نُعزّز في المجتمعات العربية ثقافة التعددية، وأن ندرك أن الهوية لا يجب أن تكون مصدرًا للصراع، بل يجب أن تصبح أداة للتفاعل المثمر بين الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية."















0 تعليق