أطلَّ الفجر برأسه مظهرًا القمر مبتسم الوجه وعلى جانبيه ظهَرَ كوكبا الزهرة وزُحَل فى اقتران ثلاثى واضح من عام ٢٠٢٥، ولما اعتلت الشمسُ عرش السماء وتوسَّطته ذهبنَ جميعًا إلى الضِّفة الشرقية للنِّيل، حيث تقبع طهنا الجبل أو خشم الوادى، المنطقة التاريخية لعصر الدولة المصرية القديمة والعصر اليونانى، والمُسمَّاة «أكوارس».
«معبد نيرون» الذى يرجع تاريخه لألفى عام، خُصِّص لعبادة الإله «سوبك» إله الخصوبة والسلطة والقوة العسكرية وحامى الحدود الجنوبية للإقليم، له شكل التمساح.
تنتشر بالمنطقة مجموعة من مقابر العصر القبطى، إلى جانب الآثار الإسلاميَّة، وتماثيل على شكل تَماسيح مُحنَّطة داخل المعبد.
صَعِدن إلى الأعلى ببطء، ثم دخلَت إيزا منطقة المعبد مُتفحصة تفاصيله، والذى تعاقَبَت عليه حضارات متعدِّدة، العَسكر يَحرُسون المكان والناظر إلى المنطقة يرى أطلال البيوت الطينية المحترقة فى زمن ماضٍ، إنها الآن ترى بقاياه بعدما كان مُكوَّنًا من ثلاثة طوابق متتالية، تُراقِب المكان المنحوت فى قلب الجبل الصخرى، الطابق الأول به صالة كبيرة وثمانية أعمدة وصوامع للغلال محفورة فى الأرض. لم ترَ مِن قبلُ دقة نحته، أخذها الخيال بعيدًا لتُفكِّر كيف صارت شاهدةً على عصرٍ جديد تعيشه بكل تفاصيله الغريبة وكيف يقودها الفضول لتتفقَّده.
التصق محب بأمه التصاقًا مريبًا، أمَّا كاميليا، فبدت سارحة فى نهايات الألم الذى تشعر به بعدَ الغدر والخِداع المتمكنين منها. عادت إيزا من تفحُّصها المكان لتقبض على يد كاميليا وتسألها:
- ما هذا النحت الدقيق؟
ردت عليها بصعيدية متعمدة:
- بيجولوا اسمه خشم الوادى أو را إينت، شايفة الخضار جد إيه؟ دى حضارة بلدنا، واللى يعيش ياما يشوف.
تعجبت إيزا من طريقة كلام كاميليا غير المعتادة، لكنها ابتسمت محاولةُ الاستنجاد بهبة المبتسمة، فلم تقدم لها معلومة جديدة، فقط أخبرتها بأن المكان اسمه «فم الوادى»، وأحيانًا يسمونه «مقدمة الأسد» كما فهمت من حسن.
واصلن الطريق حتى دخلن الصالة الواسعة فى الطابق الأول، والمسنودة بثمانية أعمدة، شاهدن المقصورة للإله حتحور وقدس الأقداس، بقايا كربونية تسوِّد جدران وأسقف المكان، ثم فى أحد الحوائط يلمسن حفرًا للجدران لوضع التماسيح المحنَّطة، شهقت إيزادورا حين رأت فتحة من نافذة المكان بين الأحجار تطل من البعيد على منظر الوادى وتدرجات الخضرة. أما كاميليا فشاردٌ عقلُها مع خوفها المكتوم لما سيكتشفه برايان عن اختفاء بعض الأوراق، خافتْ أكثر على نَفْسها من القتل.
صعدت هبة إلى مقصورة الولادة أو «الماميز» الموجودة منذ العصر البطلمى، غالبًا ما استخدموها للعلاج الروحانى أو لمن لم تنجب وأرادت الحمل، تركت محب مع إيزادورا بعد جدال طويل وراحت تطوف، مشت ببطء شديد ورهبة، فجسدها السمين لم يساعدها على سهولة الحركة، نسيت كل شىء وتركتْ نفسها لمجاهل الرغبة الحالمة بها مجددًا وفكرة المصير الذى ربما ينتظرها هناك.
لم تكن تُدرِك وعورة المكان، فصارت تنهج وتتعرق، الكل يحمّسها على الدوران، والمنظر من الأعلى يجعل خفقان القلب فى ازدياد. تركتهم إيزادورا وراحت تدور فى الصالات بحثًا عن مكان يصلح لتقديم القربان، أمسكت جيِّدًا بمحب، قرَّبته من قدس الأقداس متمنيةً عودة حابى، لكن الصراع يدور بداخلها خوفًا من أى خطأ أو حتى عقاب ربما تلقاه لاحقًا، فلوهلةٍ تذكرت أن «محب» هو مشروع د. برايان لاستنساخ جيل يحمل جين المصرى القديم، وسيكتشف بدراسته أسرارًا علمية جديدة تنقل معه علم الجينوم إلى مراحل متقدمة. لكنها أغمضت عينيها وكأنَّ الإغماض سيزيح الخوف الراكد فى قلبها، ثم تمتمت ما تذكرته من قول الآلهة فى متون الموت وانتقال الميت للعالم الآخر، بدأت التراتيل بصوت مرتعش:
نزل إلى داره للخلود بسلام جميل
وهذا ما كان مهمومًا به عند أنوبيس وخنتى إمنتيو
بعد أن أُحضر له قربان
وضع على حافة بئر.. بعد عبوره البحيرة..
وبعد أن تجلى على يد الكاهن المرتل
انتقل إلى جبال الغرب
بعد عبوره البحيرة
حتى يتجلى على يد الكاهن المرتل
ويتم المحنط الشعائر له عند أنوبيس
فليتم له عبور البحيرة
ويتجلَّى بعد إتمام الكاهن المرتل الشعائر.
وما إن انتهت حتى تشبَّثت بمحب الخائف منها بكل قوتها، ركعت على قدميها لتنظر فى عينيه البريئتين، لا تدرى لماذا خطفَت قلبَها تلك النظرةُ، وشغلت عقلَها براءتُه، وحاصرتها الأسئلة كعاصفةٍ من غبارٍ دقيق ملأ مساحات العقل!
إنها اللحظات ذاتها التى تدور فيها هبة عند «الطاجة»، تنظر من وقتٍ إلى آخَر نحو حافة الجنون، تُصارع رغباتها رهبتها، هل هى تطمح فى مزيد من الأولاد؟! ألا يكفيها محب وثروة أبيها وقرب زوجها؟! أم أنه طمعٌ فِطرىٌّ حين يقطف المرء ثمار النِّعم فيرغب فى الاستزادة؟!
ترى كاميليا الأفق يحدوه الكثير من العبث وتتأمله بكل خوف، تتراءى لها من بعيد ظلال مجموعة من البشر يتصدَّرُهم الدكتور برايان متجهين نحوها، هل الشمس أزاغت بصرها أم ما تراه هو حقيقة؟! أم أن النظر إلى الوادى جعل اتزانها مهتزًّا؟ أم أن الخوف من اكتشاف خدعتها الدكتور برايان صنَع بداخلها توهُّمات فكرية؟
هل عليها الهرب الآن لتنجو بروحها وتتركهن يواجهن المصير المحتوم؟!
إنه من سحيق فضاء المكان المعبَّأ برائحة التاريخ، وسِحر الرغبة العارمة الجامحة لكل هؤلاء النسوة، للحُصول على ما يَرينهُ استحقاقًا من أمنيات مستحيلة، أو حتى خلاصًا من رهبة مَخاوف متجذِّرة فى نفوسهن.
كيف تتوقف القرارات عند لحظة تردُّد؟ وكأنَّ المشهد أشبه بمسرح يستعد لإسدال ستاره، بعدما تراجعت الشمس كثيرًا عن موقعها، وطوَّقت حُمرة أشعتها سماء الحقيقة، فكاميليا الآن ظلت متسمِّرة، تنظر نحو البعيد بعينينِ مرتعشتينِ، وهبة فى أعلى الحافَّة قدماها ترتعشان، وإيزا بنظراتها الحائرة ودُنياها التى جارت عليها مرات ومرات تُمِسك بمحب بيدين مرتعشتين، لتسود لحظةُ صمتٍ فارقة.
أخيرًا، اختفى السكون فى المكان، وسكَت صوتُ الرياح لامتلاء الوادى بالصرَخات.
مقطع من رواية «عروس السراديب»








0 تعليق