فإنه عندما تحدث سقراط عن الفضائل وجعل فى اقتناءها طريقا لتحقيق السعادتين، سعادة الدنيا والسعادة فى العالم الآخر،
إلا إنه رأى أن سعادة الفرد لا يمكن أن تتحق إلا من خلال سعادة المجموع، وهذه دعوة صريحة منه إلى الاهتمام بالمجتمع، ومن هذا المنطلق هب يعلم الشباب الاثيني الفضيلة قائلا عبارته الشهيرة، الفضيلة علم والرذيلة جهل، وظل يحارب فساد مجتمعه حتى حكم عليه بالإعدام متجرعا السم.
كذلك من خلال مطالعتنا لمحاورات أفلاطون، وجدناه قدم تعريفا للعدالة قائلا، العدالة لن تتحقق للإنسان إلا إذا سيطرت قوته العاقلة على قوتيه الغضبية والشهوية، ولن تتحقق فى المجتمع إلا إذا حكم العقلاء، يقصد الحكماء.
وعندما قدم أرسطو تعريفا للإنسان قال إنه حيوان ناطق عاقل، أتت بعده مدارس علم الاجتماع فى العصر الحديث، وأضافوا إلى هذا التعريف أنه حيوان ناطق عاقل اجتماعي، يحب العيش في جماعة وينفر من العزلة.
نعم وهذا ما ذهب إليه الفارابي في مؤلفه الرائع آراء أهل المدينة الفاضلة عندما قال الإنسان مدني بطبعه.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف سيتواءم مع بني جلدته، بمعني آخر كيف سيتعايش معهم، وكيف سيتكيف مع المجتمع بكل متغيراته ومتناقضاته، كيف سيؤدي ما عليه من واجبات، وما حقوقه التي ينبغي على المجتمع أن يوفيها إليه.؟!
قد تأتينا الإجابة من علماء الدين، ومن النواميس الإلهية، أن الدين هو الضمانة الحقيقية لضبط توازن الإنسان في مجتمعه من خلال التشريعات المنظمة لحياته، ثوابا، وعقابا، أي عن طريق ( فلسفة الجزاء)
لكن قد يواجهنا سؤال آخر هل كل المجتمع متدين، أي يعتنق أفراده أديان معينة، فقد يوجد الملاحدة، وعباد الطبيعة، وعباد الشجر والحجر والبقر، فأي اعتقاد سيضبط تعاملهم مع الآخر.!
وقد تأتينا الإجابة من أصحاب الأعراف والعادات والتقاليد، فيقولوا لنا أن العرف الإجتماعي هو الذي يضبط سلوك الفرد مع بني جلدته، لكن نرد على هذا الطرح بطرح آخر، هل جميع أفراد المجتمع سيلتزمون بما تمليه عليهم أعرافهم، وهل سيمتثلون إلى الأحكام العرفية في تعاملاتهم.
وقد تأتينا الإجابة من المشرع القانوني الذي يسن القوانين التي لابد أن يعمل بمقتضاها الناس والتي تعد بمثابة قوانين ومواثيق من يشذ عنها ويخالفها يتعرض للعقاب.
لكن سنواجه هذا الطرح بطرح آخر هل سيلتزم الجميع بهذه القوانين، ونوجه طرحا آخر لماذا في خضم كثرة هذه القوانين الوضعية تكثر السرقات وحوادث القتل والاغتصاب وغيرها مما تطيح بالمجتمع.؟!
إلا إننا قد نواجه بطرح جديد، يقول أنصاره، لم لا يكون الضابط للإنسان في تعامله مع مجتمعه، القوانين بنوعيها التي تحدث عنها سقراط، القوانين المكتوبة والقوانين غير المكتوبة، أي القانون الوضعي، والقانون الذاتي المتمثل فى القانون الأخلاقي المتمثل فى الوازع الداخلي لدي الإنسان ( الضمير ).
لكن السؤال الملح، كيف يكون الضمير مقوما أخلاقيا للإنسان، بمعنى، هل مثلا نرى سارقا ونتركه لضميره، هل سيتحرك ضميره ويرد سريقته، أو نعلم أن فلان مرتشي، ونذهب إليه مقدمين الرشاوى له ثم نقول هو وضميره سيقبلها أم لا.؟!
إذن الضمير الإنساني لا يعتد به كمصدر آمن من مصادر الحكم على الفعل الإنساني أنه أخلاقي أو لا أخلاقي، أو أكثر أخلاقية أو أكثر لا أخلاقية لماذاا لأن الفعل ها هنا لازم يلزم صاحبه وليس متعديا، أفعل أو لا أفعل.
لكن الإنسان بطبيعته وبتكوينه كائن يحيا في مجتمع ومن ثم ضرورة ملحة أن تكون هنآك ضوابط تقوم أفعاله المتعدية، أي التي تتعداه إلى الآخر.
الضابط الأول، أن يتحول الإنسان في سلوكياته وتعامله مع الآخرين من الإلزام إلى الالتزام، بمعني من ألزامك أن تكون أخلاقيا إلى إلتزامك أنت بهذه الالزامات.
وهنا ننحول الأوامر المشروطة إلى أوامر مطلقة، بمعنى ألزمك أن تذاكر لماذا، لأنك إن ذاكرت ستنجح، ثم تتحول الالزامات إلى إلتزامات، بمعنى يتحول الأمر من مشروط إلى مطلق، لأن إلتزامك يكون نابعا من حب فعلك للشئ.
الضابط الثاني، أن يتحول الإنسان في أفعاله تجاه الآخرين من الأنا أي من الذاتية إلى الغيرية، بمعنى أن لا يكون الإنسان في تصرفاته أنانيا يؤثر مصلحته على مصلحة الآخرين، وإنما يعمل مبدأ الإيثار.
الضابط الثالث، أن يفعل الإنسان فعله الأخلاقي احتراما لمبدأ الواجب الأخلاقي، فمن خلال هذا الواجب يفعل الفعل لا ينتظر جزاء ولا شكورا.
الضابط الرابع، أن يعامل المرء الإنسانية ممثلة في شخصه، فما لا يرضاه لنفسه لا يرضاه للآخرين، بمعنى أوضح أن يحب المرء لا أخيه ما يحب لنفسه.
الضابط الخامس، تفعيل منظومة القيم الخلقية، كأن يكون الإنسان كريما، شجاعا، عادلا، محبا للخير، كارها للشر، عفيفا.
الضابط السادس، إعلاء المبدأ الأرسطي، المتمثل فى الاعتدالية والوسطية في كل شئ، فلا ينغمس بالكلية في شهواته، ولا ينغمس بالكلية في روحانياته، وإنما خير الأمور أوساطها.
الضابط السابع، محاولة جادة لنشر الفضيلة من خلال توضيح معناها لاقتناءها، وكذلك محاولة التعريف بالرذائل لاجتنابها..
خصوصا ونحن في مجتمع سيطرت وطغت عليه منصات التواصل الاجتماعي فاختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبحنا لا نستطيع التفرقة بين الغث والثمين، القبيح والجميل، الخير والشر، فبات المتلقي كريشة في مهب الريح تتقاذفه أهوائه وشهواته.
فانتشرت الرذائل في شتى صورها، تلك الرذائل التي عصفت بمجتمعاتنا فتحولت بكثير منا إلى ناقلين ومقلدين، متلقين، مفعول بنا غير فاعلين.
وبالسؤال، لماذا أصبحنا هكذا، تجد الإجابة سريعة، نحن في عصر الحداثة والثورة المعلوماتية والإنترنت، في عصر العقلنة.
لكن هل العقلنة والتعقل تقول لنا كونوا إمعة، كونوا حقل تجارب، كونوا مستمعين فقط، نعم سمعنا من طعن وسب النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا فعلنا، شاهدنا من يفتي في أمور الناس بالباطل ماذا تحرك فينا، شاهدنا من يشرب المخدرات فى الشوارع ويضايق المارة ليلا ونهارا، ولم نفعل شيئا.
هل العقلانية تفرض علينا السلبية، أن نكون سلبيين، نرى من يبيع الملازم عيانا بيانا داخل الحرم الجامعي، ماذا فعلنا.
لا شئ، إذن نحن في حاجة إلى إعادة البناء الأخلاقي فى المجتمع من جديد أو حتى في أضعف الإيمان إعادة هيكلته حتى تستقيم حياتنا ويصلح حال مجتمعنا.
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق.













0 تعليق