الأربعاء 22/أبريل/2026 - 12:50 م 4/22/2026 12:50:04 PM
في اليوم الخامس عشر والأخير لهدنة الحرب على إيران، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تمديد وقف إطلاق النار إلى حين تقديم إيران مقترحها واستكمال المناقشات، سواء انتهت بالتوصل إلى اتفاق أو بغير ذلك، بعد أن ألغى نائب الرئيس، جيه دي فانس، سفره إلى باكستان إلى أجل غير مسمى، في حين اشترطت إيران للتفاوض، وقف سياسة الضغط والتهديد التي تتبعها واشنطن.. وقد وجّه ترامب القوات المسلحة الأمريكية، بالاستمرار في فرض الحصار والبقاء في حالة جاهزية كاملة، مشيرًا إلى أن القرار يأتي في ضوء ما سماه الانقسام الحاد داخل إيران، وبناء على طلب من الوسيط الباكستاني، بالدعوة إلى تأجيل أي هجوم على إيران.
في المقابل، قال مستشار رئيس البرلمان الإيراني، إن تمديد ترامب وقف إطلاق النار (لا يحمل أي معنى)، مؤكدًا أن ما سماه الطرف الخاسر لا يمكنه فرض شروط.. أن استمرار الحصار يعادل القصف ويستوجب الرد عسكريًا، مشددًا على أن الوقت الراهن يتطلب من إيران أخذ زمام المبادرة.. وكانت وكالة (تسنيم) قد نقلت عن مصادر، أن إيران جاهزة تمامًا لاحتمال استئناف الحرب، ولديها أوراق جديدة للجولة المقبلة من المعركة، مشيرة إلى أن طهران توقعت، في الأسبوعين الماضيين، احتمال استئناف الحرب، ونقلت تجهيزات عسكرية وحددت أهدافًا جديدة.. وهو ما أشارت إليه صحيفة (فايننشال تايمز) بقولها، إنه من المرجح حاليًا أن تتصاعد الحرب، بدلًا من أن يتم حلها عن طريق التفاوض.
يقول جدعون راشمان، في مقاله بالصحيفة، إن ضباب الحرب فكرة مألوفة.. أما الولايات المتحدة وإيران فتقدمان للعالم الآن مفهومًا جديدًا.. (ضباب السلام).. تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في النزاع بين أمريكا وإسرائيل وإيران.. لكن لا يزال الكثير غامضًا.. بدأ هذا الأسبوع بتصريحات أمريكية، تُشير إلى قرب بدء جولة جديدة من محادثات السلام، في حين نفى الإيرانيون ذلك.. فهل سيستمر وقف إطلاق النار الحالي لما بعد اليوم، الأربعاء؟.. وهل عرضت إيران وقف جميع عمليات تخصيب اليورانيوم؟.. وهل سيبقى مضيق هرمز مُغلقًا أم سيُعاد فتحه؟.. الأمر كله يعتمد على من تسأله ومتى تسأله.. ففي يوم الجمعة الموافق السابع عشر من أبريل، أعلن الرئيس دونالد ترامب منتصرًا، أن (إيران وافقت على عدم إغلاق مضيق هرمز مجددًا).. وفي اليوم التالي، أعلنت إيران إغلاق المضيق.
في ظلّ ضباب السلام، يقدم راشمان أفضل توقعاته ـ كما يقول ـ لما يُرجّح حدوثه لاحقًا.. يبدأها بالخبر السار، هو أن كلًا من إيران والولايات المتحدة ترغبان في اتفاق سلام.. يدرك الإيرانيون مدى ضعفهم أمام المزيد من القصف الجوي. ويدرك الأمريكيون الخطر الذي يهدد الاقتصاد العالمي جراء استمرار إغلاق المضيق.. أما الخبر السيئ، هو أن الجانبين لا يثقان ببعضهما البعض، ولا يزالان متباعدين تمامًا في جميع القضايا الحاسمة.. وتشمل هذه القضايا، تخصيب اليورانيوم، وحرية الملاحة، وتخفيف العقوبات، ومستقبل لبنان وإسرائيل، وبرنامج إيران الصاروخي، ودعمها لوكلاء إقليميين مثل حزب الله.
في الظروف العادية، قد يستغرق حل كل هذه القضايا شهورًا، بل سنوات.. أما الاتفاق النووي الإيراني (المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي وُقِّع عام 2015، ثم نقضه ترامب عام 2018، فقد استغرق نحو ثلاث سنوات لإبرامه.. مع ذلك، لا يمكن للاقتصاد العالمي الانتظار شهورًا حتى تُثمر المفاوضات.. سيستمر إغلاق مضيق هرمز في رفع أسعار الطاقة.. وقد يظهر نقص وقود الطائرات جليًا خلال أسابيع.. ويشعر المزارعون حول العالم بالذهول إزاء ارتفاع أسعار الأسمدة، وهو ما سينعكس قريبًا على أسعار المواد الغذائية.. كما أن الحصار الأمريكي لإيران سيزيد من الضغط الاقتصادي المباشر على الجمهورية الإسلامية.
وتتمثل الأسئلة الرئيسية الآن في: هل سيجبر الضغط الاقتصادي المتزايد الجانبين على التوصل إلى اتفاق بسرعة دبلوماسية فائقة؟.. أم أن صعوبة تضييق الفجوة بين الموقفين الإيراني والأمريكي ستؤدي إلى انهيار المحادثات وتصعيد الصراع؟.. كلا الاحتمالين وارد، لكنه يُرجّح التصعيد.. وإذا صحّ ذلك، فإن الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي لم يشهدا بعد أسوأ ما في هذه الأزمة.
من المرجح حدوث تصعيد، لأن كلًا من الولايات المتحدة وإيران تبدوان وكأنهما تعتقدان أن كلًا منهما قادر على إجبار الطرف الآخر على الاستسلام أولًا.. عاد نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، إلى بلاده في الثاني عشر من أبريل، من محادثات فاشلة مع الإيرانيين في باكستان بمعنويات عالية، مصرحًا لمقربيه، بأن الحصار الأمريكي سيُجبر الإيرانيين على الأرجح على الاستسلام في غضون أيام قليلة.. لكن طوال هذا الصراع، دأبت إدارة ترامب على المبالغة في تقدير قدرة أمريكا على إخضاع إيران لإرادتها، والاستهانة بصمود النظام الإيراني.. وهذا النمط يُهدد الآن بالتكرار.
ربما تكون الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل جولة جديدة من القتال، باحتجازها سفينة إيرانية.. وإذا ما صعَّدت الولايات المتحدة الموقف، مثلًا بتنفيذ تهديد الرئيس ترامب (بتدمير كل محطة توليد كهرباء وكل جسر في إيران)، فمن المرجح أن ترد إيران بقوة بدلًا من الاستسلام.. وقد يشمل الرد الإيراني استهداف مصافي النفط والمنصات البحرية في الخليج، أو تشجيع الحوثيين في اليمن على تنفيذ تهديدهم باستهداف الملاحة في البحر الأحمر.. وأيٌّ من هذه الخطوات من شأنه أن يُفاقم أزمة الطاقة العالمية بشكلٍ كبير.. وحتى في ظل الوضع الراهن، يُدرك الإيرانيون أن الحصار الحالي للمضيق سيُؤثر بشكلٍ متزايد على الاقتصاد العالمي.
من المرجح أن تشهد الأسابيع، وربما الأشهر القادمة، فترات من التصعيد، تتخللها فترات من المفاوضات ـ حيث تسير العمليتان أحيانًا جنبًا إلى جنب ـ في ظل اختبار إيران والولايات المتحدة لإرادة كل منهما.. وستكون بعض القضايا أسهل حلًا من غيرها.. من المحتمل أن إيران لا تخصب اليورانيوم حاليًا، لذا قد توافق على وقف غير محدد المدة مقابل اعتراف الولايات المتحدة بحقها القانوني في التخصيب.. قد يُشكّل إصرار طهران على فرض نوع من نظام الرسوم على مضيق هرمز، أعقد مشكلة على الإطلاق.. ولكن حتى هنا، تعمل عقول دبلوماسية مبدعة.. ماذا لو تم تقسيم العائدات بين إيران وعُمان (أو حتى الولايات المتحدة، كما اقترح ترامب)، ثم تقديمها كصندوق مؤقت لإعادة الإعمار بعد الحرب؟
هناك عوامل أخرى (مجهولة معروفة) قد تُعقّد الأمور.. ما حجم الضغط الاقتصادي الذي تتعرض له إيران؟.. وما مدى انقسام النظام؟.. تشير الدلائل إلى أن المتشددين يكتسبون نفوذًا في طهران.. أما على الجانب الأمريكي، فليس من الواضح ما إذا كان ترامب، رغم تبجحه، يُدرك حقًا محدودية خياراته العسكرية.. كما أن دور إسرائيل غير قابل للتنبؤ.. فهل يُمكن لحكومة نتنياهو أن تُثير أزمة أخرى إذا لم يُعجبها سير المفاوضات؟.. لقد اختُتمت الأسواق المالية الأسبوع الماضي بارتفاع ملحوظ، ويبدو أنها مقتنعة بأن أسوأ ما في الأزمة قد انتهى.. لكن هذا الافتراض يبدو متفائلًا أكثر من اللازم.
●●●
ويتزايد طرح الأسئلة القلقة بصدد مستقبل منطقة الشرق الأوسط، في ظل تحولات متسارعة وخطيرة، بعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ـ الأمريكية المشتركة ضد إيران، وقيام هذه الأخيرة بقصف عدد من المواقع الإسرائيلية، واستهدافها أيضًا لأراضي عدد من دول المنطقة، خصوصًا سؤال: إلى أين تتّجه الحرب على إيران؟، وحول ما إذا كانت هذه المواجهة ستطول، أم سيتم احتواؤها بمبادرات ودية، تقودها أطراف دولية وإقليمية، وحول ما إذا كان الأمر سيقتصر على عمليات استنزاف عسكرية، تروم تحقيق أهداف ردعية محدودة من كلا الجانبين، أم أن الأمر ـ مع تطور الأوضاع وإصرار الجانبين على مواقفهما ـ سيتحوّل إلى مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات الصعبة، بما في ذلك طول أمد الحرب وتوسع دائرة العمليات لتشمل مناطق أخرى.
تهدف الولايات المتحدة من خلال هذه الحرب ـ بمشاركة إسرائيل ـ إلى تحقيق جملة من الأهداف، كما يرى د. إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية، ومدير مركز الدراسات الدولية والدستورية وتحليل الأزمات والسياسات بالمغرب، أهمها خلخلة بنية النظام، وخلق ظروف داخلية مواتية تمهد لإطاحة به.. ذلك إذا فشلت الحملة العسكرية الأمريكية ـ الإسرائيلية في دفعه إلى الاستسلام، والموافقة على الشروط الأمريكية ـ الإسرائيلية المتصلة بالبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ البالستية والحلفاء الإقليميين.
ويبدو أن هناك تطابقًا في الأهداف المتوخاة من الحرب ـ وإلى حد كبير ـ بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، سواء تعلق الأمر بالقضاء على المشروع النووي الإيراني، وإسقاط النظام، والحَدّ من الإمكانيات العسكرية الصاروخية، واستشراف المستقبل؛ وخوصًا على مستوى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.. فسعي واشنطن لتغيير هذا الواقع من خلال القوة هو أمر حتمي؛ كي تصبح إيران الجديدة ـ من وجهة نظر أمريكية ـ صديقًا لواشنطن، أو على أقل تقدير دولة قادرة على التعايش مع واشنطن، ولا تشكل تهديدًا للمصالح والأولويات الأمريكية في المنطقة وخارجها.. وفي الوقت الذي تعتبر فيه إيران، أن الضربات التي استهدفتها تمثل تدخلًا سافرًا في سيادتها واعتداءً على أمنها، تعتبر كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أن عملياتهما في هذا الخصوص بمثابة ضربة استباقية، للحيلولة دون اقتحام إيران للنادي النووي عن طريق التحايل، لا سيّما في ضوء تأكيد الرئيس ترامب، أن طهران كانت على وشك الإعلان عن امتلاك السلاح النووي، مما يهدد أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة.
وأخذًا بعين الاعتبار للمعطيات الميدانية الراهنة، يبدو أن الوضع مُرشح للتطور أكثر.. ذلك أن هاجس الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل انتقل من مستوى الردع، عبر البحث عن ضمانات كفيلة بالحَدّ من الطموحات النووية الإيرانية، ومن خطر الاستمرار في تطوير صواريخها الباليستية، إلى السعي نحو تغيير النظام السياسي القائم.. وعلى الجانب الآخر، يجد النظام الإيراني نفسه في وضع صعب، خصوصًا وأن الملف النووي صار بالنسبة إليه مسألة وجود، باعتباره سبيلًا لامتلاك قوة الردع في مواجهة مختلف الضغوطات التي يتعرض لها، فيما شكل اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري عاملًا حاسمًا آخر لإذكاء هذه المواجهة.
في سياق هذا التصعيد، وأمام قوة الضربات العسكرية، ورغبة في الضغط على الولايات المتحدة لإيقاف الحرب، عملت إيران على توسيع دائرة المواجهة باستهدافها لعدد من دول المنطقة، كالكويت والإمارات والبحرين وعُمان وقطر والسعودية والعراق والأردن، متذرّعة في ذلك باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية التي اعتبرتها أهدافًا مشروعة، علاوة على تحريك أذرعها المتمركزة في كل من لبنان والعراق واليمن، كما قامت بإغلاق مضيق هرمز؛ مما أسهم في شلّ إمدادات النفط والغاز في المنطقة، وأثَّر بشكل ملحوظ في نشاط الموانئ، وفي التجارة العالمية وأسواق الطاقة بشكل عام.
حقيقة أن إيران تعرضت لتدخل عسكري إسرائيلي وأمريكي مشترك، وهو ما يمكن اعتباره من وجهة نظر القانون الدولي عملًا عدائيًّا، لكن سلوكها المُتهوّر تجاه جيرانها، جعلها تسقط في مأزق قانوني وأخلاقي عمَّق عزلتها.. فرغم وجود خلافات جوهرية بين إيران وعدد من بلدان الخليج العربي، ظلت هذه الأخيرة وعلى امتداد عدة سنوات ترفض أي تدخل عسكري يستهدفها، بل وقادت من أجل ذلك مجموعة من المبادرات الرامية إلى حل دبلوماسي يمنع حدوث أي تصعيد عسكري.. غير أن إقدام إيران على استهداف جيرانها الذين سبق لهم وعبروا عن حيادهم إزاء هذه المواجهة، وعلاوة عن كونه يجسد انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي، المتصلة بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، أو منع استخدام القوة أو مجرد التهديد بها في العلاقات الدولية.. فهو سلوك يتناقض مع متطلبات حسن الجوار، وينحو إلى إقحام هذه الدول في صراعات إقليمية.. كما أن قصف إيران لعدد من البنى التحتية للطاقة والسفن التجارية في المنطقة، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز، هو عمل يهدد أمن الملاحة البحرية، ويُسهم في تهديد الأمن الطاقي في عدد من دول العالم.. وجدير بالذكر هنا، أن الممارسات الإيرانية في المنطقة، وعلى امتداد عقود عدة، تؤكد أنها ـ إيران ـ توظف نفوذها في عدد من الدول العربية، كأوراق لتحقيق أهداف استراتيجية، كما هو الأمر بالنسبة إلى ملفها النووي.
وقد أجمعت الكثير من المواقف الإقليمية والدولية على وقف هذه الحرب، ودعت إلى توخّي الحوار والتفاوض لحل الخلافات المطروحة، بالنظر إلى الآثار المدمرة لهذه المواجهة التي ستتجاوز تبعاتها منطقة الشرق الأوسط، إلى المس بالسلم والأمن الدوليين.. وفي هذه الأجواء، ورَدَّا على استهداف دول الخليج من قِبَل إيران، تم التأكيد خلال الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس التعاون الخليجي على رفض وإدانة الاعتداءات المنتهكة لسيادة الدول، مع التنويه إلى حقها في الرد القانوني في سياق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس وفقًا للمدة واحد وخمسين من ميثاق الأمم المتحدة.
●●●
منذ اندلاع هذه المواجهة، تبين بشكل لا جدال فيه، أن تأثيراتها ستتجاوز الداخل الإيراني، إلى انعكاسات إقليمية ودولية.. فعلى المستوى الأمني والاقتصادي، تسبب إغلاق المطارات أمام الملاحة الجوية ارتباكًا كبيرًا فيما يتعلق بإجلاء العالقين، وخسائر مالية فادحة نتيجة إلغاء عدد كبير من الرحلات الجوية الداخلية والدولية. كما أن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، الذي تعبره حوالي 25% من شحنات النفط عالميًّا، تسبب في خسائر كبيرة فيما يتعلق بتصدير النفط والغاز، وهو ما سيتسبب في ارتباك البورصات العالمية، وارتفاع تكاليف الطاقة.. وعلى الرغم من أن الصراع بين إيران وإسرائيل ليس جديدًا، إلّا أن المرحلة الحالية تتسم بتعقيـدات جديدة أكبر، حيـث تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، بطريقة تجعل من الصعب على أي طرف التراجع دون خسائر كبيرة.
تُمثل هذه الحرب ضربة موجعة أخرى للنظام الإقليمي العربي، بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، خصوصًا وأن العمليات العسكرية طالت عددًا من دول المنطقة.. كما أن الدول العربية القريبة من إيران، كالعراق والكويت والإمارات، ستكون عرضة لتدفقات بشرية هائلة، مع استمرار الضربات العسكرية وعدم التوصل إلى حل، وهو ما سيطرح الكثير من الإشكالات السياسية والاجتماعية والأمنية.. ولا شك، أن إغلاق الممرات البحرية في المنطقة، كما هو الشأن بالنسبة لمضيق هرمز، سوف يُشكل حدثًا خطيرًا، بالنظر إلى انعكاساته على حرية الملاحة البحرية، وإرباكه للتجارة الدولية، وخصوصًا على مستوى ارتفاع أسعار الطاقة؛ مما سيرهق اقتصاديات الدول العربية، التي تعتمد على استيراد هذه المواد الحيوية من الخارج.
وتأتي بلدان الخليج العربي على رأس قائمة الدول الأكثر تضررًا من هذه الحرب، بحكم قربها من إيران.. فبعد أن ظلت تتميز باستقرارها وأمنها، الذي أسهم بشكل كبير في جذب الاستثمارات الدولية في عدد من القطاعات الحيوية، أضحت هذه البلدان أمام واقع صعب، تفرضه ضغوطات هذه المواجهة التي يمكن أن تتسع دائرتها في أية لحظة، مما ستكون له تبعات وخيمة، ستنعكس بالسلب على عدد من القطاعات المهمة، كالسياحة والعقارات والتجارة، وخصوصًا بعد تعرضها لعمليات عسكرية لحقت عددًا من البنى التحتية المدنية، من مطارات وفنادق ومنشآت نفطية، وكذلك المنشآت العسكرية، كالقواعد العسكرية الأمريكية متمركزة في المنطقة)، وهو ما يُكرِّس مزيدًا من عدم الثقة، الذي يمكن أن ينعكس بالسلب على مستقبل الوساطات والمساعي الحميدة التي كانت تقودها هذه الدول، في سبيل التوصل إلى حل بشأن الملف النووي الإيراني.
لقد أدانت دول الخليج العربي مجتمعةً هذه العمليات العسكرية التي استهدفت سيادتها، وطالبت بوقفها، كما تصدت لها من خلال تحريك منظوماتها الدفاعية.. وفي الوقت الذي اعتبرت فيه قطر أن الهجمات الإيرانية التي طالت ترابها تشكل (خيانة كبيرة)، أكدت المملكة العربية السعودية أن تفضيلها لتسوية دبلوماسية للنزاع الإيراني ـ الأمريكي، لا يعني التخلي عن الرد بالمثل، في حال استمرار العمليات الإيرانية التي تستهدف أراضيها.. وفي السياق نفسه، أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة على التمسك بحق الدفاع الشرعي لحماية حدودها، في مواجهة هذه الاعتداءات التي خلفت خسائر مادية وبشرية في صفوف المدنيين، حيث تصدت أنظمتها الدفاعية لعدد من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، مؤكدة أنها لن تَنْجَرَّ إلى صراعات تُعمق أزمة الوضع الإقليمي.. وفي مواجهة سيل الأخبار التي تحدثت عن قيام دولة الإمارات بقصف أهداف حيوية داخل إيران (منشآت لتحلية المياه)، أو مشاركتها في دعم هذه العمليات العسكرية، أصدرت دولة الإمارات بيانات، تنفي من خلالها بشكل قطعي هذه المزاعم التي تنحو إلى خلط الأوراق، بما في ذلك السماح باستخدام مجالها الجوي، أو أراضيها أو مياهها الإقليمية، لتنفيذ أي هجوم عسكري ضد إيران.
يبدو أن حسابات إيران لم تكن موفقة باستهدافها العسكري لعدد من الدول العربية، وخصوصًا الخليجية منها، كسبيل للدفع باتجاه وقف العمليات العسكرية المكثفة التي تستهدفها، ذلك أن البلدان الخليجية التي حرصت على إرساء علاقة ودية مع طهران، باتت مقتنعة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بأن إيران هي طرف إقليمي يهدّد أمنها، وهو ما سيدفعها إلى تعزيز تعاونها أكثر مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ مما سيعمق من عزلة إيران أكثر.. وأمام كل هذه المتغيرات المتسارعة، تجد بلدان المنطقة نفسها أمام محك حقيقي، يتأرجح بين الاستمرار في توخي ضبط النفس، أو الانجرار على مضض نحو الردّ، وخصوصًا إذا ما استمرت التحرشات الإيرانية بسيادتها.. لذلك، كان لنا أن نتساءل: ما هي احتمالات المستقبل؟.
عناك ثلاث سيناريوهات تلوح في الأفق.. فاستحضارًا لغياب أي دعم عسكري رسمي لإيران من لدن قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، وتَعَرُّض البلاد لضربات عسكرية قاسية، وإصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف عدد من النُخب السياسية، مع إمكانية بروز نخب سياسية معتدلة، أو حتى انهيار النظام القائم تحت هذه الضغوطات الخارجية والاحتجاجات الداخلية، يمكن للحرب أن تتوقف تحت هذه الظروف.. وهناك سيناريو آخر، يرتبط بإمكانية وقف الحرب عبر مساعٍ حميدة تقودها بعض القوى الدولية كالصين، بناء على توافقات قد تكتفي فيها الولايات المتحدة، بالحصول على ضمانات فيما يتعلق بوقف التخصيب بشكل كامل، وتفكيك البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، مع التخلي عن مطلب إسقاط النظام، وهو السيناريو الذي تُعزّزه الضغوطات التي يمارسها عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي بغرفتيه على ترامب، وذلك تحت ضغط الخسائر المادية والبشرية المتتالية، وكذا التخوف من إمكانية دخول إيران في انقسام وفوضى عارمتين، بما يفرز بؤرة توتر أخرى جاذبة للجماعات المسلحة، وكذا التخوف من إقدام إيران على خطوة التسريع بإنتاج سلاح نووي، في حال الشعور باقتراب سقوط نظامها السياسي.
أمّا السيناريو الثالث، فيُحيلنا إلى استمرار المواجهة في إطار حرب استنزاف طويلة الأمد، بالنظر إلى تجربة إيران الماضية خلال حربها مع العراق، وتوقعها منذ فترة طويلة لضربات أمريكية قد تستهدفها.. ويبدو هذا الاحتمال واردًا، إذا ما تمكنت إيران من تحويل الحرب الجارية إلى (مقاومة وطنية)، وهو ما قد يدفع كل الأطراف المعنية إلى توظيف مختلف الأوراق الضاغطة، بما سينعكس بالسلب على أوضاع المنطقة، بل ويتيح انضمام قوًى دولية أخرى للمعركة، في سياق التنافس على المصالح والتسابق على موازين القوى.
إلا أنه، وفي تطور لاحق على اندلاع هذه الحرب، ومع تزايد كلفتها العسكرية والاقتصادية، برزت محاولات لإعادة تفعيل القناة الدبلوماسية، عبر وساطة قادتها باكستان ـ في العلن ـ ومصر وتركيا ـ في الخفاء ـ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في خطوة تعكس سعي هذه الأطراف، وخصوصًا باكستان، إلى الاضطلاع بدور إقليمي أكثر حضورًا في إدارة الأزمات، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة نسبيًّا مع الطرفين.. كما يعكس هذا التحرك إدراكًا متزايدًا لدى بعض القوى الإقليمية بخطورة انزلاق المواجهة نحو حرب مفتوحة ذات تداعيات عابرة للأقاليم، تمتد إلى جنوب آسيا وأسواق الطاقة العالمي.
غير أن الجولة الأولى من هذه المفاوضات لم تُفضِ إلى اختراق نوعي، إذ اصطدمت بتباينات بنيوية تتعلق بطبيعة القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، وترتيب خطوات رفع العقوبات، فضلًا عن مسألة الضمانات المرتبطة باستمرارية أي اتفاق محتمل. كما أن استمرار العمليات العسكرية، وعمق فجوة انعدام الثقة بين الطرفين، أسهم في إضعاف فرص تحقيق تقدم ملموس، مما أدى إلى تعثر هذا المسار في مرحلته الأولى.
ومع ذلك، فإن هذا التعثر لا يمكن قراءته باعتباره فشلًا نهائيًّا، بقدر ما يعكس الطبيعة التراكمية والمعقدة لهذا النوع من المسارات التفاوضية، حيث غالبًا ما تُستنفد الجولات الأولى في تحديد الأطر العامة وترتيب الأولويات، أكثر من تحقيقها اختراقات جوهرية.. وفي هذا السياق، تظل احتمالات استئناف المفاوضات قائمة، سواء بصيغ غير مباشرة، أو عبر توسيع دائرة الوسطاء لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية أخرى، مع اعتماد مقاربات تدريجية قائمة على مبدأ (خطوة مقابل خطوة).
أمّا على مستوى المآلات المستقبلية بعد هذه الجولة، فيمكن تصور ثلاث اتجاهات رئيسية: أولها، استمرار المسار التفاوضي مع إدخال تعديلات على آلياته وأجندته، بما يسمح بتقليص فجوة الخلافات وبناء حَدٍّ أدنى من الثقة بين الطرفين.. وثانيها، الدخول في حالة من الجمود التفاوضي المصحوب بتصعيد ميداني محدود، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه التفاوضية عبر الضغط العسكري أو الاقتصادي.. أمّا الاتجاه الثالث، والأقل ترجيحًا في المدى القريب، فيتمثل في انهيار المسار التفاوضي بشكل كامل، خصوصًا في حال حدوث تصعيد عسكري نوعي، أو توسع دائرة المواجهة بشكل يصعب احتواؤه دبلوماسيًّا.. ويعتقد البعض أن الطبيعة البنيوية لسياسة واشنطن تجاه إيران، تشير إلى أنها لا تتحرك بموجب اعتبارات ظرفية، بل وفق ضرورات استراتيجية يحددها إطار جيوسياسي مستقر.. فعلى الصعيد الإقليمي، تظل إيران فاعلًا محوريًّا في معادلة التوازنات الشرق أوسطية، فيما تمثل على المستوى الأوسع ركيزة أساسية في النظام (الأوراسي)، وهو ما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة تجاهلها أو الانكفاء عن التفاعل معها.
●●●
■■ وبعد..
فإن استمرار الحرب، يُعمّق منسوب المخاوف لدى دول الخليج، خصوصًا فيما يتعلق بتعطيل إمدادات الطاقة العالمية، والتأثير على مؤشرات النمو الاقتصادي، فضلًا عن احتمالات الفراغ الأمني الذي قد ينجم عن إضعاف الدولة الإيرانية أو انهيارها.. وعمومًا، فإن تفاعل الواقع الميداني مع الدينامية الدبلوماسية، بما في ذلك الوساطات الإقليمية المُستجَدة، يظل المحدد الرئيسي لمآلات هذه الأزمة، سواء في اتجاه إنتاج تسوية سياسية مرحلية، أو الانزلاق نحو صراع ممتد متعدد المستويات والتداعيات.
التوتر العسكري الخطير الذي وصلت إليه الأمور في المنطقة، يُثير بشكل جدِّي، التساؤلات بشأن نجاعة المؤسسات الدولية والإقليمية ذات الصلة، بإدارة الأزمات وتسوية النزاعات، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة التي لم تتحرك بَعْدُ بالجدية والفعالية المطلوبين.. ومن زاوية أخرى، تشكل هذه المواجهة محطة مفصلية، ستكون لها تبعات وتأثيرات على النظام الإقليمي العربي بشكل عام، وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وهو ما يفرض على الدول العربية إعادة حساباتها باتجاه تجاوز الخلافات، في أفق المساهمة في إرساء نظام إقليمي يخدم مصالحها ويضمن أمنها الاستراتيجي، وسط كل هذه التحديات والتجاذبات، وكذا استثمار هذه المتغيرات عن طريق إحياء النقاشات الجدية إقليميًّا ودوليًّا بصدد حلّ الدولتين، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويُسهم في الحد من التوترات في المنطقة.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.
















0 تعليق