يستعد العالم لأزمة طاقة محتملة خلال فصل الصيف المقبل، في ظل الاضطرابات العالمية بسبب الحرب الإيرانية الأمريكية وتأثيرها على إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط بصورة كبيرة لتتجاوز 100 دولار.
وبدأت الحكومات حول العالم اتخاذ إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة تجنبًا لمواجهة أي أزمة محتملة في حال استمر التصعيد الأمريكي الإيراني.
تراجع مخزونات النفط الأمريكية
شهدت مخزونات النفط والوقود في الولايات المتحدة انخفاضًا ملحوظًا خلال الأسبوع الماضي، في ظل تراجع الواردات وزيادة الصادرات، بالتزامن مع اضطرابات سوق الطاقة العالمية الناتجة عن التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران، وهو ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع مخزونات النفط الخام بنحو 913 ألف برميل، لتسجل 463.8 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 10 أبريل، وذلك على عكس التوقعات التي رجحت ارتفاعها بنحو 154 ألف برميل.
كما سجلت صافي واردات النفط الخام الأمريكية انخفاضًا حادًا بلغ 2.11 مليون برميل يوميًا، لتصل إلى نحو 66 ألف برميل فقط يوميًا، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله على الإطلاق، في وقت ارتفعت فيه الصادرات بنحو 1.1 مليون برميل يوميًا لتبلغ 5.23 مليون برميل يوميًا.
وفي أعقاب صدور هذه البيانات، نجحت أسعار النفط في تقليص خسائرها، مدعومة بارتفاع إجمالي المعروض من المنتجات النفطية، الذي يُعد مؤشرًا على الطلب، حيث زاد بنحو 127 ألف برميل يوميًا ليصل إلى 20.76 مليون برميل يوميًا.
وعلى صعيد عمليات التكرير، تراجعت معدلات تشغيل المصافي بنحو 208 آلاف برميل يوميًا، فيما انخفضت نسبة التشغيل بمقدار 2.4 نقطة مئوية لتستقر عند 89.6%.
كما سجلت مخزونات البنزين انخفاضًا حادًا بلغ 6.3 مليون برميل لتصل إلى 232.9 مليون برميل، وهو تراجع أكبر من التوقعات التي أشارت إلى انخفاض بنحو 2.1 مليون برميل فقط.
وبالمثل، انخفضت مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بنحو 3.1 مليون برميل لتسجل 111.6 مليون برميل، مقارنة بتوقعات بتراجع أقل عند 2.4 مليون برميل.
وفيما يتعلق بحركة التجارة، تراجعت واردات المنتجات النفطية بنحو 443 ألف برميل يوميًا، بينما بلغت الصادرات نحو 7.52 مليون برميل يوميًا، منخفضة بشكل طفيف عن الأسبوع السابق، لكنها تظل أعلى من مستوياتها المسجلة قبل عام، والتي بلغت نحو 6.9 مليون برميل يوميًا.
تعكس هذه المؤشرات حالة الضغط التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، في ظل تزايد الطلب على الصادرات الأمريكية لتعويض أي نقص في الإمدادات، ما يضع مزيدًا من التحديات أمام استقرار الأسواق خلال الفترة المقبلة.
إجراءات أوروبية لمواجهة أزمة الطاقة
وأكدت شبكة "دويتش فيله" الألمانية أنه مع دخول الحرب في إيران شهرها الثاني، بدأت دول الاتحاد الأوروبي في الاستعداد لتداعيات أزمة طاقة متصاعدة، وسط مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل حاد، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى مطالبة أكثر من 400 مليون مواطن بتقليل استهلاك الطاقة.
ودعت المفوضية المواطنين إلى تقليل السفر جوًا وبرًا والعمل من المنزل والمساهمة في ترشيد الاستهلاك، في محاولة للحد من الضغوط المتزايدة على موارد الطاقة.
حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن التأثيرات الاقتصادية للحرب قد تكون بحجم الأزمات الكبرى التي شهدتها أوروبا مؤخرًا، مثل جائحة كورونا وبداية الحرب في أوكرانيا، حين خفض الاتحاد الأوروبي اعتماده على الطاقة الروسية.
وأكد مفوض الطاقة الأوروبي دان يورجنسن ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتقليل استهلاك الوقود، خاصة الديزل ووقود الطائرات، داعيًا المواطنين إلى استخدام وسائل النقل العام وزيادة مشاركة السيارات واعتماد أساليب قيادة أكثر كفاءة.
ويرى خبراء أن الأزمة المرتقبة لن تقتصر على ارتفاع أسعار الوقود، بل قد تمتد لتؤثر على القطاع الصناعي وترفع معدلات التضخم وتؤدي إلى تراجع الطلب وزيادة أسعار الغذاء.
وأشارت المحللة المتخصصة في شؤون الطاقة آنا ماريا جالر ماكاريفيتش إلى أن أوروبا لم تدرك بعد حجم الأزمة الحقيقية، متوقعة أن تبدأ تداعياتها في الظهور خلال شهر، خاصة مع تحويل بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا نتيجة المنافسة المتزايدة على الإمدادات.
وشهدت أسعار النفط والغاز ارتفاعًا بنسبة تصل إلى 70 بالمئة منذ بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، وردت طهران باستهداف دول الخليج الغنية بالطاقة وإغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية.
تكبد الاتحاد الأوروبي خسائر مالية كبيرة نتيجة الأزمة، حيث أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى أن الأيام العشرة الأولى فقط من الصراع كلفت دافعي الضرائب الأوروبيين نحو 3 مليارات يورو إضافية لاستيراد الوقود الأحفوري.
كما حذر تقرير حديث من أن تضاعف أسعار الغاز قد يضيف نحو 100 مليار يورو إلى فاتورة واردات الغاز الأوروبية خلال العام المقبل.
إلى جانب ارتفاع الأسعار، تتزايد المخاوف من نقص الإمدادات مع استمرار الحرب، خاصة في ظل احتمال تحول الإمدادات المحدودة نحو الأسواق الآسيوية التي تعتمد بشكل أكبر على الطاقة القادمة عبر مضيق هرمز.
ورغم أن اعتماد أوروبا المباشر على هذا المسار كان محدودًا نسبيًا قبل الحرب، فإن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات إذا اشتدت المنافسة مع آسيا.
عمل الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا، مع زيادة الواردات من الولايات المتحدة والنرويج، حيث أصبحت واشنطن أكبر مورد للغاز إلى أوروبا.
لكن مع احتدام المنافسة العالمية، بدأت بعض الشحنات تتحول من أوروبا إلى آسيا، ما يزيد الضغوط على الإمدادات الأوروبية، خاصة مع خطط إنهاء واردات الغاز الروسي بحلول عام 2027.
في ظل الأزمة، دعا بعض المسئولين الأوروبيين إلى إعادة النظر في العلاقات مع موسكو لاستعادة الوصول إلى مصادر طاقة أرخص، إلا أن المفوضية الأوروبية رفضت هذا الطرح بشكل قاطع، مؤكدة أنها لن تستورد أي طاقة روسية مستقبلًا.
يقترح خبراء اتخاذ إجراءات مثل فرض سقف لأسعار الغاز أو تقديم دعم للقطاعات الصناعية الأكثر استهلاكًا للطاقة مثل الحديد والأسمنت والأسمدة.
لكن هناك تحذيرات من أن تحديد سقف للأسعار قد يضعف الحوافز لتقليل الاستهلاك والاستثمار في الطاقة النظيفة، ما قد يفاقم الأزمة على المدى الطويل.
حذرت منظمات صناعية من تأثيرات سلبية على سلاسل إمداد الأسمدة، ما قد يهدد الأمن الغذائي، إضافة إلى تداعيات محتملة على قطاعات الصناعات الكيماوية والبلاستيك والألمنيوم والزجاج.
كما بدأت شركات الطيران في دراسة تقليص رحلاتها مع ارتفاع تكاليف الوقود وتراجع الطلب المحتمل.
يرى محللون أن الأزمة الحالية تمثل فرصة لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، من خلال زيادة الاستثمارات في الصناعات الخضراء مثل مضخات الحرارة والسيارات الكهربائية.
ودعا خبراء إلى خفض الضرائب على الكهرباء لتشجيع الاعتماد على البدائل النظيفة بدلًا من الوقود الأحفوري.
حتى في حال انتهاء الحرب قريبًا، من غير المتوقع أن تعود الإمدادات إلى طبيعتها سريعًا، خاصة بعد الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة، بما في ذلك منشآت رئيسية في قطر تعرضت لضربات صاروخية.
وأكد مسؤولون أوروبيون أن الأزمة لن تكون قصيرة الأمد، في ظل استمرار تدمير منشآت الطاقة في المنطقة، ما ينذر بفترة طويلة من الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
تعكس هذه التطورات دخول أوروبا مرحلة دقيقة من التحديات الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، حيث تواجه معادلة معقدة بين تأمين الإمدادات والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، في ظل بيئة دولية مضطربة قد تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية لسنوات قادمة.
تحركات يابانية لاحتواء الأزمة
وأكدت وكالة الأنباء الفرنسية، أن اليابان أعلنت عن تقديم حزمة مساعدات مالية بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الدول الآسيوية التي تواجه أزمة حادة في إمدادات الوقود، في خطوة تأتي على خلفية الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية نتيجة الصراع المرتبط بالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
وكشفت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي عن هذا الإطار الجديد للتعاون عقب اجتماع افتراضي عقدته مع عدد من قادة الدول الآسيوية، حيث أكدت خلاله الترابط العميق بين اقتصادات المنطقة، خاصة في ما يتعلق بسلاسل الإمداد التي تربط بين هذه الدول.
وأشارت إلى أن الأزمة الحالية أظهرت مدى هشاشة منظومة الطاقة العالمية، وأبرزت الحاجة إلى تنسيق إقليمي لتعزيز أمن الإمدادات وضمان استمرارية تدفق الموارد الحيوية.
تهدف المبادرة اليابانية إلى ضمان استقرار إمدادات النفط الخام والمنتجات البترولية في الدول الآسيوية، إلى جانب العمل على زيادة القدرة التخزينية وتعزيز أنظمة التوريد، بما يسهم في تقليل تأثير الصدمات المستقبلية على أسواق الطاقة.
ومن المتوقع أن تستفيد دول رابطة جنوب شرق آسيا بشكل خاص من هذه المبادرة، لا سيما الفلبين وماليزيا وسنغافورة وتايلاند وفيتنام، إلى جانب ترحيب كل من بنغلاديش وكوريا الجنوبية بهذه الخطوة.
تعود جذور أزمة الطاقة الحالية إلى حالة عدم الاستقرار في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لإمدادات النفط العالمية، حيث يمر عبره نحو 20 بالمائة من إجمالي الإمدادات، ويتجه ما يقارب 90 بالمائة من هذا النفط إلى الأسواق الآسيوية.
وقد أدى تعطل حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع حدة المنافسة بين الدول المستوردة، ما فاقم من الضغوط على اقتصادات المنطقة.
سيتم تمويل هذه المبادرة عبر عدد من المؤسسات المالية اليابانية والدولية، من بينها بنك اليابان للتعاون الدولي، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي، بالإضافة إلى بنك التنمية الآسيوي، في إطار جهود منسقة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
كما أعلنت اليابان عن سحب جزء من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لدعم الأسواق وتخفيف حدة الأزمة.
كانت اليابان تمتلك حتى نهاية عام 2025 احتياطيات نفطية تكفي لتغطية احتياجاتها لمدة تصل إلى 254 يومًا، إلا أن تفاقم الأزمة الحالية دفعها إلى استخدام هذه الاحتياطيات الاستراتيجية للمساهمة في استقرار الأسواق.












0 تعليق