الصدمة الصينية الثانية تربك أوروبا.. ماذا حدث؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

واصلت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية استعراض ملامح "الصدمة الاقتصادية الصينية الثانية"، في تقريرها الثاني على التوالي، الذي سلطت فيه الضوء على مصير أوروبا ومواقفها المتضاربة حيال تيار الاستثمارات الصينية المتدفقة، بين الخوف على استقلالية القرار الاستراتيجي التصنيعي الأوروبي من جانب، والتماهي مع التقدم التكنولوجي الصيني ومحاولة الاستفادة منه، على الجانب الآخر.

صدمة اقتصادية صينية ثانية

وأشارت "فاينانشيال تايمز" في تقريره، إلى أن العالم قد يواجه "صدمة اقتصادية صينية ثانية"، حيث تتوسع الصين بقوة في الصناعات المتقدمة مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والبطاريات.

وساق التقرير عددًا من الأمثلة المتضاربة التي تشهدها القارة الأوروبية في تعاطيها مع الموجة الصينية الجديدة، وفي مقدمتها ردود فعل إسبانيا حيال إغلاق شركة "بوش" الألمانية، العام الماضي، لفرعها في مدينة نافارا شمالي البلاد، جراء نزيف الخسائر التي لحقت بها بسبب السلع الصينية الرخيصة. دفع ذلك إسبانيا إلى أن أصبحت في طليعة الدول الأوروبية التي تعمل على استقطاب استثمارات صينية جديدة.

والتقى رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، يوم الثلاثاء الرئيس الصيني، تشي جين بينج، وهو رابع لقاء له في غضون ثلاث سنوات. وجاء العائد متمثلًا في قدوم شركة "هيثيوم"، كبرى شركات الصين لتصنيع البطاريات، لتعلن في مارس أنها تخطط لتشييد مصنع لها في "نافارا"، يضم بين جنباته مصنع "بوش القديم، بتكلفة 400 مليون يورو في المنطقة، بما يوفر 700 وظيفة جديدة.

ولفتت "فاينانشيال تايمز" إلى أن القادة الإسبان، بمن فيهم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزير الصناعة جوردي هيريو، يشددون على أهمية التعاون مع الصين لتحقيق التقدم التكنولوجي وتعزيز المرونة الاقتصادية، إذ يرونها أقل عرضةً للتقلبات الجيوسياسية. إلا أن هذا الحماس يقابل بتخوف وقلق واضحين في أنحاء أوروبا، حيث يحذر القادة من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على المصانع المملوكة للصين، والتي قد تتماهى مع استراتيجية الصين الوطنية لتعزيز نفوذها وسيطرتها.

من جانبها، تستجيب المفوضية الأوروبية بحذر، إذ عاودت الدعوة إلى ممارسات سابقة باقتراح قانون "صنع في أوروبا"، الذي يلزم الشركات التي تنشئ مصانع تابعة لها في الاتحاد الأوروبي بنقل المعرفة، وتدريب الموظفين المحليين، وشراء المواد محليًا.

وتأتي هذه المبادرة في أعقاب انتعاش الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في أوروبا، لا سيما في القطاعات الحيوية لمستقبل الصناعة الأوروبية، مثل الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية، حيث ارتفع إجمالي الاستثمارات في المصانع الجديدة إلى ما يقرب من 12 مليار دولار العام الماضي، بما يمثل ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في عام 2022، حسب أرقام "روديوم جروب" البحثية.

وتنتقل "فاينانشيال تايمز"، في تقريرها الثاني، للحديث عن سوابق تاريخية، مشيرة إلى سياسات الصين التجارية في ثمانينيات القرن الماضي، ومقارنتها بالاستراتيجيات الراهنة التي يتبناها مستثمرو الصين في أوروبا، لتطرح بذلك تساؤلات متباينة حول المصالح المشتركة من جانب، والتبعية الاقتصادية المحتملة على الجانب الآخر.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحصة الأكبر من الاستثمارات الصينية "الخضراء" عرفت طريقها إلى المجر، وكان رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، قبيل هزيمته الأحد الماضي، يتصدر دول الاتحاد الأوروبية في علاقاته الاقتصادية مع الصين، وتحلى بالصمت حيال مخاطر تبعية الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية. كانت آخر الاستثمارات الصينية في فبراير حين أعلنت شركة "إيفورينج" للصناعات الدقيقة عن إقامة مصنع لها في المجر لإنتاج العجلات المسننة والمحاور الخاصة بالسيارات الكهربائية بتكلفة 100 مليون يورو،

وألقت الضوء على دعوة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الرامية إلى تحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار الصيني وفرض لوائح أكثر صرامة لضمان توافق الاستثمار الأجنبي المباشر مع المصالح الاقتصادية الأوروبية.

وفي الوقت الذي يشجع ماكرون الشركات الصينية على الاستثمار في القطاعات التي تمتلك فيها خبرة وتساهم في خلق فرص العمل والابتكار، تثار مخاوف عدة بشأن مدى استعداد بكين لمشاركة الملكية الفكرية، كما هو الحال مع مصنع بطاريات السيارات الكهربائية التابع لشركة "كاتل" في إسبانيا، الذي تبلغ تكلفته 4 مليارات يورو بالتعاون مع شركة "ستيلانتيس".

ويُعرب القادة السياسيون الأوروبيون عن حاجتهم إلى مساهمات تكنولوجية أكثر جوهرية من المستثمرين الأجانب، بدلًا من مجرد أدوار تجميعية، وهو رأي يؤيده مفوض الصناعة في الاتحاد الأوروبي، ستيفان سيجورنيه،. ويقود سيجورنيه الجهود المبذولة لتنفيذ قانون "صنع في أوروبا"، الذي يعرف رسميًا باسم "قانون تسريع الصناعة". 

ويهدف قانون الاستثمار الدولي إلى إنعاش قطاع التصنيع الأوروبي، الذي شهد تراجعًا في مساهمته من 17.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في عام 2000 إلى 14.3 في المائة حاليًا. 

ويركز القانون بشكل خاص على الاستثمارات القادمة من الدول المهيمنة على التصنيع العالمي، كالصين.

وتختتم صحيفة "فاينانشيال تايمز" تقريرها مشددة على أن الوضع الراهن يعكس "ديناميكية معقدة"، حيث تجد الدول الأوروبية نفسها معتمدة على الاستثمارات الصينية وفي الوقت نفسه تسعى إلى فرض شروط أكثر صرامة، تجعلها "صينية ذات طابع أوروبي"، مما ينذر بمواجهة محتملة بشأن ميزان المصالح بين أوروبا والصين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق